منوعات

تمثال ويليام بيت الأكبر يعود إلى نيوبريبورت بعد ترميمه: حكاية أغرب أثرياء أمريكا

في متحف “أولد نيوبري” بولاية ماساتشوستس الأمريكية، يقف تمثال خشبي ضخم ملون لرجل يرتدي زيًا عسكريًا على سلالم المبنى الفيدرالي الفخم الذي شُيد في أوائل القرن التاسع عشر، ويبدو للناظرين وكأن عينيه تتابعانه أينما تحرك. هذا التمثال الذي يلفت أنظار الزوار فور دخولهم هو الوحيد الباقي من مجموعة تماثيل كانت تخص واحدًا من أغرب وأكثر رجال الأعمال ثراءً وشذوذًا في التاريخ الأمريكي المبكر، تيموثي دكستر، وكان مملوكًا لمؤسسة سميثسونيان وخضع للترميم قبل إعادته إلى نيوبريبورت حيث يُعرض حاليًا في المتحف.

تقع نيوبريبورت عند مصب نهر ميريماك وجزيرة بلوم أيلاند، وتُعد واحدة من أشهر المجتمعات الساحلية النابضة بالحياة في ماساتشوستس، ولها تاريخ طويل في الشحن وصيد الأسماك والسياحة، ويُعترف بها رسميًا كمكان تأسيس خفر السواحل الأمريكي. ومتحف أولد نيوبري مخصص لتاريخ المدينة والمناطق المحيطة بها، ويضم العديد من القطع الأثرية التاريخية الفريدة، لكن أكثر ما يلفت الانتباه فور دخول الزوار هو ذلك التمثال الخشبي الكبير الذي يبدو أنه يتبع الناظر بعينيه.

وُلد دكستر في مستعمرة ماساتشوستس عام 1747 لعائلة فقيرة من أصول إنجليزية وإيرلندية، وترك المدرسة في حوالي الثامنة من عمره ليعمل مزارعًا، ثم أصبح متدربًا لدى دباغ في السادسة عشرة. في عام 1769، انتقل الشاب البالغ من العمر 21 عامًا إلى نيوبريبورت وتزوج من الأرملة الثرية إليزابيث فروثينجهام البالغة من العمر 32 عامًا، واستخدم الأموال التي حصل عليها لشراء قصر كبير وبدء مشاريعه التجارية الغريبة والمزدهرة.

بعد انتهاء الحرب الأمريكية الثورية، انهارت قيمة الدولار القاري إلى درجة انعدام قيمته تقريبًا وكان يمكن الحصول عليه بسهولة، فاشتراه دكستر بكميات ضخمة، وعندما قررت الحكومة الأمريكية تكريم ديونها، حقق أرباحًا معتبرة. استخدم هذه الأموال لبناء سفينتين وبدأ أعمال التصدير إلى منطقة الكاريبي وأوروبا، حيث باع “مدفئات الأسرّة” المصممة لشتاء نيوإنجلاند البارد إلى جزر الهند الغربية ذات المناخ الاستوائي، وهي الصفقة التي بدت غير منطقية حتى وجدت صناعة دبس السكر المحلية فيها استخدامًا جديدًا كملاعق كبيرة. كما أرسل شحنة من القفازات الصوفية إلى جزر الهند الغربية، اشتراها تجار روس كانوا راسيين هناك وأعادوا بيعها لاحقًا في سيبيريا. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل صدّر أعدادًا كبيرة من القطط الضالة إلى منطقة الكاريبي، حيث اشتراها السكان المحليون لمكافحة القوارض، وخزّن كميات كبيرة من عظام الحيتان التي حُوّلت لاحقًا إلى دعائم للمشدات النسائية.

جعل هذا النجاح غير المعتاد من دكستر محل حسد النخبة في نيوإنجلاند، الذين فكروا في طرق لإفلاسه، فاقترح بعضهم أن “يبيع الفحم إلى نيوكاسل” في إنجلترا، وهو تعبير اصطلاحي يصف فعلًا غير مجدٍ لأن المدينة كانت من أكبر منتجي الفحم في العالم خلال القرن الثامن عشر. أخذ دكستر الاقتراح حرفيًا وأرسل شحنة كبيرة من الفحم، التي بيعت بأسعار مرتفعة لأن عمال المناجم المحليين كانوا في إضراب آنذاك. كما أقنعه البعض ببيع سراويل وقفازات وجلود ودهن الحيتان إلى جزر الهند الشرقية، فاشتراها تجار برتغاليون في الوقت المناسب وهم في طريقهم إلى الصين. كان دكستر فخورًا بأسلوبه التجاري الفريد في رؤية القيمة في أشياء يعتبرها الآخرون عديمة النفع، رغم السخرية التي قوبل بها من النخبة.

استخدم دكستر ثروته الهائلة في تزيين منزله بالمآذن وضريح لنفسه، ووضع خارج المنزل 40 تمثالًا بالحجم الطبيعي لشخصيات شهيرة عاصرها، من بينها جورج واشنطن وتوماس جيفرسون ونابليون بونابرت وويليام بيت الأكبر، وإلى جانبها تمثال لنفسه نقش عليه: “أنا الأول في الشرق، الأول في الغرب، وأعظم فيلسوف في العالم الغربي”. أطلق على نفسه لقب “اللورد تيموثي دكستر” وعرض مكافأة مالية لمن يناديه “اللورد تشيستر” أثناء إقامته في أملاكه بتشيستر بنيوبهامشير. ومن أغرب سلوكياته إخبار الناس بأن زوجته الحية قد ماتت وأن المرأة الموجودة في منزله هي شبحها، وتدبيره موته الوهمي وإقامة جنازة صورية ليرى عدد الحاضرين، وإرساله التماسات متكررة للتعيين في منصب عام حصل بموجبها على لقب “مُخبر الغزلان” الذي كان يعني إبلاغ السكان بوصول الغزلان إلى المدينة وإنفاذ قوانين صيدها، رغم عدم وجود غزلان في نيوبريبورت أساسًا.

في نهاية حياته عام 1802، نشر كتابًا بعنوان “مخلل لمن يعلمون”، اشتكى فيه بشكل أساسي من السياسيين ورجال الدين وزوجته، ويتميز الكتاب بضعف قواعده النحوية والإملائية وخلوه تمامًا من علامات الترقيم. بعد وفاته عام 1806، بيعت ممتلكاته ومعظم متعلقاته في مزاد علني. ودمر إعصار سبتمبر الكبير وإعصار نيوإنجلاند عام 1815 معظم التماثيل الخارجية، وبيعت تلك التي نجت أو استُخدمت كحطب للتدفئة. التمثال الوحيد الباقي اليوم هو تمثال ويليام بيت الأكبر، الذي كان مملوكًا لمؤسسة سميثسونيان وخضع للترميم قبل إعادته إلى نيوبريبورت حيث يُعرض حاليًا في متحف أولد نيوبري. ويظل كل من دكستر وتمثال ويليام بيت من الغرائب الفريدة التي تستحق الزيارة والتعرف على قصتها عن قرب.

المصدر: atlasobscura

زر الذهاب إلى الأعلى