فيلم «أوديسيوس: السقوط» بالذكاء الاصطناعي يضعف أمام نولان.. وأخطاؤه تتحول إلى لعبة للمشاهدين

يقدّم فيلم Odysseus: The Fall إعادة سرد لملحمة «الأوديسة» أُنجزت بالكامل بالذكاء الاصطناعي، لكنه يتحول، وفق مراجعة نقدية للتجربة، إلى عمل طويل ومفكك تكشف أخطاؤه حدود التقنية أكثر مما تثبت قدرتها على صناعة أفلام متماسكة. ويأتي ذلك بعد النجاح الجماهيري الكبير لاقتباس كريستوفر نولان للملحمة نفسها، الذي أسهم في تجدد اهتمام الجمهور بالأدب الكلاسيكي.
الفيلم متاح حاليًا للإيجار مقابل 9.99 دولارات، ويبدو أن مشاهدته تقتصر على متصفح الإنترنت. ولعرضه على شاشة التلفزيون، اضطر المراجع إلى عكس شاشة هاتفه عليها، في تجربة بعيدة جدًا عن أجواء شاشات «آيماكس» ذات مقاس 70 ملم، قبل أن يكتشف أن المشكلات لا تتعلق بطريقة العرض وحدها.
فيلم طموح بفريق صغير
أنتجت الفيلم شركة الذكاء الاصطناعي Fountain 0، وكتب العمل وأخرجه الشريك المؤسس للشركة آش كوشا، الذي قدّم أيضًا ملامحه لشخصية أوديسيوس وتولى تأليف الموسيقى كاملة. وتبدو قائمة الاعتمادات النهائية للفيلم قصيرة للغاية.
وكان العمل السابق الوحيد للشركة فيلمًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي بعنوان Dreams of Violets، وقد وصل إلى مهرجان تريبيكا في وقت سابق من العام. أما The Fall، فقد قُدّم باعتباره «أول فيلم مولد بالكامل بالذكاء الاصطناعي ومنتج بمستوى فيلم هوليوودي ضخم»، لكن المشاهدة الفعلية لا تدعم هذا الوصف، بحسب المراجعة.
تبلغ مدة الفيلم ساعتين ونصف الساعة، وهي مدة جعلت المراجع يتساءل باستمرار كيف يمكن أن تتدهور التجربة أكثر. وبدل أن يبدو نافذة على مستقبل صناعة الأفلام بالذكاء الاصطناعي، بدا أقرب إلى حجة ضد قدرة هذه التقنية على إنتاج فيلم طويل متماسك في الوقت الراهن.
أخطاء تتغير من لقطة إلى أخرى
المشكلة الأولى التي تلاحق الفيلم هي انعدام الاتساق البصري والمنطقي. فحجم العملاق ذي العين الواحدة الذي يحاصر أوديسيوس ورجاله يتبدل من لقطة إلى أخرى، كما تتحرك الأمواج في اتجاه معاكس للرياح، ولا تتطابق حركة أفواه الشخصيات مع الكلمات التي تنطق بها. وفي بعض اللحظات تتحرك الأفواه من دون إصدار أي صوت.
ولا تتوقف الأخطاء عند الشخصيات؛ إذ تنحني المجاديف وتلتوي أثناء تجديف البحارة، فيما يظهر في أحد المشاهد أسطول كبير من السفن يندفع عبر البحر، بينما تتحرك إحدى السفن بشكل جانبي من دون تفسير. كما أن التعليق الصوتي المولد آليًا يصبح غير مفهوم أحيانًا، وتُنطق اسما أوديسيوس وزيوس بطريقة خاطئة في مواضع مختلفة.
لو كانت تلك مجرد هفوات متفرقة، لكان من الممكن التعامل معها باعتبارها أخطاء تقنية عابرة. لكن كثرتها تجعل تجاهلها شبه مستحيل. وشاهد المراجع الفيلم برفقة طفل يبلغ 13 عامًا، فتحولت المشاهدة عمليًا إلى لعبة للعثور على أغرب الأخطاء. فقد لاحظ المراجع أن سيفًا تحول بطريقة سحرية إلى خنجر، بينما تفوق الطفل عليه باكتشاف جثة لكائن فضائي تُشوى فوق سيخ.
وتوحي هذه العيوب بأن الفيلم صُمم لإثبات أهمية وجود مشرفين على استمرارية المشاهد، وهم أفراد يتولون عادة متابعة التفاصيل التي تضمن عدم تغير الأشياء أو الأحداث بلا سبب بين اللقطات.
مشاهد قصيرة ملتصقة بلا سياق
المفارقة أن أخطاء الذكاء الاصطناعي هي أكثر ما يمنح الفيلم قدرًا من الترفيه، لأن العمل نفسه يفتقر إلى عناصر كثيرة أخرى تشد الانتباه. وبما أن نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية لا تبدو قادرة إلا على توليد مشاهد تستمر بضع ثوانٍ، يظهر الفيلم كمجموعة مفككة من لحظات مستوحاة من رحلة أوديسيوس، جرى لصقها معًا من دون ترابط واضح أو منطق سردي كافٍ.
ومن لا يعرف القصة الأصلية مسبقًا قد يجد صعوبة في فهم ما يحدث، إذ يشرح الفيلم القليل عن الشخصيات والدوافع والأحداث. بل إن المشاهد لا يتعرف إلى خطّاب بينيلوب، زوجة أوديسيوس، إلا عندما يقترب الفيلم تقريبًا من نهايته.
ولا يرى المراجع أن أي عنصر أساسي في The Fall أصبح أفضل بفضل الذكاء الاصطناعي. فالأداء التمثيلي، أو ما يفترض أن يكون أداءً تمثيليًا، يبدو مربكًا؛ إذ تتوقف الشخصيات لثوانٍ من دون سبب واضح، ثم تنفجر أحيانًا في ضحكات مفاجئة تخرج المشاهد من أجواء اللقطة.
أما مشاهد الحركة، فتفتقر إلى الإحساس بالوزن أو التأثير، كما لو أن الفيزياء والجاذبية مجرد اقتراحات يمكن تجاهلها. ولا تقدم المؤثرات البصرية شيئًا مبهرًا يستحيل إنتاجه من دون هذه التقنية. وتبدو الوحوش ككائنات رديئة من أفلام التحريك بالإيقاف في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو تناقض أكثر غرابة عندما توضع إلى جانب الشخصيات البشرية الناعمة والمفرطة في الواقعية التي تنتجها النماذج الآلية.
لا يقتصر أثر هذا التناقض على إرباك الصورة، بل يجعلها مملة وقبيحة بصريًا؛ إذ لا يمنح الفيلم المشاهد عالمًا متماسكًا أو أسلوبًا فنيًا خاصًا يعوض ضعف السرد.
مقارنة صعبة مع كريستوفر نولان
يقول كوشا إنه اختار اقتباس «الأوديسة» لأنه «لطالما شعر بشغف تجاه ملحمة هوميروس منذ أن قرأها للمرة الأولى قبل سنوات». لكن المراجعة ترى أن التوقيت يجعل الفيلم يبدو كأنه يستفيد من الزخم الذي صنعه فيلم نولان، أو كنسخة عصرية من الأفلام منخفضة التكلفة التي كانت تُطرح مباشرة على أشرطة الفيديو لاستغلال نجاح أعمال أكبر.
ووضع الفيلم نفسه في موقع صعب منذ البداية عندما دعا إلى مقارنته بأحد أنجح الأفلام نقديًا وتجاريًا خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما أن فيلم نولان حظي بإعجاب خاص بسبب إصرار المخرج على الحرفية البشرية في صناعة السينما.
ويُقدَّم نولان بوصفه مخرجًا شغوفًا بالسينما، وهي الحماسة التي تجعل النجوم يرغبون في التعاون معه، وتدفع الجمهور إلى الذهاب إلى دور العرض لمشاهدة أفلامه. في المقابل، ترى المراجعة أن وجود The Fall يوحي باستخفاف واضح بوسيط السينما، لأنه يحاول اختزال عمل مئات المتخصصين في إنتاج رديء تنفذه مجموعة صغيرة جدًا.
والنتيجة، وفق هذا التقييم، ليست إثبات أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة إنتاج هوليوودي ضخم، بل عمل قد يدفع المشاهد إلى تقدير الفن المصنوع بأيدٍ بشرية بدرجة أكبر.
المصدر: theverge