أخبار تركيا الاقتصادية

عاجل | ورشة في أنقرة تحوّل قش الأرز والمخلفات الزراعية إلى ورق قد يبقى قرابة ألف عام

ينتج يوسف بارلاك في ورشة بالعاصمة التركية أنقرة ورقًا يدويًا خاليًا من الأحماض، مستخدمًا النباتات طويلة الألياف والمخلفات الزراعية والأوراق المستعملة، ويقول إن الورق المصنوع بالطرق التقليدية قد يبقى دون تلف لما يقارب ألف عام.

ويشرف بارلاك، وهو أستاذ مشارك ورئيس قسم الفنون التركية التقليدية في كلية الفن والتصميم والعمارة بجامعة دوزجه، على العمل إلى جانب شريفة غوفن، التي تعمل مدرّبة خبيرة ومديرة للورشة المقامة في شارع الفنون بحي هامام أونو في أنقرة.

وقال بارلاك إن فكرة الورشة بدأت بعد مشاركتهما في معرض للفنون الإسلامية في أنقرة، بالتزامن مع أنشطة إعادة إحياء شارع الفنون في هامام أونو. وأوضح أن المشروع أُطلق ضمن رؤية «صفر نفايات» والاستدامة، بهدف تحويل المخلفات الزراعية والورق المستعمل إلى ورق فني.

وتستقبل الورشة مجموعات مدرسية وزوارًا، وتنظم لهم ورشًا عملية للتعرف إلى إنتاج الورق التقليدي الخالي من الأحماض، بدل الاكتفاء بمشاهدة المنتج النهائي.

لماذا يدوم الورق التقليدي أطول؟

يفرّق بارلاك بين الورق المصنّع صناعيًا والورق الذي تنتجه الورشة. فالصناعة الحديثة تستخدم أليافًا قصيرة من الأشجار، وتخضع المواد لعمليات طهي كيميائية، كما تُستخدم مواد كيميائية في لصقها، ما يؤدي، بحسب شرحه، إلى تحلل الورق وتفتته خلال فترة تتراوح بين 50 و100 عام.

أما الورق المنتج في الورشة، فيعتمد على نباتات طويلة الألياف وطرق طبيعية بالكامل. ويقول بارلاك إن هذه الأوراق يمكن أن تنتقل إلى الأجيال المقبلة دون أن تتعرض للتلف حتى ما يقارب ألف عام، مشيرًا إلى أن الأعمال الورقية التي صنعها السابقون بوسائل طبيعية بقيت حتى اليوم، وأن الورشة تواصل الإنتاج بالنهج نفسه.

وتستخدم الورشة القطن والكتان والقنب بوصفها مواد أولية طويلة الألياف، إلى جانب سيقان أشجار الموز وقش الأرز الناتج عن النشاط الزراعي. ولفت بارلاك إلى أن قش الأرز لا يُستخدم كثيرًا في المجال الصناعي، كما لا يمكن تقديمه علفًا للحيوانات أو استعماله مثل التبن بسبب احتوائه على معادن ثقيلة، ولذلك يُحرق غالبًا في الحقول.

وأوضح أن حرق هذه المخلفات يضر بالغلاف الجوي ويؤثر في خصوبة التربة، بينما يمكن تحويلها إلى ورق والاستفادة منها في إنتاج الورق التقليدي، مشيرًا إلى وجود مشاريع تعمل الورشة من خلالها على توظيف هذه المخلفات في صناعة الورق الفني بطرق تقليدية لا صناعية.

من المخلفات إلى ورق فني

تبدأ العملية بجمع المواد الخام خلال موسم الحصاد، إذ يحصد العاملون بعض المواد بأنفسهم أو يشترونها من الجهات التي تبيعها. كما تستفيد الورشة من بقايا القطن المتطايرة في الهواء أثناء استخدامه في قطاع الغزل، ومن قطع القماش والمخلفات الناتجة عن صناعة النسيج، التي يمكن إعادة تحويلها إلى ورق.

بعد توفير المواد، تُطهى وفق أسلوب طبيعي يختلف عن الطرق الصناعية. وتحرق الورشة خشب البلوط للحصول على الرماد، ثم تترك رماد البلوط في الماء يومًا كاملًا، وتستخدم الماء الناتج في طهي المواد الخام، بما يساعد على إزالة مادة اللجنين منها.

وبعد إعداد اللب، تُجرى له عملية تبييض لا تعتمد على مواد مبيضة، وهو ما يساهم في إطالة عمر الورق. ثم يوضع الماء واللب في أحواض، وتُستخدم الأصباغ الجذرية والأصباغ الطبيعية لإكساب الورق ألوانه، مع الاعتماد على مواد لا تحتوي على أحماض.

وفي المرحلة التالية، تُنقل العجينة الملونة إلى القوالب الشبكية، حيث يتحول اللب إلى صفائح ورقية. ويحدد حجم القالب قياس الورقة؛ إذ تبدأ المقاسات من A5 وتصل إلى 70 في 100 سنتيمتر، وتُصنع الأوراق يدويًا بأحجام مناسبة لاستخدامها في الفنون التركية التقليدية.

يربط المشرفون على الورشة بين صناعة الورق وحفظ الأعمال الفنية، إذ لا تقتصر مهمتهم على إعادة تدوير المخلفات، بل يستخدمون الأوراق الخالية من الأحماض قاعدةً لأعمال فنية يُراد لها أن تبقى طويلًا.

أعمال فنية وتعليم للأجيال

وقال بارلاك إنه مدرج ضمن قائمة حَمَلة التراث الثقافي غير المادي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» في مجالي الورق اليدوي وفن الإبرو، المعروف بالرسم على الماء. ويواصل إنتاج الأوراق، كما ينفذ عليها أعمالًا فنية باستخدام مخلفات زراعية، ويدرّب طلابًا وفق أسلوب العلاقة التقليدية بين الأستاذ وتلميذه، بهدف نقل المهارات وترك أعمال دائمة للأجيال المقبلة.

وأضاف أن لديه عددًا كبيرًا من الأعمال، وأنه أقام ما يقارب معرضين شخصيين لأعمال مصنوعة من هذه المخلفات، فضلًا عن مشاركته في معارض جماعية عدة.

ومن أبرز مشاريعه تنفيذ أكبر علم تركي في العالم مصنوع من الورق اليدوي، خلال مهرجان أُقيم في متحف سيكا للورق بولاية كوجالي بمناسبة يوم صناعة الورق التركي. وأوضح أن العلم صُنع من أوراق خالية من الأحماض بهدف نقل هذا العمل إلى الأجيال المقبلة.

وتخصص الورشة جانبًا من أنشطتها للأطفال؛ إذ يحضر طلاب المراحل العمرية الصغيرة الأوراق المستعملة التي جمعوها في مدارسهم، ثم يشاركون في تفكيك أليافها وإعادة تحويلها إلى ورق. ويقول بارلاك إن رؤية الجهد والصعوبة المرتبطين بصناعة الورق تدفع الأطفال إلى التأكيد أنهم سيستخدمونه بحذر أكبر.

ويرى أن هذه الأنشطة تساعد على شرح أهمية المخلفات والاستدامة ومفهوم «صفر نفايات» للأجيال الجديدة، موضحًا أن الورشة أُنشئت لتعريف الناس بالورق التقليدي وطريقة صناعته والاستدامة، وداعيًا المجموعات المدرسية والعائلات إلى اصطحاب أطفالهم للمشاركة في التجربة.

من جهتها، قالت شريفة غوفن إن زوار الورشة يغادرون وهم يدركون قيمة الورق بصورة أكبر، مشيرة إلى أن العاملين يشاركونهم مشاعرهم وحماسهم خلال الأنشطة. وأضافت أن الورشة تنظم فعاليات متنوعة، وتسعى إلى تعريف الجميع بالفن وإشراكهم في الحماس المرتبط بصناعة الورق.

المصدر: يني شفق

زر الذهاب إلى الأعلى