في واحدة من أكثر المفارقات اللافتة في المشهد القضائي السوري، وجد القاضي فخر الدين العريان نفسه بعد سنوات من الانشقاق عن نظام بشار الأسد جالسًا على منصة القضاء في دمشق، مترئسًا جلسات محاكمة شخصيات من النظام الذي كان قد أصدر بحقه سابقًا حكمًا غيابيًا بالإعدام.
القصة التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي ليست مجرد صورة لقاضٍ تغير موقعه، بل تختصر مسارًا طويلًا من التحولات التي عاشها العريان منذ بداية الثورة السورية وحتى عودته إلى العمل القضائي في دمشق.
وُلد فخر الدين العريان عام 1964 في بلدة سلقين بريف إدلب، ودرس الحقوق في جامعة حلب، حيث حصل على إجازة في الحقوق عام 1988.
بدأ مسيرته في السلك القضائي التابع للدولة السورية، وتدرج في عدد من المناصب القضائية، إلى أن وصل إلى منصب مستشار في محكمة الاستئناف المدنية بمحافظة إدلب.
لكن مسيرته تغيرت بشكل كبير مع اندلاع الثورة السورية وتصاعد العمليات العسكرية والأمنية.
في 13 آذار/مارس 2013، أعلن العريان انشقاقه عن وزارة العدل التابعة للنظام، وانضمامه إلى مجلس القضاء السوري الحر المستقل.
وكان إعلان الانشقاق نقطة تحول رئيسية في حياته، إذ انتقل من العمل ضمن مؤسسات الدولة القضائية إلى العمل في المؤسسات القضائية التابعة للمعارضة السورية.
وتذكر المصادر أن العريان شارك لاحقًا في تأسيس وإدارة مسار قضائي موازٍ في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، كما تولى مناصب في مؤسسات الحكومة السورية المؤقتة.
لم يمر انشقاق العريان من دون تبعات.
فبحسب مصادر سورية وإعلامية عدة، صدرت بحقه أحكام غيابية من القضاء التابع للنظام، كان من بينها حكم بالإعدام، كما تعرضت ممتلكاته للمصادرة، وبيع بعضها في مزادات علنية.
وهنا تظهر المفارقة التي جعلت قصته تنتشر بقوة بعد ظهوره في دمشق: الرجل الذي كان قد أصبح محكومًا بالإعدام في ظل النظام السابق، أصبح بعد سنوات يجلس على منصة القضاء لمحاكمة رموز ذلك النظام.
واصل العريان نشاطه ضمن المؤسسات التابعة للمعارضة، وانتُخب في أيار/مايو 2016 نائبًا لرئيس مجلس القضاء السوري بعد إعادة هيكلة المجلس.
وفي عام 2019 تولى منصب الأمين العام للحكومة السورية المؤقتة خلال حكومة جواد أبو حطب، قبل أن يشغل لاحقًا مناصب إدارية وقضائية أخرى ضمن مؤسسات الحكومة المؤقتة.
وتشير المصادر التي وثقت سيرته إلى أن العريان ظل بعيدًا عن مؤسسات القضاء التابعة للنظام طوال سنوات الانقسام السوري.
بعد سقوط نظام بشار الأسد، تغيرت المعادلة بصورة جذرية.
وفي حزيران/يونيو 2025 صدر المرسوم الرئاسي رقم 70، الذي طوى مراسيم العزل والأحكام الاعتبارية المتعلقة بعدد من القضاة المنشقين، وكان فخر الدين العريان من بينهم، وفق المصادر التي وثقت سيرته.
وفي كانون الثاني/يناير 2026، عُيّن العريان رئيسًا لمحكمة الجنايات الرابعة في دمشق، ليعود بذلك إلى السلك القضائي ولكن في مرحلة سياسية وقانونية مختلفة تمامًا.
بلغت المفارقة ذروتها في 26 نيسان/أبريل 2026، عندما ترأس فخر الدين العريان أولى جلسات محاكمة رموز النظام السابق في قصر العدل بدمشق.
وشملت الجلسة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، إضافة إلى بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وآخرين، الذين بدأت بحقهم إجراءات المحاكمة غيابيًا.
ووصف العريان الجلسة بأنها بداية لمحاكمات العدالة الانتقالية في سوريا.
وبذلك انتقل الرجل خلال سنوات قليلة من موقع القاضي في مؤسسات النظام، إلى قاضٍ منشق وملاحق ومحكوم غيابيًا بالإعدام، ثم إلى رئيس محكمة في دمشق يترأس جلسات لمحاسبة شخصيات مرتبطة بالنظام الذي انشق عنه.
قصة فخر الدين العريان أصبحت من أكثر القصص التي تعبر عن التحول الذي شهدته سوريا بعد سقوط نظام الأسد.
ففي عام 2013 كان العريان يعلن انشقاقه عن وزارة العدل، بينما كان النظام يلاحقه ويصدر بحقه أحكامًا غيابية، وبعد أكثر من عقد ظهر في قصر العدل بدمشق بصفته رئيس محكمة الجنايات الرابعة.
واللافت أن هذه المرة لم يكن العريان هو من يقف في مواجهة القضاء، بل كان هو القاضي الذي يجلس خلف منصة الحكم، بينما يقف أمامه بعض أبرز رموز المرحلة السابقة.
وتؤكد هذه الوقائع أن الصورة المتداولة تحمل قصة حقيقية في جوهرها، لكن العبارة الأدق ليست أن الرجل كان “قاضيًا يحكم بالإعدام ثم أصبح يحكم بالأعداء”، بل إنه قاضٍ انشق عن النظام، وصدر بحقه حكم غيابي بالإعدام، ثم عاد بعد تغير النظام ليرأس محكمة في دمشق ويتولى جلسات محاكمة رموزه.
اعتمدت المعلومات الواردة في هذا التقرير على مقارنات بين عدة مصادر، أبرزها الجزيرة، والذاكرة السورية، وعنب بلدي، وتلفزيون سوريا، إضافة إلى تقارير إعلامية عن جلسات محاكمة رموز النظام السابق.
تواصل تركيا العمل على مشروع إقليمي كبير لنقل الكهرباء من السعودية إلى تركيا عبر الأردن…
كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفاصيل جديدة بشأن مغادرته تركيا، بعدما اضطر إلى تغيير الطائرة…
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتقديم تجربة أفضل للمستخدم
اقرأ المزيد