تحذير عالمي: 40% من لغات العالم مهددة بالاندثار وما يضيع معها يتجاوز الكلمات
حذّرت تقارير دولية من أن نحو 40% من اللغات المتداولة حول العالم تواجه خطر الاندثار، في تهديد لا يقتصر على فقدان وسيلة للتواصل، بل يمتد إلى محو أجزاء من الذاكرة المشتركة للإنسانية، بما تحمله اللغات من تاريخ شفهي، وهوية ثقافية، ومعارف محلية تراكمت عبر أجيال طويلة.
وبحسب ما أوردته قناة «تي آر تي خبر» التركية، السبت 15 أغسطس/آب 2026، فإن عدد اللغات المستخدمة في العالم يقترب من 7 آلاف لغة، فيما باتت نسبة كبيرة منها مهددة بالاختفاء نتيجة تراجع انتقالها من الآباء إلى الأبناء، وتحول المجتمعات إلى استخدام لغات أكثر انتشاراً في التعليم والعمل والإعلام والحياة العامة.
تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» إلى أن ما لا يقل عن 40% من نحو 6,700 لغة أصلية حول العالم معرضة لخطر الاندثار. وتختلف الأرقام باختلاف طريقة تعريف اللغة وتصنيف اللهجات، إلا أن المؤسسات الدولية تتفق على أن آلاف اللغات تواجه تراجعاً واضحاً في عدد المتحدثين بها، ولا سيما اللغات التي تعتمد على مجتمعات صغيرة أو تنتشر في مناطق نائية.
ولا يرتبط خطر الاندثار دائماً بعدد المتحدثين فقط، إذ يمكن أن تكون اللغة مستخدمة من جانب آلاف الأشخاص، لكنها تظل مهددة إذا توقف الأطفال عن تعلمها أو بات استخدامها محصوراً في نطاق الأسرة أو بين كبار السن. ويعد انتقال اللغة بين الأجيال أحد أهم المؤشرات التي يعتمد عليها الباحثون لتقييم قدرتها على الاستمرار.
وفي بعض الحالات، لا يبقى من اللغة سوى عدد محدود من المتحدثين المسنين، بينما لا يتقنها الجيل الأصغر أو يستخدمها بصورة جزئية. ومع وفاة آخر المتحدثين بها، تختفي اللغة من الاستخدام اليومي، حتى لو بقيت بعض كلماتها أو آثارها محفوظة في الوثائق والتسجيلات.
تؤكد اليونسكو أن اللغة ليست مجموعة من الكلمات والقواعد فحسب، بل نظام متكامل يحمل طريقة المجتمع في فهم العالم والتعبير عن تجاربه وقيمه وذاكرته. ولهذا فإن انقراض لغة ما قد يؤدي إلى فقدان جزء فريد من تاريخ المجتمع الذي استخدمها، بما في ذلك الأمثال والحكايات الشعبية والأغاني والطقوس وأساليب تسمية الأماكن.
وتنتقل عبر اللغات أيضاً معلومات متخصصة تراكمت على مدى قرون، مثل طرق التعامل مع البيئة، ومعرفة النباتات الطبية، ومراقبة تغيرات الطقس، وتحديد مواسم الزراعة والصيد، ووصف الحيوانات والموارد الطبيعية. وتوضح الأمم المتحدة أن كثيراً من المعارف المرتبطة بالنظم البيئية والحفاظ على التنوع الحيوي تكون متجذرة في لغات السكان الأصليين، ما يجعل فقدانها خسارة علمية وثقافية في الوقت نفسه.
كما أن اللغة تمثل عنصراً أساسياً في تشكيل الهوية الفردية والجماعية. فعندما يتوقف مجتمع ما عن استخدام لغته الأم، قد يفقد وسيلة مهمة للتعبير عن خصوصيته، وقد تتراجع صلته بالتقاليد والروايات التي تناقلها أسلافه شفهياً. لذلك ينظر خبراء اللغة إلى حماية اللغات المهددة باعتبارها جزءاً من حماية حقوق المجتمعات وثقافاتها.
ترتبط هذه الظاهرة بمجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ففي عدد من المناطق، تفرض اللغة الأكثر انتشاراً نفسها في المدارس والجامعات والإدارات ووسائل الإعلام، ما يدفع العائلات إلى تشجيع أبنائها على استخدامها باعتبارها الطريق الأوسع إلى التعليم والعمل وتحسين الظروف المعيشية.
وتساهم الهجرة من القرى والمناطق الريفية إلى المدن في إضعاف اللغات المحلية، إذ يعيش أفراد المجتمع داخل بيئات متعددة اللغات، ويضطرون إلى استخدام لغة مشتركة للتعامل مع المؤسسات وسوق العمل. ومع مرور الوقت، قد تتراجع مكانة اللغة الأصلية داخل المنزل، خصوصاً عندما يعتقد الآباء أن تعليم أبنائهم لغة مهيمنة سيمنحهم فرصاً أكبر في المستقبل.
كما لعبت سياسات الاستيعاب القسري والتمييز الاجتماعي والتهجير والفقر دوراً في إضعاف لغات كثيرة، وفق تقارير أممية. وفي بعض المجتمعات، ارتبط استخدام اللغة المحلية على مدى عقود بالتهميش أو ضعف الوصول إلى التعليم والخدمات، ما أدى إلى تراجع استخدامها حتى داخل محيطها الأصلي.
لا يقتصر بقاء اللغة في العصر الحديث على استخدامها في المنازل والمجالس المحلية، بل يتطلب حضوراً في التعليم والإعلام والفضاء الرقمي. وتلفت اليونسكو إلى أن أقل من 2% من لغات العالم تتمتع بحضور رقمي فعلي يشمل المواقع الإلكترونية والبرمجيات وخدمات الترجمة وتحويل النصوص إلى كلام وأدوات التكنولوجيا الحديثة.
ويعني ضعف الحضور الرقمي أن المتحدثين بهذه اللغات يواجهون صعوبة في استخدامها عند التعامل مع الهواتف الذكية والمنصات الإلكترونية ومحركات البحث والأنظمة التعليمية. كما أن غياب المحتوى الرقمي يجعل الأجيال الشابة أكثر اعتماداً على اللغات المهيمنة، ويقلل من فرص استخدام اللغة المحلية في الحياة اليومية.
وفي المقابل، يمكن للتقنيات الحديثة أن تتحول إلى وسيلة للحماية، من خلال تسجيل المحادثات والأغاني والروايات، وإعداد القواميس الرقمية، وتطوير لوحات مفاتيح وبرامج تعليمية، وإنشاء محتوى مرئي ومسموع يساعد الأطفال والشباب على تعلم اللغة واستخدامها بصورة طبيعية.
أعلنت الأمم المتحدة الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2032 عقداً دولياً مخصصاً للغات السكان الأصليين، بهدف رفع الوعي بأهمية إنقاذ اللغات المهددة، ودعم استخدامها وتعليمها وإحيائها. وتشدد المبادرة على أن نجاح أي خطة للحماية يتطلب مشاركة المجتمعات نفسها، لأن المتحدثين باللغة هم الأقدر على تحديد احتياجاتها وطرق نقلها إلى الأجيال الجديدة.
وتشمل جهود إنقاذ اللغات إدخالها في المناهج الدراسية، وتدريب المعلمين من أبناء المجتمعات المحلية، وتشجيع الإعلام على إنتاج برامج بها، إلى جانب توثيق قواعدها ومفرداتها وتاريخها الشفهي. كما يمكن للجامعات ومراكز البحث والمنظمات الثقافية المساهمة في إعداد أرشيفات مفتوحة تحفظ التسجيلات والوثائق قبل فقدان المتحدثين القادرين على نقلها.
ومع ذلك، فإن التوثيق وحده لا يكفي لإبقاء اللغة حية. فاللغة تستمر عندما تُستخدم في البيت والمدرسة والمجتمع، ويشعر أبناؤها بأنها جزء طبيعي من حياتهم وليست مجرد مادة محفوظة في الكتب أو المتاحف. ولهذا فإن حماية التنوع اللغوي تتطلب توفير بيئة اجتماعية وتعليمية ورقمية تمنح اللغات المحلية فرصة حقيقية للاستمرار.
ولا يمثل اندثار اللغات خسارة للمجتمعات الصغيرة وحدها، بل يمس التراث الإنساني بأكمله. فكل لغة تختفي تحمل معها رؤية خاصة للعالم، وتجارب تاريخية لا تتكرر، ومعارف قد تكون ذات أهمية في فهم الإنسان والبيئة والمجتمعات. ومن ثم، فإن إنقاذ اللغات المهددة لا يعني الحفاظ على كلمات قديمة فحسب، بل حماية ذاكرة بشرية مشتركة من الاختفاء.
تأهل فريق إيرجيش أولو بامير للكوكبور إلى المباراة النهائية بعد تجاوز منافسيه في مواجهات نصف…
حزب الله يتهم نتنياهو بتصعيد الحرب في جنوب لبنان لخدمة أهدافه السياسية اتهم حزب الله،…
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتقديم تجربة أفضل للمستخدم
اقرأ المزيد