تحقيق: موقع أمريكي بتمويل إسرائيلي نشر 124 تقريرًا خلال 9 أيام للتأثير على روبوتات الدردشة

كشف تحقيق لصحيفة “ذا غارديان” البريطانية أن موقعًا إلكترونيًا يتخذ من الولايات المتحدة مقرًا له، ويُزعم أنه يتلقى تمويلًا من الحكومة الإسرائيلية، أدار عملية منظمة تهدف إلى التأثير على مخرجات روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، عبر نشر محتوى يروّج لسياسات إسرائيل في فلسطين وغزة تحت ستار أبحاث محايدة. وأفاد التحقيق بأن الموقع، الذي يعمل باسم “معهد هانوفر للسياسة العامة”، نشر 124 تقريرًا خلال تسعة أيام فقط، بلغ إجمالي عدد كلماتها أكثر من 560 ألف كلمة.
ووفقًا للتحقيق، لا يمتلك الموقع أي كيان قانوني مسجل في أي دولة، ولا يوجد له عنوان مادي، كما لا تتوفر أي معلومات عن أسماء العاملين فيه أو المؤلفين الذين يُنسب إليهم المحتوى المنشور. ورغم ذلك، صُمم الموقع ليبدو كمؤسسة بحثية أكاديمية مرموقة، حيث جرى إعداد التقارير بطريقة تحاكي الأبحاث الموثقة والمصادر العلمية، في محاولة لخداع القراء وأنظمة الذكاء الاصطناعي على حد سواء.
وحظيت عناوين التقارير المنشورة باهتمام خاص، إذ جاءت في صيغة أسئلة مثيرة للجدل، مثل: “هل تعتبر معاداة الصهيونية شكلاً من أشكال معاداة السامية؟”، و”هل قامت إسرائيل بتهجير الفلسطينيين من أراضيهم؟”، و”هل ترتكب إسرائيل إبادة جماعية في غزة؟”. وتناولت التقارير قضايا حساسة، من بينها مزاعم تعذيب المعتقلين الفلسطينيين، واتهامات بارتكاب جرائم حرب، وتساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تتعمد تجويع سكان غزة. إلا أن التحقيق أشار إلى أن هذه التقارير صيغت بطريقة تقدم الموقف الإسرائيلي في صورة نتائج أبحاث أكاديمية محايدة، مع تضمين النصوص في كثير من الأحيان عبارات تربط الموضوع بمعاداة السامية، بما يضعف الانتقادات الموجهة لإسرائيل.
وأوضح التحقيق أن الموقع أُنشئ من خلال منصة تجارية تهدف إلى جعل المحتوى مصدرًا تعتمد عليه روبوتات الدردشة، ما يعني أن هذه الروبوتات قد تتبنى هذه الروايات وتقدمها للمستخدمين كمعلومات موثوقة دون الإشارة إلى مصدرها. وفي سياق متصل، كشف التحقيق أن الأنشطة المتعلقة بالموقع سُجلت لدى وزارة العدل الأمريكية في إطار قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA)، حيث أبلغت شركة الإنتاج الإعلامي “Piro Inc” ومقرها نيويورك، عن تنفيذها هذه الأنشطة نيابة عن الحكومة الإسرائيلية.
حملة أوسع بتمويل إسرائيلي
أشارت “ذا غارديان” إلى أن هذا الموقع يشكل جزءًا من حملة أوسع يُزعم أنها تلقت تمويلًا إسرائيليًا يصل إلى عشرات الملايين من الدولارات، وتُنفذ من خلال شركات خارجية من بينها مجموعة الإعلانات الأوروبية “Havas Media”. وأظهر عقد بين “Havas Media” وشركة أمريكية أخرى مشاركة في الحملة، أن الهدف يشمل إنشاء مواقع ومحتوى بهدف “بناء نتائج تأطير للمحادثات مع GPT”، في إشارة إلى التأثير على مخرجات أدوات الذكاء الاصطناعي.
من جانبه، قال الباحث في معهد “كوينسي” الأمريكي، نيك كليفلاند-ستاوت، إن انطباعه الأولي عن الموقع كان إيجابيًا، لكنه سرعان ما تحول إلى تساؤلات جدية عند التعمق في المحتوى. وأوضح أن تصميم الموقع وشعاراته توحي بأنه مؤسسة أكاديمية، لكن عند فحص النصوص عن كثب، يتبين أن كثيرًا من العناصر تفقد مصداقيتها، مشيرًا إلى وجود سردية موحدة تهدف إلى إضعاف الانتقادات الموجهة لإسرائيل.
وحذر الباحث من أن استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي لهذا المحتوى كمصدر قد يخلق مشكلة كبيرة، حيث يمكن لهذه الأنظمة نقل هذه الروايات للمستخدمين دون الاستشهاد بأي مصدر، مما يصعب على المستخدمين التحقق من مصدر المعلومات ومدى موثوقيتها. وأكد أن محاولة الحكومات الأجنبية والشركات التأثير على طريقة توليد نماذج اللغة الكبيرة للمعلومات أصبحت جزءًا من المشهد الجديد. وتطرح هذه القضية تساؤلات أوسع حول كيفية تأثر أنظمة الذكاء الاصطناعي بالمحتوى المنتشر على الإنترنت، حيث تتفاعل هذه الأنظمة مباشرة مع المواد المنشورة والمتداولة، ما يجعلها عرضة للتأثر بحملات التضليل المنظمة التي تستهدف تشكيل الرأي العام.
المصدر: Ensonhaber



