وقّعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر اتفاقيتين استراتيجيتين مع الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، تهدفان إلى وضع الأسس العملية والمنهجية اللازمة للكشف عن مصير المفقودين وتحديد هوياتهم. وتنص الاتفاقية الأولى على تقديم الدعم الكامل لتأسيس وإنشاء مختبر وطني متطور ومخصص بالكامل لتحليل الحمض النووي (DNA)، على أن يُستخدم في عمليات المطابقة والتعرف على الضحايا، بينما تركّز الاتفاقية الثانية على بناء القدرات الفنية والتقنية للكوادر والعاملين في البرنامج الوطني السوري المعني بهذا الملف الحساس.
أرقام صادمة في تقرير الصليب الأحمر
وبالتزامن مع توقيع الاتفاقيتين، أصدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تقريراً شاملاً بعنوان «أصوات المفقودين: فهم احتياجات أسر المفقودين في سوريا والاستجابة لها»، بمناسبة إحياء اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، كشف من خلاله عن معاناة عميقة تعيشها العائلات التي تبحث عن ذويها. وأظهر التقرير أن 96% من أسر المفقودين في سوريا تُركت لمواجهة مصيرها دون أن تتلقى أي دعم من أي مؤسسة رسمية أو مدنية، في حين كان الشخص المفقود يمثل المصدر الأساسي للدخل لـ61% من هذه العائلات قبل اختفائه. كما كشف التقرير أن 94% من الأسر تواجه تحديات اقتصادية مباشرة مرتبطة بحادثة الاختفاء، ما ارتبط بفقدان الدخل الإجمالي لـ86% منها، فيما اضطرت 46% من العائلات إلى بيع مدخراتها وممتلكاتها الشخصية للتكيف مع ظروف المعيشة القاسية، بينما غرق 25% منها في الديون لتأمين الاحتياجات اليومية. ولم تقتصر التداعيات على الجانب المادي، إذ ارتبطت الظروف الضاغطة بترك 20% من أطفال هذه الأسر مقاعد الدراسة لمساعدة عوائلهم، كما أظهرت البيانات أن 99% من عائلات المفقودين تضم فرداً واحداً على الأقل يُصنف ضمن الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، وغالباً ما يكون طفلاً صغيراً أو مسناً بحاجة إلى رعاية خاصة.
الصدمة الثانية والتوصيات الدولية
أوضح التقرير أن حياة هذه الأسر أصبحت محكومة بحالة «عدم اليقين الدائم» والانتظار المستمر لمعرفة مصير ذويهم، مشيراً إلى أن أوضاع 9 من بين كل 10 أسر أصبحت أكثر تعقيداً مع مرور الوقت بسبب تراكم العقبات القانونية والإدارية والنفسية والاجتماعية. ولفت التقرير إلى جانب نفسي مؤلم، إذ اعتبر أن فشل الجهود في العثور على المفقودين أو الكشف عن مصيرهم حتى بعد سقوط نظام الأسد، شكّل صدمة ثانية قاسية لهذه العائلات التي كانت تعقد آمالاً كبيرة على التغيير السياسي لحل هذا الملف. وأكد الصليب الأحمر أن البحث والتحري عن الضحايا وتحديد مصيرهم ليس مجرد واجب إنساني أخلاقي، بل هو التزام قانوني دولي صارم يقع على عاتق الجهات الحاكمة. واختتمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تقريرها بحزمة من التوصيات الموجهة إلى أطراف عدة، إذ طالبت الحكومة السورية بضرورة فتح قنوات اتصال وثيقة ومستمرة مع أسر المفقودين وإشراكهم بشكل فعال في عمليات التقصي والبحث الجارية، إلى جانب الإسراع في سن قانون خاص بالمفقودين يهدف إلى تذليل العقبات القانونية والإدارية المعقدة، مثل قضايا الإرث والولاية والأحوال الشخصية. كما دعت المنظمات والدول المانحة إلى تقديم الدعم المالي واللوجستي العاجل والمستدام لتمكين البرامج الوطنية من الاستمرار في عملها الإنساني.