تستعد شركة إنفيديا لإطلاق تقنية DLSS 5 للرسم العصبي “Neural Rendering” يوم 3 سبتمبر/أيلول المقبل، بعد أن أثارت موجة واسعة من الجدل والانتقادات منذ ظهورها الأول في مارس/آذار الماضي، حين نظر عدد كبير من اللاعبين إلى وجه الشخصية الرئيسية غرايس أشكروفت في لعبة “Resident Evil Requiem” بعد تطبيق التقنية ووصفوها بأنها “نتاج ذكاء اصطناعي رديء”. وتعيد الشركة الآن تقديم التقنية برسالة واضحة تؤكد فيها أنها “تحافظ على النية الفنية” و”تحترم الإطار المُصيَّر”، مع منح مطوري الألعاب سيطرة كاملة على طريقة عملها. وجاء ذلك بعد جلسة إحاطة رسمية مع إنفيديا حصلت عليها الصحافة المتخصصة، إضافة إلى تجربة عملية للنسخة التي تسربت عبر الإنترنت. ولم يكن المنتقدون مخطئين في تقييمهم الأولي، إذ إن DLSS 5 هي في جوهرها مرشح ذكاء اصطناعي توليدي لألعاب الفيديو، يشبه إلى حد كبير مرشحات الكاميرا الموجودة في الهواتف الذكية، فهي تحلل وتعدل تدفق الصور ثنائية الأبعاد في الوقت الفعلي بعد أن ينتهي محرك اللعبة ثلاثي الأبعاد من إنتاجها. ويمكنها فعلاً أن تجعل شخصيات اللعبة تبدو سيئة للغاية إذا طبقت بشكل غير مناسب، كما لو أنها تقدمت في العمر عشرين عاماً في جزء من الثانية. كما أنها تستهلك قدراً كبيراً من قوة معالجة الرسومات، وقد تخفض معدل الإطارات إلى النصف بسهولة، حتى أن بعض الألعاب الحالية قد تبدو أفضل بدونها.
ما الذي يميز DLSS 5 عن غيره من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
خلافاً لما قد يوحي به الاسم، فإن DLSS 5 ليست مجرد مفتاح تشغيل وإيقاف، فهي ليست أداة واحدة تناسب الجميع. فباستخدام التقنية، يمكن للمطورين (وحتى المعدّلين) تحريك مؤشرات متعددة للتحكم في طريقة تفاعلها مع الألوان والضوء، مع توفر ثلاثة نماذج مختلفة من الذكاء الاصطناعي عند الإطلاق تمنح الرسومات مظهراً “افتراضياً” أو “طبيعياً” أو “سينمائياً”. كما يمكن للمطورين تحديد ما إذا كانوا يريدون تطبيق التقنية على كل عناصر المشهد، أو على وجه الشخصية وبشرتها فقط، أو على أوراق الشجر، أو حتى على الأثاث والطعام، ويمكنهم عزل وجه الشخصية بإنشاء قناع تلقائي مثلما يحدث في فوتوشوب، أو بقصه يدوياً إذا لم يعجبهم القناع التلقائي. يقول غابرييلي ليوني، مدير تكنولوجيا المحتوى في الوقت الفعلي في إنفيديا: “لا يوجد حد لعدد الأقنعة أو المجموعات التي يمكنهم تنفيذها”. أما عن طبيعة التقنية، فهي لا تغير الأشكال ولا تختلق كلمات على اللافتات ولا تضع أجساماً جديدة مزيفة في المشهد، بل تتخيل الضوء والظل واللون والتفاصيل التي تجعل الأشكال نفسها تظهر بشكل مختلف، ويمكنها أن تجعل الشخصيات الباهتة تبدو أكثر واقعية بكثير، وتملأ شعرهم وملابسهم بما حولهم بعلامات الضوء الواقعي. وتؤكد إنفيديا أن DLSS 5 تقنية حتمية “Deterministic”، أي أن النتائج ستكون نفسها في كل مرة، خلافاً للصور ومقاطع الفيديو المولدة بالذكاء الاصطناعي التي تنتج عادة نتائج مختلفة مع نفس الأمر النصي.
شدة التأثير وتجارب عملية تكشف الفارق الكبير في النتائج
تراهن إنفيديا على أن المشكلة لم تكن في التقنية نفسها، بل في طريقة استخدامها، فالتسريبات التي أظهرت وجوهاً مشوهة لشخصيات الألعاب كانت تعتمد على الإعدادات الافتراضية شديدة العدوانية، حيث تصل شدة التأثير إلى نحو 80 في المئة أو حتى 200 في المئة كما فعل بعض المعدّلين لإظهار الفارق بوضوح. لكن عند تخفيض الشدة إلى 40 في المئة، تظهر النتائج مختلفة تماماً؛ فعلى سبيل المثال، في لعبة “Shadow of the Tomb Raider”، تبدو الشخصية لارا كروفت متعبة ومتقدمة في العمر عند استخدام شدة 80 أو 200 في المئة، لكنها عند 40 في المئة تبقى كما هي مع لمسة حياة إضافية في عينيها. وينطبق الأمر نفسه على شخصية كازوما كيريو من لعبة “Yakuza Kiwami”، الذي يبلغ من العمر 27 عاماً في هذه المرحلة من اللعبة، لكنه يبدو أكبر سناً بكثير مع زيادة شدة التأثير، حيث تزداد تجاعيد جبينه ويخف لون شعره وتظهر ظلال على خديه تجعل وجهه يبدو هزيلاً. وبخصوص آلية عمل التقنية، توضح إنفيديا أنها تعتمد على الألوان ومتجهات الحركة التي تراها في الإطارات ثنائية الأبعاد المسطحة، بعد أن يتم تصييرها وتطبيق تقنيات أخرى مثل DLSS Super Resolution، ولا تستخدم محرك اللعبة على الإطلاق، كما أنها تقنياً يمكن تشغيلها على لقطات فيديو من نينتندو سويتش 2، وتمكن المعدّلون من حقنها في ألعاب أقدم تستخدم OpenGL وDirectX 9. وعند سؤاله عن كيفية تمييز التقنية بين نموذج شخصية وجسم وقطعة نبات، أجاب إدوارد ليو، مدير التعلم العميق التطبيقي في إنفيديا: “تماماً مثل الإنسان، إذا نظرت إلى أي شيء فأنت تعرف مكان الأشياء”. وذكرت إنفيديا أن التقنية يمكنها أخذ بعض الإشارات من محركات الألعاب، لكنها تعتمد على ما تراه في الإطارات المسطحة. وبخصوص النماذج الثلاثة، تسميها إنفيديا رسمياً النموذج أ، والنموذج ب، والنموذج ج، بينما يصفها المعدّلون بأنها “افتراضي” و”سينمائي” و”طبيعي”، مع مؤشرين للتحكم: أحدهما للون والآخر للبنية، حيث يتحكم مؤشر البنية في مزيج من الإضاءة المحيطة والظلال التلامسية والانعكاسات وتشتت الضوء تحت السطحي، بينما يتحكم مؤشر النغمة في اللون وتفاصيل الإضاءة الأوسع.
تأتي أول لعبة تجرؤ على استخدام هذه التقنية بشكل رسمي مع إصدار “NBA 2K27″، ويبدو أن السبب هو أن اللاعب كيد كانينغهام يبدو أفضل فعلاً مع تفاصيل البشرة الدقيقة والزي الذي لا يبدو ملتصقاً بجسده ولمعان في عينيه. لكن التساؤل الأكبر يبقى حول مستقبل التقنية؛ فبينما أعلنت إنفيديا في مارس الماضي أنها ستأتي إلى 16 لعبة مختلفة على الأقل بما في ذلك “Assassin’s Creed Shadows” و”Hogwarts Legacy” و”Starfield” و”Resident Evil Requiem”، لم تجب الشركة عن أسئلة حول موعد وصول DLSS 5 إلى أي لعبة تتجاوز “NBA 2K27″، ولم تؤكد ما إذا كانت الألعاب الأخرى ما تزال قادمة بعد رد الفعل الأولي العنيف. وتشير التقديرات إلى أن التقنية قد تبدأ كخيار متخصص، إذ إنها رغم أنها لم تعد تتطلب بطاقتي RTX 5090 للعمل، ما تزال تستهلك قدراً كبيراً من الطاقة، ورسمياً ستكون متاحة فقط لأحدث بطاقات الرسومات من سلسلة RTX 50 التي أصبحت باهظة الثمن، حيث يبلغ سعر بطاقة RTX 5060 التي تعتبر من الفئة المتوسطة المنخفضة نحو 470 دولاراً. وتدعي إنفيديا أن RTX 5060 كافية للعب NBA 2K27 بدقة 1080p مع إعدادات فائقة وتتبع الأشعة وتفعيل DLSS 5، بشرط إرفاقها بمعالج سريع وذاكرة كبيرة. أما بالنسبة لتأثير الأداء، فتدعي إنفيديا أن الانخفاض يتراوح بين 50 و60 في المئة في المتوسط عبر جميع بطاقات RTX 50-series، وفي اختبار عملي على لعبة “Shadow of the Tomb Raider” بدقة 1440p مع بطاقة RTX 5090، انخفض معدل الإطارات من 312 إطاراً في الثانية إلى 156 إطاراً عند تفعيل التقنية، أي النصف تماماً. ولم تجب إنفيديا عما إذا كانت ستوفر أدوات تحكم للاعبين لتعديل التقنية بأنفسهم، بينما يبدو أن أدوات التعديل غير الرسمية أصبحت سهلة التطبيق، ولم تقدم الصحافة المتخصصة بعد أي توصية بشأن أي تعديل يجب تثبيته، نظراً لعدم إمكانية التحقق من سلامة التعديلات المنتشرة بعد التسريب. كما أن ردود فعل اللاعبين كانت متباينة منذ التسريب، فهناك من يرى فيها إعادة إتقان مجانية للجيل الجديد لأي لعبة، وهناك من يراها سيئة كما كانت، وهناك من يخشى أن تؤدي إلى تشابه جميع الألعاب إذا ما اعتمد عليها المطورون بشكل مفرط. وتجدر الإشارة إلى أن نسخة سابقة من هذا المقال حددت الشخصيات في لقطات الشاشة بشكل خاطئ، والصحيح أنها اللاعب كيد كانينغهام وماجيما من ياكوزا.
المصدر: theverge