تتجه أنظار الأسواق المالية العالمية إلى خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) كيفن وارش، المقرر اليوم الخميس أمام ندوة جاكسون هول الاقتصادية، في وقت يسوده الحذر إزاء استمرار الضغوط التضخمية ومسار أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات الاقتصاد الأمريكي الصادرة أمس استمرار تلك الضغوط، مما كبح جزئياً التفاؤل الذي أثارته نتائج أعمال شركة الرقائق “نفيديا” التي فاقت التوقعات. فقد سجل مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، الذي يوليه البنك المركزي اهتماماً خاصاً لقياس التضخم، ارتفاعاً بنسبة 0.2% على أساس شهري في يوليو/تموز، متجاوزاً توقعات السوق، مما أثار شكوكاً حول إمكانية استمرار الحركة الصعودية للأسعار في الفترة المقبلة. وقد رسخت هذه المعطيات في الأسواق قناعة بأن التضخم، رغم بوادر اعتداله النسبي، قد يواصل مساره، مما أبقى على توقعات المستثمرين حيال رفع أسعار الفائدة هذا العام. هذا الواقع حدّ من تأثير النتائج الإيجابية لنفيديا، والتي تُعد مقياساً لاستدامة الطلب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، في تعزيز الإقبال على المخاطرة.
وتشير تسعيرات العقود الآجلة إلى احتمال بنسبة 66% أن يُبقي البنك المركزي على سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه الشهر المقبل، في حين تُقدَّر احتمالات رفعه بمقدار 25 نقطة أساس في أكتوبر/تشرين الأول بنحو 62%. وارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بنحو 3 نقاط أساس أمس ليصل إلى 4.23%.
وارش في أول ظهور له بصفته رئيساً للاحتياطي الاتحادي
مع هذه التوقعات، تتجه الأنظار نحو الرسائل التي سيطلقها وارش اليوم في ندوة جاكسون هول، والتي ستكون الأولى له بصفته رئيساً لمجلس الاحتياطي الاتحادي، بعد أن كان مشاركاً فاعلاً في هذه الندوة خلال فترة عضويته في مجلس إدارة البنك بين 2006 و2011، ومن ثم بصفته الأكاديمية في جامعة ستانفورد. ويرى محللون أن قيام وارش بتقديم شرح أكثر تفصيلاً حول التطورات التي قد تدفع إلى رفع أسعار الفائدة مستقبلاً، قد يسهم في تهدئة الأسواق وخفض أقساط المخاطر، مشيرين إلى أنه حتى مجرد تقديم إشارة واضحة توجه مسار السياسة النقدية وتوقيتها قد يكون له تأثير ملموس على الأسواق. كان وارش قد أكد بعد اجتماع السياسة النقدية الأخير، الذي أبقى فيه البنك أسعار الفائدة في نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%، على عزمه تحقيق استقرار الأسعار، مستبعداً أي تراخٍ في السعي لتحقيق هدف التضخم.
وإلى جانب وارش، يترقب المستثمرون تصريحات مسؤولين آخرين في البنك المركزي؛ إذ وصف رئيس بنك الاحتياطي في كانساس سيتي جيفري شميد التضخم بأنه “عنيد ومتشبث”، فيما شددت رئيسة بنك كليفلاند بيث هاماك على أن الوقت حان للتحرك، محذرة من أن بقاء التضخم فوق المستهدف لفترة أطول سيزيد من صعوبة خفضه لاحقاً ويضاعف معاناة الأفراد والشركات. أما رئيسة بنك بوسطن سوزان كولينز، فقد أعربت عن استعدادها لدعم رفع الفائدة إذا لم تظهر الظروف استمرار انخفاض التضخم. ومن المقرر أيضاً أن تصدر اليوم بيانات منقحة عن الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، تدعم أي تطورات إيجابية تدفقات ناقلات النفط عبر مضيق هرمز التفاؤل في الأسواق، فيما جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منشور على منصات التواصل الاجتماعي وصفه لإيران بأنها “دولة منهارة”، متّهماً مراسل شبكة فوكس نيوز ببث “أخبار خاطئة” عن طهران، ومؤكداً أنه لا يرغب في التفاوض معها، بل هي من “تتوسل” لإبرام اتفاق.
وفي البيانات الاقتصادية، تراجع عدد الأمريكيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة في الأسبوع المنتهي في 22 أغسطس/آب بمقدار 4 آلاف طلب إلى 203 آلاف، وهو أقل من توقعات السوق. وارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 4.69% اليوم بعد أن بلغ 4.68% أمس، مدعوماً بتوقعات مسار الفائدة واحتمال إصدار وارش رسائل تشددية تفضل استقرار الأسعار، مما عزز الطلب على الدولار الذي صعد مؤشره 0.1% إلى 99.2 نقطة. وفي المقابل، هبط سعر أونصة الذهب 0.5% إلى 4580 دولاراً بفعل قوة العملة الأمريكية وارتفاع عوائد السندات، فيما تراجع سعر برميل خام برنت لتسليم أكتوبر/تشرين الأول 0.6% إلى 89.2 دولاراً. وأغلقت المؤشرات الأمريكية على ارتفاع أمس، حيث صعد مؤشر “إس آند بي 500” بنسبة 0.72% ومؤشر “ناسداك” بنسبة 1.57% ومؤشر “داو جونز” بنسبة 0.2%، بينما افتتحت العقود الآجلة للمؤشرات الأمريكية والأوروبية على تباين اليوم.
البنك المركزي الأوروبي يلوّح برفع جديد للفائدة
وفي أوروبا، حيث سادت الضغوط البيعية باستثناء ألمانيا أمس، يترقب المستثمرون الرسائل النقدية من جاكسون هول وتحركات أسعار النفط. وأظهرت محاضر اجتماع السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي، الصادرة أمس، استعداد البنك لرفع أسعار الفائدة مجدداً قريباً إذا لم يتراجع التضخم، حيث ورد فيها: “في حال عدم تحقيق تحسن ملموس في توقعات التضخم، يبدو من الضروري القيام برفع جديد لأسعار الفائدة”. وأكدت المحاضر أن القرارات ستظل مرتبطة بالبيانات، مع عدم وجود التزام مسبق برفع الفائدة في سبتمبر/أيلول، وهو ما يجب التأكيد عليه في التواصل مع الأسواق. كما أشارت المحاضر إلى أن بعض أعضاء المجلس يرون أن البيانات الواردة منذ اجتماع يونيو/حزيران تدعم استمرار تشديد السياسة النقدية، ولم يعارضوا رفعاً محتملاً في يوليو/تموز. ومن المقرر أن تشارك عضوة المجلس التنفيذي للبنك إيزابيل شنابل في ندوة جاكسون هول ضمن حلقة نقاش بعنوان “الابتكار المالي: آثار على المدفوعات والسياسات”.
وفي الأسواق الأوروبية، تراجع مؤشر “فايننشال تايمز 100” البريطاني 0.79% ومؤشر “فتس إم آي بي” الإيطالي 1.17% ومؤشر “كاك 40” الفرنسي 1.68%، بينما ارتفع مؤشر “داكس” الألماني 0.31%.
أما في آسيا، فساد الحذر قبل خطاب وارش، رغم الدعم الذي قدمته نتائج نفيديا القوية، حيث سجلت المؤشرات ارتفاعات متفاوتة في اليابان والصين وهونغ كونغ، في حين هبط المؤشر الكوري الجنوبي “كوسبي” بنسبة 1.7%. وفي اليابان، أظهرت بيانات اليوم تسارع التضخم في طوكيو خلال أغسطس/آب، حيث ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 1.9% على أساس سنوي، كما زاد المؤشر الأساسي الذي يستثني الغذاء الطازج والطاقة بنسبة 2% في أغسطس/آب، مقارنة بارتفاع بلغ 1.8% في يوليو/تموز. وجاء معدل البطالة في يوليو/تموز عند 1.18%، وهو أدنى من التوقعات، مما عزز التكهنات بأن البنك المركزي الياباني قد يرفع أسعار الفائدة الشهر المقبل.
بورصة إسطنبول وبيانات تركيا
وفي تركيا، أنهى مؤشر “بيست 100” في بورصة إسطنبول تعاملات أمس على انخفاض بنسبة 0.24% ليستقر عند 14575.51 نقطة، فيما ارتفع العقد الآجل لمؤشر “بيست 30” في جلسة المساء بنسبة 0.13%. وحددت هيئة أسواق المال التركية (SPK) معايير جديدة تمنح بموجبها الأولوية في إتمام طلبات الطرح العام الأولي للأسهم، حيث يمكن إنهاء الطلب بشكل متسارع إذا استوفت الشركة أحد المعايير المعلنة وطلبت ذلك، دون التقيد بترتيب الطلبات المعلن على موقع الهيئة. وتشمل هذه المعايير تجاوز القيمة السوقية للأسهم المطروحة 15 مليار ليرة تركية مع تخصيص ما لا يقل عن 50% منها للمستثمرين الأجانب، وبما يتوافق مع التشريعات الدولية.
وبلغ سعر صرف الدولار مقابل الليرة التركية 48.2450 ليرة في افتتاح تعاملات اليوم، مرتفعاً بنحو 0.2% عن إغلاق أمس عند 48.1580 ليرة. وينتظر المستثمرون اليوم بيانات محلية تشمل مؤشر الثقة الاقتصادية لشهر أغسطس/آب وميزان التجارة الخارجية لشهر يوليو/تموز ومؤشر أسعار المنتجين في قطاع الخدمات لشهر يوليو/تموز، إضافة إلى بيانات ألمانية وأوروبية وأمريكية، وفي مقدمتها خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي ومؤشر ثقة المستهلك وتوقعات التضخم من جامعة ميشيغان لشهر أغسطس/آب. ويرى محللون أن مستوى 14500 و14400 نقطة يمثل مناطق دعم لمؤشر “بيست 100”، في حين تشكل 14700 و14800 نقطة مناطق مقاومة.
المصدر: yenisafak