تاريخ طويل لدعوات قادة الذكاء الاصطناعي إلى التنظيم

خلال الأيام الماضية، اتفق علناً عدد من الأشخاص الذين قد يحققون أرباحاً كبيرة من الذكاء الاصطناعي على أن الوقت حان لإبطاء التطوير قبل فقدان السيطرة، ومن بينهم الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي سام ألتمان، والرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك داريو أمودي، والشريك المؤسس لـ«غوغل ديب مايند» ديميس هاسابيس، والرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت ساتيا ناديلا، والرئيس التنفيذي لمنصة إكس إيلون ماسك.
وعندما يعلن أشخاص يستفيدون من مجال ما أنه خطير ويحتاج إلى التنظيم، فهناك دائماً ما يدعو إلى التشكيك. لكن، بغض النظر عن دوافعهم، فإن هذه ليست المرة الأولى التي يطلق فيها قادة الفكر في الذكاء الاصطناعي تحذيرات مماثلة. فقد دأبت الصناعة على القول إنها تريد حواجز قانونية منذ سنوات، مع نتائج ملموسة محدودة.
تحذيرات سبقت طفرة الذكاء الاصطناعي
تعود المخاوف من الآلات القادرة على التفكير والتكاثر الذاتي إلى القرن التاسع عشر. فبعد طرح تشارلز داروين نظرية التطور، حذر الكاتب صامويل بتلر عام 1863 من احتمال أن تحل آلات ذكية قادرة على نسخ نفسها محل البشر. وفي كتابه اللاحق «إريهون» الصادر عام 1872، وصف بتلر زيارة مجتمع خيالي سبق أن نظّم الآلات وأخرجها من الوجود لتجنب انهيار البشرية.
وفي محاضرة ألقاها عام 1951، حذر رائد الحوسبة آلان تورنغ من أن الذكاء الاصطناعي سيواجه «معارضة كبيرة»، لأن الآلات غير القابلة للموت «لن تستغرق وقتاً طويلاً لتتجاوز قدراتنا الضعيفة»، وقد «تتولى السيطرة» في نهاية المطاف.
وفي عام 2000، كتب بيل جوي، الشريك المؤسس لشركة «صن ميكروسيستمز» وكبير علمائها، أن الروبوتات القادرة على نسخ نفسها قد تكون أخطر من الأسلحة النووية، لأنها تُطوَّر «داخل نظام الرأسمالية العالمية الذي لم يعد يواجه تحدياً»، بدلاً من تطويرها في مختبرات حكومية خاضعة لرقابة مشددة. وفي عام 2009، جمع إريك هورفيتز، الباحث في مايكروسوفت الذي يشغل حالياً منصب كبير المسؤولين العلميين في الشركة، عدداً من أبرز باحثي الذكاء الاصطناعي لبحث «إنشاء سياسات قد تقيد أو توجه سلوك الأنظمة الذاتية وشبه الذاتية لمعالجة المخاوف».
إيلون ماسك نقل التحذير إلى داخل القطاع
يبدو أن الاتجاه الحديث المتمثل في مطالبة أصحاب الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي بتنظيم القطاع بدأ بصورة واضحة مع إيلون ماسك، الذي دخل المجال مبكراً. وقبل أن يطالب، خلال اجتماع لحكام الولايات الأميركية، بتنظيم الذكاء الاصطناعي فوراً، كان ماسك قد استثمر 38 مليون دولار في أوبن إيه آي، إلى جانب امتلاكه حصصاً في شركتين أخريين على الأقل تعملان في مجال الذكاء الاصطناعي، كما كان قد تحدث علناً عن مخاطر هذه التكنولوجيا لمدة ثلاثة أعوام.
ففي يونيو/حزيران 2014، لمح ماسك إلى أن أبحاث الذكاء الاصطناعي قد تنتج نسخة واقعية من شخصية «ترميناتور». وفي أغسطس/آب من العام نفسه، وصف الذكاء الاصطناعي بأنه «أكثر خطورة من الأسلحة النووية»، ثم قال في أكتوبر/تشرين الأول إن العمل عليه يشبه «استدعاء الشيطان».
وفي يناير/كانون الثاني 2015، وقع ماسك إلى جانب عالم الفيزياء ستيفن هوكينغ رسالة مفتوحة تدعو إلى إجراء أبحاث مسؤولة في الذكاء الاصطناعي. وكان هوكينغ قد حذر سابقاً من أن ابتكار الذكاء الاصطناعي قد يكون آخر ما يفعله البشر على الإطلاق.
وقال ماسك خلال الاجتماع الصيفي للجمعية الوطنية لحكام الولايات الأميركية في يوليو/تموز 2017: «الذكاء الاصطناعي حالة نادرة نحتاج فيها إلى أن نكون استباقيين في التنظيم بدلاً من أن نكون رد فعل. أعتقد أنه عندما نبدأ بالاستجابة لتنظيم الذكاء الاصطناعي سيكون الوقت قد فات». ثم أضاف في مارس/آذار 2018: «الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة بكثير من الأسلحة النووية. فلماذا لا توجد رقابة تنظيمية عليه؟»
وبعد فضيحة بيانات «كامبريدج أناليتيكا» المرتبطة بفيسبوك، اقترح مؤسس ميتا مارك زوكربيرغ أن تخضع شركته للتنظيم إذا كان التنظيم «صحيحاً». ولم تكن تصريحاته آنذاك تتعلق بالذكاء الاصطناعي بصورة أساسية، لكنه تساءل عن المسؤولية القانونية للشركات عندما تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي، خلال السنوات الخمس إلى العشر التالية، أفضل فأفضل، وتتمكن بصورة استباقية من تحديد ما قد يمثل محتوى مسيئاً أو ينتهك بعض القواعد. وفي مارس/آذار 2019، قال زوكربيرغ إن الإنترنت يحتاج إلى «دور أكثر نشاطاً» للجهات التنظيمية.
شركات التكنولوجيا تقترح قواعد طوعية
واجهت مايكروسوفت في وقت سابق من عام 2018 انتقادات بسبب تعاونها مع إدارة الهجرة والجمارك الأميركية «آي سي إي» في تقنيات التعرف إلى الوجوه، بالتزامن مع إدانة عدد من الرؤساء التنفيذيين لشركات التكنولوجيا سياسة إدارة دونالد ترامب المتعلقة بفصل الأطفال عن ذويهم الذين يُعتقلون عند الحدود الأميركية.
ورغم أن تقنيات التعرف إلى الوجوه لا تطابق تماماً فكرة الذكاء الاصطناعي القادر على إعادة إنتاج نفسه، فتح رئيس مايكروسوفت براد سميث الباب أمام التنظيم الطوعي خلال كلمة في مؤسسة بروكينغز، قائلاً: «نعتقد أنه من المهم أن تبدأ الحكومات في عام 2019 بإقرار قوانين لتنظيم هذه التكنولوجيا. ونعتقد أن الطريقة الوحيدة للحماية من هذا السباق نحو القاع هي بناء أرضية من المسؤولية تدعم المنافسة الصحية في السوق. وتتطلب الأرضية الصلبة أن نضمن خضوع هذه التكنولوجيا، والمنظمات التي تطورها وتستخدمها، لسيادة القانون».
وفي مقال بصحيفة «فايننشال تايمز»، كتب الرئيس التنفيذي لشركة غوغل سوندار بيتشاي: «لا شك لدي في أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تنظيم، فهو مهم للغاية بحيث لا يمكن تركه من دونه. والسؤال الوحيد هو كيفية تنظيمه». وأضاف: «لا تستطيع شركات مثل شركتنا بناء تكنولوجيا جديدة واعدة ثم ترك قوى السوق تقرر كيفية استخدامها». وجاءت هذه التصريحات، كما حدث مع مايكروسوفت في العام السابق، في ظل مخاوف خاصة بتقنيات التعرف إلى الوجوه.
وبين يوليو/تموز 2023 ومايو/أيار 2024، وقعت شركات التكنولوجيا سلسلة اتفاقات غير ملزمة مع حكومات قيل إنها تهدف إلى إبقاء القطاع تحت قدر من الرقابة. ففي يوليو/تموز 2023، تعهدت ميتا وغوغل وأوبن إيه آي للبيت الأبيض بتطوير الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة. وفي سبتمبر/أيلول 2023، التزمت شركات إضافية باتفاق للسلامة في مجال الذكاء الاصطناعي مع البيت الأبيض. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، اتفق مطورون وحكومات خلال قمة الذكاء الاصطناعي في بريطانيا على إجراء اختبارات للمساعدة في إدارة المخاطر. وفي مايو/أيار 2024، اتفق قادة العالم خلال قمة الذكاء الاصطناعي في سيول على إطلاق شبكة لمعاهد السلامة.
وفي سبتمبر/أيلول 2023، نشر مصطفى سليمان، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفلكشن إيه آي» الذي أصبح لاحقاً رئيس الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت، كتاباً دعا فيه إلى تنظيم الحكومات لهذا القطاع.
دعوة إلى التوقف المؤقت ثم انقسام الشركات
مع تصاعد الحماس للذكاء الاصطناعي التوليدي عام 2023 وتحوله إلى قوة تعيد تشكيل صناعة التكنولوجيا، دعا علماء إلى إبطاء الأبحاث، بل طالبوا الحكومات بفرض وقف مؤقت إذا تعذر تطبيق التوقف سريعاً. وجاء في الرسالة التي نشرها معهد «مستقبل الحياة» غير الربحي ووقعها ماسك وآخرون: «إذا تعذر فرض هذا التوقف سريعاً، فعلى الحكومات أن تتدخل وتفرض وقفاً مؤقتاً».
لكن بعد أسبوعين فقط من تلك الدعوة، أعلن ماسك تأسيس شركة ذكاء اصطناعي جديدة. وبعد عامين، استخدم «دي أو جي إي» لتفكيك أجزاء من القوى العاملة الفيدرالية الأميركية، بدلاً من المساعدة في تنظيم أي شيء.
وخلال سلسلة جلسات استماع أمام مجلس الشيوخ الأميركي، أيد ألتمان إنشاء الكونغرس وكالة جديدة لتنظيم الذكاء الاصطناعي. وقال إن «فوائد الأدوات التي نشرناها حتى الآن تفوق المخاطر بفارق كبير»، لكنه أقر بأن «التدخل التنظيمي الحكومي سيكون حاسماً لتقليل مخاطر النماذج التي تزداد قوة».
وفي جلسة أخرى عُقدت في 25 مايو/أيار، حذر الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك أعضاء مجلس الشيوخ من أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في إنشاء أسلحة بيولوجية.
وقدمت مايكروسوفت مثالاً تنظيمياً يقوم على إلزام مشغلي الأنظمة عالية الخطورة ببناء مكابح أمان داخلها منذ مرحلة التصميم، على أن تضمن الحكومة اختبار هذه الأنظمة بانتظام للتأكد من فاعلية إجراءات السلامة.
وفي بيان مؤلف من 22 كلمة، قال عدد من قادة القطاع إن تخفيف خطر انقراض البشر المرتبط بالذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أولوية عالمية، إلى جانب مخاطر واسعة النطاق مثل الأوبئة والحرب النووية. ورغم أن البيان لم يطلب صراحة من الحكومات التدخل، كان من بين الموقعين عليه سام ألتمان وديميس هاسابيس، الذي كان حينها الرئيس التنفيذي لغوغل ديب مايند.
وفي اجتماع خاص لمجلس الشيوخ، مغلق أمام الجمهور ووسائل الإعلام، أفادت تقارير بأن مسؤولين تنفيذيين في شركات التكنولوجيا اتفقوا على حاجة صناعة الذكاء الاصطناعي إلى التنظيم. أما التصريح العلني الأبرز فجاء من مارك زوكربيرغ، الذي قال إن على الكونغرس التعامل مع الذكاء الاصطناعي لدعم الابتكار وضمانات الحماية.
وقال قادة القطاع أيضاً: «نعتقد أن واضعي السياسات والأكاديميين والمجتمع المدني وقطاع الصناعة يجب أن يعملوا جميعاً معاً لتقليل المخاطر المحتملة لهذه التكنولوجيا الجديدة، وكذلك لتعظيم فوائدها المحتملة».
وفي المقابل، استمر الخلاف حول القوانين الملزمة. ففي أغسطس/آب، كتب ماسك أن ولاية كاليفورنيا «ربما ينبغي لها، بعد أخذ كل الأمور في الاعتبار، إقرار مشروع قانون سلامة الذكاء الاصطناعي إس بي 1047». وكانت أنثروبيك قد عارضت المشروع في يوليو/تموز، كما عارضته أوبن إيه آي في أغسطس/آب، قبل أن تغير أنثروبيك موقفها في سبتمبر/أيلول. لكن حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم استخدم حق النقض ضد المشروع، قائلاً: «لا أعتقد أن هذا هو النهج الأفضل لحماية الجمهور من التهديدات الحقيقية التي تفرضها التكنولوجيا».
وفي رسالة مفتوحة، قالت أنثروبيك إن «الحكومات يجب أن تتحرك بصورة عاجلة خلال الأشهر الثمانية عشر التالية بشأن سياسة الذكاء الاصطناعي»، لأن «نافذة الوقاية الاستباقية من المخاطر تضيق بسرعة». وأضافت: «من الأهمية بمكان خلال العام المقبل أن يعمل صانعو السياسات وقطاع الذكاء الاصطناعي ودعاة السلامة والمجتمع المدني والمشرعون معاً لتطوير إطار تنظيمي فعال».
وتضمن أحد المقترحات إشارة إلى أن بريطانيا أبطأت نمو صناعة السيارات المحلية بسبب التنظيم، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى ما سماه «الذكاء الاصطناعي الديمقراطي»، بحيث تستند قواعد تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه إلى القيم الديمقراطية التي طالما تبنتها البلاد.
وفي مقال كتبه داريو أمودي في صحيفة «نيويورك تايمز»، قال إن القانون الفيدرالي الأميركي لا يلزم شركات الذكاء الاصطناعي بالشفافية بشأن قدرات نماذجها أو باتخاذ خطوات ذات معنى للحد من المخاطر، وإن بعض الشركات تستطيع ببساطة اختيار عدم القيام بذلك. وكان المقال يعارض وقفاً مؤقتاً مدته 10 سنوات اقترحته إدارة ترامب لمنع الولايات الأميركية من تنظيم الذكاء الاصطناعي.
لم يكن أمودي يدعو في ذلك المقال إلى إبطاء التطوير، بل إلى وضع «معيار وطني للشفافية» يساعد الجمهور والكونغرس على فهم كيفية تطور التكنولوجيا. وعندما حاولت كاليفورنيا تنظيم شركات الذكاء الاصطناعي العاملة فيها مجدداً، دعمت أنثروبيك مشروعاً تحول فعلياً إلى قانون. ويتضمن القانون معياراً للشفافية، ومتطلبات للإبلاغ عن إجراءات السلامة، وحماية للمبلغين عن المخالفات، بينما مارست أوبن إيه آي ضغوطاً ضده.
ثم تصاعدت المخاوف بعدما أصبح علنياً أن وكلاء الذكاء الاصطناعي غير المنضبطين يستطيعون مهاجمة شركات أخرى، وأنهم فعلوا ذلك بالفعل. وقالت أوبن إيه آي في أغسطس/آب إنها أبطأت التطوير، وفي 8 سبتمبر/أيلول استقال باحث كبير في مجال السلامة لدى أنثروبيك احتجاجاً، معلناً أن هناك احتمالاً يبلغ 10% لأن يقتل الذكاء الاصطناعي جميع البشر قبل نهاية العقد. ووافق باحث آخر في أنثروبيك على هذا التقدير.
وفي مقال بعنوان «يجب أن نضبط سرعة النماذج الرائدة»، كتب أمودي أن «الطريقة الأكثر فاعلية لإبطاء التطوير هي التنظيم الذي يستهدف جميع شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية الرائدة، لأن ذلك يشمل حتى الشركات غير المستعدة للتعاون طوعاً». كما اقترح احتمال أن تضع الحكومات ممثلين لها داخل شركات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في منع الحوادث.
لكن سام ألتمان لم يذهب إلى هذا الحد، إذ كتب أن ما تحتاج إليه الشركات من الحكومات هو التنسيق الدولي، وأن عليها أولاً أن تفعل ما تستطيع بنفسها. ومع ذلك، قال إنه سيلتزم «بمقيّمين مستقلين يتمتعون بوصول مماثل لوصول الموظفين» إلى أنظمة الشركات.
أما زوكربيرغ، فلم يبدُ متوافقاً مع هذا الاتجاه. ففي 15 سبتمبر/أيلول، كتب أن مسؤولية كل شركة هي التحرك بالسرعة المناسبة، وأن ميتا تفعل ذلك بالفعل. وأعاد نشر بيان سابق له يعود إلى أغسطس/آب يتضمن تحذيراً من أن «أي سياسة تبطئ إطلاق النماذج الأميركية، ولو لشهر واحد، قد تزيد المخاطر على القيادة الأميركية بصورة كبيرة، في وقت تواصل فيه النماذج الأجنبية تقدمها».
وبغض النظر عما يقوله قادة شركات التكنولوجيا، تبدو القواعد التنظيمية بعيدة الاحتمال في ظل إدارة ترامب، التي أشارت إلى رغبتها في دفع الصناعة إلى الأمام بأقصى سرعة.
وحتى إذا لم تكن كل هذه الشركات تريد فعلاً التنظيم الذي تبدو وكأنها تطالب به، فإن هذه الدعوات تمثل واحدة من أعلى إشارات الإنذار التي أطلقها قادة القطاع حتى الآن، والعالم يراقب هذه التطورات.
المصدر: theverge