Apple Watch تستمع دائمًا لما حولها.. والعبء يقع على من لا يرتديها

تستعد ساعات Apple Watch الجديدة للاستماع باستمرار إلى الكلمات التي تلتقطها وإنتاج ملخصات لما يدور حول المستخدم طوال اليوم، ما يثير نقاشًا قانونيًا وأخلاقيًا حول خصوصية الأشخاص القريبين الذين لا يملكون وسيلة فعلية لرفض ذلك.
وأعلنت آبل في وقت سابق من سبتمبر 2026 أن ساعاتها الجديدة ستتضمن هذه الميزات، لتسارع تحذيرات الخبراء من مخاطرها القانونية، خصوصًا في الأماكن غير العامة والولايات الأميركية التي تشترط موافقة طرفي المحادثة على التسجيل. ووصف كثيرون التقنية بأنها تثير شعورًا بالتطفل، بينما نشرت الشركة صفحة كاملة من التفاصيل التقنية في محاولة لطمأنة المستخدمين بأنها لا تتجسس عليهم.
وقالت آبل إن ميزة Live Rewind تستخدم مخزنًا مؤقتًا متجددًا لا يحتفظ إلا بآخر 15 ثانية من الكلام، وإن ميزة Siri Recap لا تقدم سوى «ملخصات عالية المستوى» لما التقطته خلال اليوم، من دون تحديد هوية المتحدثين. كما زودت الساعة بإشارة صوتية يفترض أن تحذر الموجودين بالقرب منها عندما تبدأ في تفريغ الكلام إلى نص، لمنع التنصت السري.
من يتحمل مسؤولية الموافقة؟
لكن هذه الضمانات لا تبدو مطمئنة لكثير من المدافعين عن الخصوصية، في وقت تنتشر فيه تقنيات مراقبة مكروهة في الحياة اليومية. فكاميرات Flock تغطي مجتمعات ريفية وضواحٍ أميركية، وتروج إعلانات في محطات المترو لقلادات ذكاء اصطناعي تستمع دائمًا وتحمل اسم «فريند»، فيما استخدم مؤثرون نظارات Meta Ray-Ban لمضايقة نساء في الأماكن العامة.
يرى منتقدون أن الاتجاه السائد في عام 2026 هو أجهزة تستمع وتسجل كل ما يحيط بها، سواء بموافقة الناس أو من دونها، ثم تضع على عاتق الشخص العادي مهمة اكتشاف أضواء صغيرة أو صفارات خافتة لمعرفة ما إذا كان يخضع للمراقبة.
وقال الباحث المستقل في الخصوصية ومؤلف كتاب «مراقبة الرفاهية» المرتقب صدوره، كريس غيليارد، إن دخول آبل إلى هذا المجال مهم بصورة خاصة لأنها بنت سمعتها على الخصوصية، لكنها تحاول عمليًا إعادة تعريف معنى «التسجيل». وأضاف أن انتشار أجهزتها قد يجعل الاستماع المتخفي المستمر يبدو أمرًا طبيعيًا على نطاق واسع.
وتعتمد الشركات المصنعة لهذه الأجهزة على مؤشرات مثل الضوء الأحمر الوامض في نظارات ميتا أو النغمة الصادرة عن Apple Watch لتقول إن الأشخاص القريبين أُبلغوا باحتمال تسجيلهم. كما تنشر أدلة لما تسميه «أفضل الممارسات» وتقترح قواعد للتعامل اللائق مع الأجهزة. غير أن منتقدين، بينهم غيليارد، يرون أن هذه الإجراءات تنقل عبء حماية الخصوصية من الشركة إلى المستخدم، ثم من المستخدم إلى كل شخص يصادف وجوده بالقرب من الجهاز.
ويقول غيليارد إن تصميم «حذّر ثم سجّل» لا يتوافق أساسًا مع الأعراف الاجتماعية الراسخة في الأماكن المشتركة. فالموافقة، بحسب رأيه، لا تُمنح بعد بدء التسجيل، بل يجب أن تتيح للشخص قول «لا» قبل أن يبدأ. أما الإشعار اللاحق فيتطلب من الشخص الذي يجري تسجيله أو الاستماع إليه أن يتخذ إجراءً، وهو ما لا يحل المشكلة بقدر ما يسمح للشركة بالقول إنها تحاول معالجتها.
هل تفريغ الكلام تسجيل؟
وتزداد المسألة تعقيدًا مع ميزات التسجيل الحي في Apple Watch، لأن الساعة لا تحتفظ بالتسجيل الصوتي بالضرورة، بل تحاول تفريغ الكلام والأصوات المسموعة إلى نص في الوقت الفعلي. ويترك ذلك سلسلة من الأسئلة القانونية والأخلاقية المفتوحة: إذا تحدث شخصان في مقهى، ثم لخص جهاز قريب مزود بالذكاء الاصطناعي كلامهما لشخص ثالث من دون الاحتفاظ بالملف الصوتي، فهل يمكن القول إن ما حدث ليس «تسجيلًا»؟ وما مستوى الدقة المطلوب في التفريغ الآلي كي يُعد تسجيلًا؟ ومتى يصبح دقيقًا بما يكفي للاعتداد به، مثلًا، أمام المحكمة؟
ويرى منتقدو هذه التقنيات أن شركات مثل آبل وميتا وFlock حسمت هذا النقاش عمليًا من دون مشاركة الجمهور، ثم طرحت المنتجات في الأسواق مع ما قد يترتب عليها من نتائج قانونية واجتماعية.
وعلى مدى سنوات، وسعت شركات وادي السيليكون تدريجيًا تعريفها للموافقة، بدءًا من تقنيات الإعلان التي تتبع تصفح الإنترنت، مرورًا بكاميرات جرس الباب Ring المطلة على الأحياء، وصولًا إلى أجهزة Alexa التي تنتظر أوامر المستخدم داخل منزله. ويرى ناشطون أن هذا المسار يشبه استراتيجية «غلي الضفدع»؛ إذ تتآكل توقعات الناس بشأن الخصوصية ببطء، بينما تُباع كل خطوة على أنها مقايضة مقبولة مقابل الراحة.
ولا تُعد آبل أسوأ الشركات في هذا المجال، لكن دخولها إلى سوق أجهزة المراقبة المحيطة يوضح، وفق ناشطين، كيف تدفع شركات التكنولوجيا حدود السلوك المقبول في الأماكن المشتركة. فالكلام العابر الذي كان ينتهي بانتهاء اللحظة قد يتحول إلى سجل دائم، ولو كان غير دقيق، بما يغير طبيعة التفاعلات التي اعتاد الناس اعتبارها قصيرة ومنخفضة المخاطر.
وقد يرى بعض المستخدمين في إعادة تشغيل اللحظات عبر الساعة حلًا لمشكلة الشرود خلال اجتماعات العمل أو وسيلة لعدم خسارة أي جدال، لكن آخرين ينزعجون من احتمال تحويل أحاديثهم العابرة وأفكارهم غير المكتملة إلى مواد يمكن الرجوع إليها أو استخدامها ضدهم. ويطرح ذلك سؤالًا عمليًا حول قدرة الناس على التحدث بحرية إذا أصبح كل ما يقولونه قابلًا للتحول إلى مسؤولية محتملة.
وقالت جينا شيرمان، مديرة الحملات في منظمة UltraViolet المعنية بتأثير تقنيات المستهلك في العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف الجنسي، إن نماذج «الانسحاب» لا تعادل الموافقة. وأوضحت أن منح الشخص خيار الانسحاب يختلف جذريًا عن طلب موافقته الصريحة قبل الاشتراك؛ فالأول سلبي ولا يمنح المستهلك سلطة حقيقية، بينما يتيح الثاني قرارًا واعيًا ومتعمدًا.
وترى شيرمان أن الشركات تعرف على الأرجح أن الانسحاب الفعلي سيصبح صعبًا أو مستحيلًا عندما تنتشر الأجهزة التي تستمع وتراقب دائمًا. فليس كل شخص قادرًا على رؤية ضوء التسجيل، ولا يستطيع الجميع سماع نغمة التحذير، خصوصًا في حفلة أو حفل موسيقي أو بين أولياء الأمور في غرف ألعاب الأطفال. وبذلك يُطلب من الناس الانتباه إلى آلاف التفاصيل الإضافية، في حين ينبغي أن يقع العبء الأخلاقي والقانوني على الشركات حتى لا تعرضهم لمراقبة مستمرة.
رد فعل اجتماعي يتجاوز الانتقادات
وتشير ردود الفعل الأخيرة إلى أن شركات التكنولوجيا تدرك أنها تواجه معركة ثقافية صعبة. فبعد أن تعرضت ميتا للسخرية وواجهت دعاوى قضائية خلال صيف 2026 بسبب حملة إعلانية واسعة استعانت بنجوم من عائلة كارداشيان وقدمت نظاراتها الجديدة باعتبارها جزءًا من أسلوب حياة مستوحى من دولة المراقبة، طرحت الشركة في مؤتمر Meta Connect 2026 نسخة لا تحتوي على كاميرا، إلى جانب مجموعة جديدة من النظارات المزودة بكاميرات.
وتخطط ميتا لتقديم 100 نسخة من نظاراتها بحلول نهاية العام. وتبدو النسخة الخالية من الكاميرا محاولة لتقديم تنازل بعد الانتقادات التي أطلقت على النظارات المزودة بالكاميرا أوصافًا ساخرة، بينها «نظارات المتحرشين»، فيما تواصل الشركة تطوير نماذج أخرى تعتمد على التصوير.
وبالرغم من أن آبل قلصت نطاق ميزات الاستماع في Apple Watch، يرى ناشطون أن دخولها إلى سوق المراقبة المحيطة يظل ذا دلالة؛ فالشركة المعروفة بتركيزها النسبي على الخصوصية تضفي شرعية أوسع على فكرة وجود أجهزة تستمع بصورة دائمة في الأماكن العامة والخاصة.
وقالت شيرمان إن هذه الأدوات قد تكون مفيدة في حالات محددة، لكنها في صورتها العامة لم تُصمم لمصلحة الناس، بل تخلق بيئة يضطر فيها الجميع إلى اليقظة المستمرة لمعرفة ما إذا كانوا مراقبين أو مسجلين. واعتبرت أن هذا الوضع لا يسبب الرعب فحسب، بل قد يكون مرهقًا جسديًا ونفسيًا، كما يؤثر بصورة غير متناسبة في النساء والفئات المهمشة الأكثر تعرضًا للعنف الجنسي والتمييز.
ولا يقتصر الضرر، بحسب شيرمان، على خصوصية مرتدي الجهاز نفسه، لأن قرار استخدامه قد يمس كل شخص في حياته أو محيطه.
وفي المجتمعات الأميركية، لم يعد الاعتراض على هذه التقنيات محصورًا في النقاشات النظرية. فقد أقدم أشخاص لا يهتمون عادة بقضايا الخصوصية على تخريب كاميرات Flock وتدميرها في مناطق ريفية وضواحٍ مختلفة، بينما أدت الاحتجاجات الشعبية على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي كثيفة استهلاك الطاقة والملوثة للبيئة إلى تحركات وطنية مكثفة بدأت تؤثر في السياسة الأميركية وتدفع مسؤولين منتخبين إلى التعامل معها.
كما أصبح تطبيق AntiZuck Smart Glasses Scanner، الذي يكتشف النظارات الذكية القريبة عبر إشارات البلوتوث، من بين التطبيقات المدفوعة الأعلى ترتيبًا في متجر App Store. وبدأت مطاعم وحانات ونوادٍ ليلية في حظر النظارات الذكية ومرتديها نهائيًا، مبررة ذلك بالحاجة إلى حماية خصوصية الزبائن.
وفي الوقت نفسه، ظهرت نتائج عملية لاستخدام أنظمة المراقبة واسعة النطاق، بعدما كُشف عن استخدام الشرطة الأميركية كاميرات Flock لملاحقة شركاء سابقين واهتمامات عاطفية وأشخاص عشوائيين ظهروا في نطاق الرصد.
وقالت شيرمان إن شركات التكنولوجيا قللت في النهاية من تقدير قوة المستهلكين وإحساسهم بقدرتهم على اتخاذ القرار، داعية كل مستخدم إلى رفض هذه الأدوات والتصريح بسبب رفضه لها، لأن المسألة لا تتعلق بخصوصيته الشخصية وحدها، بل بخصوصية كل من يحيط به.
أما غيليارد فرجح أن تكون الشركات مدركة لعدم شعبية هذه الأفكار، وأن إجراءات التحذير والخصوصية ليست سوى طريقة لإظهار أنها تتحرك بحذر. لكنه قال إن احتياجات الشركات تختلف عن احتياجات الناس، وهو ما يبقي الخلاف قائمًا حول من يملك حق تحديد معنى الموافقة في عصر الأجهزة التي تستمع وتراقب بلا توقف.
المصدر: theverge