أخبار تركيا

الرئيس التركي أردوغان يطالب بإلغاء «الفيتو» ويكشف ما تنتظره أنقرة بشأن F-35

عاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من نيويورك برسائل واسعة بشأن إصلاح الأمم المتحدة وأمن المنطقة وبرنامج المقاتلات F-35، إلى جانب ملفات غزة ومضيق هرمز والعلاقات مع العراق واليونان. وخلال لقاء مع صحفيين في «البيت التركي» بعد مشاركته في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، قال إن أنقرة تنتظر تحويل الموقف الأميركي الإيجابي من عودة تركيا إلى برنامج F-35 إلى خطوات عملية، ودعا في الوقت نفسه إلى إلغاء آلية حق النقض في مجلس الأمن.

وأوضح أردوغان أن أكثر من 130 دولة شاركت في اجتماعات الجمعية العامة على مستوى رؤساء الدول والحكومات، التي انعقدت هذا العام تحت شعار «إعادة بناء الثقة وإدارة التحول». وقال إن كلمته أمام الجمعية ركزت على دعم تركيا للتعددية، وعلى الحاجة إلى نظام عالمي أكثر شمولًا وعدالة وفاعلية.

أردوغان: خمسة أعضاء لا يمكنهم حل مشكلات العالم

انتقد الرئيس التركي حصر إرادة أكثر من 190 دولة في الأمم المتحدة بسلطة النقض التي تملكها خمس دول، معتبرًا أن هذه البنية غير العادلة لا تستطيع حماية الاستقرار والسلام العالميين أو الوفاء بالمبادئ التي تأسست عليها المنظمة الدولية.

وقال إن القضية لا تتعلق بمنح تركيا دورًا أكبر فحسب، بل بضمان تمثيل عادل لأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية والعالم الإسلامي وأوروبا وسائر المناطق، بما يعكس تجاربها وإرادتها السياسية.

ودعا إلى إلغاء حق النقض والانتقال من نموذج يحمي خمسة أعضاء إلى آلية تشمل جميع الدول الأعضاء، مع تعزيز صلاحيات الجمعية العامة وجعلها أكثر قوة وفاعلية. كما اقترح نظامًا يتولى فيه الأعضاء المنتخبون مهامهم لفترات محددة، ويضطر الراغبون في التجديد إلى إعادة كسب ثقة المجتمع الدولي.

وأضاف أن مشكلات العالم لا ينبغي أن يحلها خمسة أعضاء فقط، قائلًا إن العالم لم يعد يحتاج إلى جدران جديدة، بل إلى جسور جديدة.

وأشار أردوغان إلى أن مشاركته الأخيرة كانت خطابه السادس عشر أمام الجمعية العامة، مؤكدًا أنه حافظ، منذ خطابه الأول، على الموقف نفسه في الدفاع عن المظلومين والمطالبة بعالم أكثر عدلًا. وقال إن الحروب والأزمات في سوريا والعراق والحرب الروسية الأوكرانية وأفريقيا وميانمار وغزة أثبتت مرارًا صحة التحذيرات التي أطلقها سابقًا.

ورأى أن جذور الحرب الروسية الأوكرانية تعود إلى سنوات سابقة، وأن قضايا كثيرة في المنطقة تضخمت بسبب خطوات خاطئة تحولت شرارتها إلى حريق. وأضاف أنه لو أُخذت التحذيرات السابقة بجدية واتُخذت إجراءات مبكرة، لكان من الممكن تفادي سقوط هذا العدد من الضحايا. كما قال إن إصلاح الأمم المتحدة في ذلك الوقت كان سيجعل منع كثير من الحروب والصراعات الحالية أمرًا ممكنًا.

واعتبر عدم تمكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس من حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة لعامين متتاليين مثالًا واضحًا على عمق الظلم في النظام الدولي، مؤكدًا أن موقف تركيا ليس ضد أي دولة، بل ضد الظلم نفسه.

هرمز والبحر الأسود: دعوة إلى فتح قنوات التفاوض

وفي ما يتعلق بالتوتر في مضيق هرمز، قال أردوغان إن الانخفاض الحاد في حركة السفن التجارية يثبت أن القضية لم تعد محصورة بين إيران والولايات المتحدة، بل أصبحت مرتبطة بأمن الطاقة العالمي والتجارة الدولية.

وأكد معارضة تركيا إغلاق المضيق أمام حركة الملاحة، وشدد على ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة فيه، لأن أي توتر في هرمز يؤثر مباشرة في دول المنطقة وأوروبا وآسيا وأسواق الطاقة وقطاع النقل والحياة اليومية لملايين الأشخاص.

ودعا إلى أن يكون فتح المضيق مدخلًا للعودة إلى الحوار والمفاوضات، قائلًا إن المطلوب ليس فتح جبهات جديدة، بل إنشاء قنوات دبلوماسية جديدة. وأوضح أن أنقرة تنقل هذه الرسالة إلى جميع الأطراف وتدعو إلى العودة سريعًا إلى طاولة التفاوض.

كما تناول أردوغان تصاعد الهجمات على السفن التجارية في البحر الأسود، مؤكدًا أن البحر ليس جبهة للحرب الروسية الأوكرانية ولا ينبغي أن يتحول إليها. وقال إن تركيا تشرح للأطراف ضرورة استعادة أمن الملاحة، لأن ذلك يحقق فائدتين أساسيتين: دعم الأمن الغذائي ومنع اتساع نطاق الحرب.

وأكد أن تركيا لا تقبل مهاجمة السفن التجارية، بصرف النظر عن الطرف الذي ينفذ الهجوم، وتنتظر من جميع الأطراف التصرف بمسؤولية. وأضاف أن أنقرة كثفت جهودها لإعادة إنشاء ممر الحبوب وسرّعت خطواتها الدبلوماسية، مشيرًا إلى أنه ناقش الملف مجددًا مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وأن الرد الذي تلقاه منه كان إيجابيًا.

تحالف مكة وغزة

ووصف أردوغان «اتفاق مكة الدفاعي» بأنه خطوة قوية تسير في الاتجاه الصحيح، معتبرًا أن المبادرات الجديدة في منطقة شديدة التعقيد ستواجه اختبارات وضغوطًا متوقعة. وقال إن تركيا دولة ذات خبرة ولن تنجر إلى الاستفزازات أو تقع في الفخاخ، معربًا عن ثقته بأن استكمال العمل المؤسسي سيتيح للتحالف التقدم بقوة أكبر.

وأعلن أن أول أمين عام لتحالف مكة الدفاعي هو نعمان محمود، مؤكدًا أن أسس بناء منصة لإنتاج حلول إقليمية لمشكلات المنطقة قد وُضعت. وأضاف أن التجارب السابقة أظهرت أن الجهات التي تأتي من الخارج لفرض وصفات أمنية على المنطقة تترك وراءها غالبًا مزيدًا من عدم الاستقرار، معربًا عن ثقته بأن التحالف سينمو ويتحول إلى مؤسسة راسخة.

وفي شأن غزة، قال أردوغان إن وقف إراقة الدماء وتحويل وقف إطلاق النار إلى اتفاق دائم وضمان مستقبل كريم للفلسطينيين في أرضهم شروط لا غنى عنها لتحقيق سلام مستدام في الشرق الأوسط.

وأوضح أن الإرادة التي تشكلت في إطار خطة السلام مهمة، وأن جميع الأطراف تقريبًا، بما فيها حركة حماس، اتخذت خطوات إيجابية وأبدت رغبتها في التوصل إلى حل. لكنه اتهم إسرائيل بمواصلة هجماتها وتقويض السلام، داعيًا المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، إلى إلزامها بالخطة.

وشدد على أن الاكتفاء بالمطالبة بوقف الحرب في غزة غير كافٍ، إذ يجب إنشاء آليات تمنع استئناف القتال، وتسريع إعادة إعمار القطاع، وضمان المستقبل السياسي للفلسطينيين. وقال إن الكارثة الإنسانية في غزة مستمرة رغم تجاهل العالم لها، مشيرًا إلى أشخاص يكافحون للبقاء بين الأنقاض منذ سنوات، لا ليوم أو أسبوع أو شهر واحد.

وكان أردوغان قد شارك، بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في اجتماع جمع الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، حيث عرض مقترحات تركيا بشأن إعادة الأمن والاستقرار إلى الشرق الأوسط. كما أشار إلى اجتماع مماثل انعقد العام الماضي على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، وقال إن الموقف المتشكل حول خطة السلام مهم، لكنه يتطلب تنفيذًا فعليًا ووقفًا دائمًا للقتال.

واشنطن وبرنامج F-35 والصناعة الدفاعية التركية

وفي ملف المقاتلات الأميركية، قال أردوغان إن ترامب أبدى إرادة إيجابية بشأن عودة تركيا إلى برنامج F-35 خلال لقاءات جمعتهما، بما في ذلك خلال قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو». وأكد أن أنقرة تنتظر الآن ترجمة هذا الموقف إلى خطوات ملموسة، موضحًا أن الاتصالات بين الجانبين مستمرة وأنه يعتقد بإمكان التوصل إلى نتيجة.

وأضاف أن العلاقات الثنائية مع إدارة ترامب اكتسبت زخمًا، وأن التعاون بين تركيا والولايات المتحدة قطع شوطًا أكبر بكثير مقارنة بفترة الإدارة الأميركية السابقة. لكنه شدد على أن الأولوية بالنسبة إلى أنقرة تظل تطوير صناعتها الدفاعية المحلية.

وقال إن تركيا تريد إنتاج مقاتلتها الخاصة، وعلى رأسها «KAAN»، إلى جانب أنظمة الدفاع الجوي وتعزيز قدراتها الدفاعية. كما أشار إلى استمرار المحادثات مع بريطانيا بشأن مقاتلات «يوروفايتر»، مؤكدًا أن لتركيا احتياجات أمنية وأهدافًا استراتيجية، وأنها ستواصل العمل لتحقيقها من دون التراجع.

أكد أردوغان استمرار الاتصالات مع واشنطن بشأن عودة تركيا إلى برنامج F-35، مع تشديده على أهمية تطوير الصناعات الدفاعية المحلية.

مسار «تركيا بلا إرهاب» والعلاقات مع العراق

وفي ما يتعلق بمسار «تركيا بلا إرهاب»، قال أردوغان إن الملف لا يمثل قضية مؤقتة أو يومية، بل يتعلق بتخلي تركيا عن مشكلة مستمرة منذ نحو نصف قرن. وأوضح أن البرلمان التركي أرسى الإطار القانوني، وأن الآليات المعنية أُنشئت أو يجري إنشاؤها، فيما تتابع المؤسسات المختصة التطورات ميدانيًا.

وأكد أن تطبيق الإطار القانوني يتطلب إلقاء التنظيم سلاحه فعليًا واستكمال عملية تصفيته، مشيرًا إلى أن آليات التحقق والتثبت من ذلك معروفة. وقال إن العملية تتقدم خطوة بخطوة تحت إشراف الجهات المختصة، وإن البرلمان سيسهم فيها ضمن الإطار المحدد في القانون، بهدف إغلاق ملف الإرهاب عبر الوحدة والتضامن.

وقال إن أطرافًا تحاول عرقلة المسار، مضيفًا أن «شركاء صناعة الإرهاب» لا يريدون إغلاق هذا الملف، ومؤكدًا أن الدولة و«تحالف الجمهور» مصممان على المضي فيه. وأضاف أنه لا توجد، وفق المعلومات التي تصل إلى القيادة التركية، مشكلة تعطل المسار، وأن النتائج قد تتحقق خلال فترة ليست بعيدة.

أما بشأن العراق، فقال أردوغان إن رئيس الوزراء العراقي الجديد علي زيدي قام بأول زيارة خارجية له إلى أنقرة، معتبرًا أن البلدين بدآ المرحلة الجديدة بصورة جيدة. وأوضح أنه التقى زيدي ومرافقيه مجددًا في «البيت التركي» بنيويورك، وبحث مع المسؤولين العراقيين مستقبل التعاون الثنائي.

وأشار إلى أن الحكومة العراقية ستفرض سلطتها في منطقة سنجار، التي استقر فيها حزب العمال الكردستاني منذ فترة طويلة، وأن الجانبين ناقشا كيفية إدارة المنطقة بعد تطهيرها من الإرهاب. كما بحثا مسألة تسليم قاعدة بعشيقة.

وقال أردوغان إن تركيا تريد أن تتحدث مع جارتها العراق عن مشروع طريق التنمية، وزيادة حجم التجارة المتبادلة، والاستقرار والرفاه، بدلًا من التركيز على قضايا الإرهاب. وأضاف أن المسار يسير بصورة إيجابية وأن العلاقات اكتسبت زخمًا جيدًا.

اليونان والعلاقات الأميركية ومؤتمر المناخ

وبشأن الانتخابات المقبلة في اليونان، قال أردوغان إن تركيا لا تهتم بالسياسة الداخلية لجارتها أو بمن يفوز بالانتخابات أو يتولى الحكومة، مؤكدًا أن ما يعني أنقرة هو حقوق تركيا وأمنها والحفاظ على الهدوء في بحر إيجه وشرق المتوسط.

وشدد على أن تركيا ليست عدوًا لليونان، بل جارة وحليفة لها تحت مظلة حلف الناتو، محذرًا من تحويل العلاقات الثنائية إلى مادة انتخابية، لأنها علاقات حساسة ومهمة. وأضاف أن أنقرة تركز على أجندتها الخاصة وتواصل العمل على ملفاتها.

وفي العلاقات مع الولايات المتحدة، قال أردوغان إن العام المقبل سيصادف مرور مئة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وإن تركيا تريد جعل عام 2027 محطة مرجعية في العلاقات التركية الأميركية. وأشار إلى وجود رؤية متقاربة مع ترامب بشأن الاستفادة من هذه المناسبة، كما التقى خلال زيارته ممثلي دوائر الأعمال الأميركية البارزة ومراكز الفكر لعرض فرص الاستثمار والتجارة في تركيا.

كما شارك في برنامج حضره أفراد من الجالية المسلمة التركية الأميركية، والتقى أبناء الجالية. وأوضح أن زيارة نيويورك تضمنت لقاءات مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى جانب مسؤولين من فيتنام وليبيا والكويت وكوسوفو ولبنان وجورجيا وقطر والسنغال والمملكة المتحدة واليابان وبولندا وبنغلاديش وأرمينيا والعراق وأوكرانيا. وناقشت اللقاءات القضايا الثنائية وسبل منع عدم الاستقرار والصراعات في محيط تركيا.

وفي ملف المناخ، ذكّر أردوغان بأن تركيا ستستضيف مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ «COP31» في أنطاليا بين 9 و20 نوفمبر، متوقعًا استقبال نحو 100 ألف مشارك من مختلف أنحاء العالم.

وقال إن تركيا ستعرض خلال المؤتمر خططها وتدابيرها لمواجهة آثار تغير المناخ في المناطق المختلفة، إلى جانب مشروعات «حركة صفر نفايات» التي أطلقتها عقيلته أمينة أردوغان، ولا سيما ما يتعلق بمنع هدر الغذاء.

وأضاف أن مؤتمر أنطاليا ليس مجرد اجتماع للمناخ، بل منصة تتيح للدول النامية عرض مطالبها وسماع أصواتها ومناقشة نتائج ملموسة. ودعا الدول المتقدمة إلى مساندة البلدان التي تواجه صعوبات في التمويل المناخي، مؤكدًا أن مكافحة تغير المناخ تحتاج إلى إجراءات لا إلى كلمات، لأن الحرائق والفيضانات والجفاف لا تعرف حدودًا بين الدول.

المصدر: Türkiye Gazetesi

زر الذهاب إلى الأعلى