OpenAI تستعد لكشف أكثر من 100 نتيجة رياضية.. وباحثون يخشون أن تقلب أعمالهم

تستعد OpenAI لنشر دفعة كبيرة من النتائج الرياضية التي تقول إن نموذجها غير المعلن حلّ أكثر من 100 مسألة مفتوحة، لكن هذه الخطوة بدأت تثير قلق علماء الرياضيات الذين يخشون أن تقلب النتائج أعمالًا بحثية استغرق إنجازها سنوات أو عقودًا.
وفي محاولة لترميم علاقتها المتوترة مع المجتمع الرياضي، شكلت الشركة مجموعة مستقلة من كبار علماء الرياضيات لتقديم المشورة بشأن مراجعة النتائج الجديدة ونشرها والتواصل حولها. غير أن مقابلات أجرتها The Verge مع عدد من الباحثين، بينهم عضو في المجموعة، كشفت عن ارتباك في طريقة تأسيسها والإعلان عنها، فضلًا عن أن مهمتها الأولى تتمثل في المساعدة على تنسيق نشر عشرات النتائج التي لم تكشف OpenAI تفاصيلها بعد.
مجموعة مستقلة وسط إعلان أربك الباحثين
في 21 سبتمبر، أعلن تسعة من أبرز علماء الرياضيات تأسيس «المجموعة الاستشارية للرياضيات والذكاء الاصطناعي» (AGMAI)، عبر تدوينة ضيف نشرها تيرنس تاو، أستاذ الرياضيات في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، وحائز ميدالية فيلدز، والذي انتقد سابقًا طريقة تعامل شركات الذكاء الاصطناعي مع الرياضيات.
قال الإعلان إن المجموعة ستعمل بصورة مستقلة عن OpenAI، وستقدم المشورة للشركة وغيرها من مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة بشأن «مراجعة النتائج الناشئة والتواصل حولها». وشددت OpenAI في إعلانها المنفصل مرارًا على استقلال المجموعة، موضحة أن أعضاءها سيكونون أحرارًا في تحدي الشركة علنًا، ونشر آرائهم، وتقديم إرشادات لم تطلبها منهم. كما أوضحت أن المجموعة «لن تكون مسؤولة عن تقديم المشورة بشأن كيفية ضبط وتيرة تقدمنا الداخلي في الرياضيات».
لكن معظم علماء الرياضيات، فضلًا عن الجمهور خارج هذا التخصص، تعرفوا إلى AGMAI من خلال الحملة الإعلامية الأوسع التي قادتها OpenAI. وأدى ذلك إلى التباس واسع حول ما إذا كانت المجموعة مستقلة فعلًا، أم أنها هيئة عينتها الشركة. ولم يكن هذا الانطباع بلا أساس؛ إذ يذكر موقع المجموعة أنها تأسست بعدما تواصلت OpenAI مع بعض أعضائها المستقبليين لبحث إنشاء مجلس استشاري، قبل أن يقرروا تأسيس كيان مستقل ودعوة علماء آخرين إلى الانضمام. ولا يزال من غير الواضح أيًّا من الأعضاء التسعة تواصلت معه الشركة في البداية.
وقال مارتن هايرر، عضو AGMAI وأستاذ الرياضيات في إمبريال كوليدج لندن والمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL)، إن المجموعة لا تتلقى أي دعم مالي أو تقني أو غيره من OpenAI. وأضاف أن أعضاءها لم يوقعوا اتفاقيات تقيد ما يمكنهم قوله أو فعله، باستثناء متطلبات السرية المعتادة التي تتيح لهم الاطلاع المسبق على الأبحاث.
ووصف هايرر الأيام السابقة بأنها كانت «محبطة للغاية» و«مكثفة»، مؤكدًا: «نحن لا نعمل لدى OpenAI، ولا نتقاضى أموالًا منها، ونحن مستقلون تمامًا». وقال إن المجموعة منفتحة بالقدر نفسه على التعاون مع مختبرات أخرى متقدمة في الذكاء الاصطناعي، وإنها بدأت بالفعل محادثات مع بعضها، لكنه رفض الكشف عن أسمائها.
عن The Verge، رأى هايرر أن صياغة إعلان OpenAI لم تساعد المجموعة الناشئة على ترسيخ استقلالها. وقال: «الطريقة التي صاغوا بها إعلانهم لم تكن مفيدة فعلًا». وأوضح أنه عند قراءة الإعلان بدقة «لا يوجد خطأ في ما يقولونه»، لأن الشركة كانت «حذرة» في اختيار كلماتها، مضيفًا بسخرية أن مسؤولي العلاقات العامة فيها «جيدون جدًا».
إرث من الإعلانات المرتبكة
اكتسبت هذه الحساسية أهمية خاصة بسبب الطريقة التي تعاملت بها OpenAI مع إنجازات رياضية سابقة. فقد تحول إعلانها المتعلق بمسألة نافير-ستوكس، وهي إحدى مسائل جائزة الألفية الرياضية، سريعًا إلى خلافات حول الأحقية بالإنجاز، وسبق نشر النتائج، وطريقة معاملة علماء الرياضيات.
ويرى هايرر أن من السذاجة الاعتقاد بأن شركات الذكاء الاصطناعي لن تحاول توظيف مشاركة المجموعة لتحسين صورتها. وتحتاج AGMAI إلى كسب ثقة علماء الرياضيات كي تساعدهم في التعامل مع علاقة تزداد توترًا مع شركات الذكاء الاصطناعي، لكن إعلان OpenAI الأول جعل هذه المهمة أصعب.
وتبدو المجموعة نفسها وكأنها تشكلت على عجل. فعندما سُئل هايرر عن خططها، ضحك وقال إن أعضاءها «بدأوا قبل يومين»، ولذلك «ليس الأمر وكأن لدينا خطة كبرى جاهزة».
وقد يرتبط هذا الاستعجال بامتلاك OpenAI مجموعة كبيرة من النتائج التي تبدو الشركة حريصة على نشرها في أقرب وقت. فمنذ إعلان حل مسألة نافير-ستوكس، تقول الشركة إن نموذجها الداخلي غير المعلن «حلّ الآن أكثر من 100 مسألة مفتوحة منذ فترة طويلة، عبر معظم فروع الرياضيات».
وتقول OpenAI إن الاستعانة بمجموعة من أفضل علماء الرياضيات في العالم تهدف إلى تجنب كارثة اتصالية جديدة، لكن الإعلان عن وجود هذا العدد من النتائج قبل الكشف عن مضمونها عزز، في نظر باحثين، الانطباع بأن الشركة لا تزال تتعامل مع الرياضيات من خارج تقاليدها الأكاديمية.
وقال ألفارو لوزانو-روبليدو، أستاذ الرياضيات في جامعة كونيتيكت، إن هذا الأسلوب «ليس الطريقة التي يتصرف بها أي أكاديمي». وأضاف أنه لا يذهب إلى الآخرين قائلًا: «لقد أثبتُّ كل هذه النتائج، لكنني لا أعرف ماذا أفعل بها».
وانتقد لوزانو-روبليدو أيضًا تصريحًا سابقًا قالت فيه لاورانس فوكونيه من OpenAI إن الشركة «حققت تقدمًا كبيرًا» في مسألة أخرى من مسائل جائزة الألفية. واعتبر أن عالم الرياضيات «إما أن يكون قد حل المسألة، أو لا يزال يحاول حلها»، وليس من المعتاد الإعلان عن تقدم غير محدد بهذه الطريقة.
عبء النتائج لا ينتهي بمجرد إنتاجها
يأمل لوزانو-روبليدو أن يكون انخراط OpenAI مع AGMAI محاولة جادة لمعالجة مخاوف علماء الرياضيات، لكنه شدد على أن ذلك يتطلب من الشركة أن تتصرف كعضو مسؤول في المجتمع البحثي، لا أن تلقي نتائجها في المجال العام ثم تنتقل إلى موضوع آخر.
ويشتكي باحثون تحدثوا إلى The Verge من أن بعض المخطوطات التي نشرتها OpenAI سيئة الصياغة، وأنها لا تتفاعل بما يكفي مع الأدبيات العلمية المرتبطة بالنتيجة. ويجعل ذلك من الصعب تقييم أهمية الاكتشاف، كما قد يؤدي إلى تجاهل أعمال الباحثين الذين سبقوا إليه أو ساهموا في الوصول إليه.
وفي بعض الحالات، غيّرت الشركة وثائقها بهدوء بعد نشرها لمعالجة أوجه قصور ظهرت في النتائج، من دون إعلان التعديلات أو ترك سجل واضح لما تغير. ولاحظت The Verge هذا الأمر عندما أعلنت OpenAI في أوائل أغسطس «عشرة تطورات في الرياضيات وعلوم الحاسوب النظرية». كما قال هايرر إن الشركة عدّلت بعض المخطوطات بصورة «متسللة» استجابة للانتقادات، واصفًا ذلك بأنه «بحث رديء» و«عمل غير متقن وفوضوي»، ومشيرًا إلى أن هذا السلوك «يجعل الناس مرتابين».
ويرى لوزانو-روبليدو أن سيل الحلول الرياضية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي يفرض «عبئًا» على المجتمع العلمي. فالمشكلة ليست في تقديم حل لمسألة فحسب؛ إذ إن قيمة الرياضيات تكمن غالبًا في الفهم الذي يرافق الحل. وفي الرياضيات البشرية، كان الحل والفهم يسيران تقليديًا جنبًا إلى جنب، بينما يبدو الذكاء الاصطناعي مستعدًا للفصل بينهما.
وقال إن شركات الذكاء الاصطناعي قد تنتج نتائج مثيرة للإعجاب، لكنها لا تزال تحتاج إلى علماء الرياضيات لتحديد أهمية النتيجة فعلًا، مضيفًا: «إنهم يحتاجون إلى خبرتنا، ويحتاجون إلينا للاحتفاء بذلك الحل».
باحثون يخشون أن تختفي أعمالهم بين ليلة وضحاها
يتجاوز القلق لدى بعض الباحثين مسألة جودة الأوراق العلمية أو نسب الفضل. فمنذ أسابيع، تلمّح OpenAI إلى مسألة أخرى من مسائل جائزة الألفية، وتقول إن لديها أكثر من 100 نتيجة لمسائل تبدو مهمة، من دون أن تكشف ماهية معظمها. وبعد الاضطراب الذي رافق إعلانات سابقة، ولا سيما إعلان نافير-ستوكس، خلقت هذه الضبابية أجواء متوترة في الأوساط الرياضية.
وقال لوزانو-روبليدو إن الشركة «تغذي جنون التكهنات» وتزيد خوف الباحثين من أن يكون مجالهم التالي الذي ستغيره فجأة. وأضاف أن عبارة OpenAI عن أنها «كادت تحل مسألة أخرى من مسائل جائزة الألفية» لا معنى لها في الرياضيات، متسائلًا عن المسألة التي تقصدها الشركة، ومؤكدًا أن هذا النوع من الاستعراض ليس الأسلوب المعتاد في البحث الرياضي.
أما كولفا روني-دوغال، أستاذة الرياضيات في جامعة سانت أندروز في اسكتلندا، فقالت إن انتظار إعلان النتائج يؤثر بالفعل في طريقة تفكيرها في عملها. وأضافت أن معرفة احتمال إعلان «عدد كبير» من النتائج قريبًا أمر «مؤلم إلى حد ما»، لأن زيادة عددها ترفع احتمال أن تصبح أبحاثها الجارية، أو أبحاث طلابها، غير ذات صلة بصورة مفاجئة.
وقالت روني-دوغال إنها وجدت نفسها أمام مفترق أكاديمي غير مألوف: هل تسارع إلى نشر أكبر عدد ممكن من الأوراق، أم تنتظر ما ستعلنه OpenAI، أم تواصل عملها بصورة طبيعية؟
ويدرك هايرر هذا النوع من القلق، ويقول إن احتمال إرباك مسار الباحثين كان أحد أسباب انضمامه إلى قائمة من حائزي ميدالية فيلدز يسعون إلى معالجة ما وصفوه بعدم التوافق «الشديد» بين أهداف شركات الذكاء الاصطناعي واحتياجات المجتمع الرياضي. كما يدرك أن OpenAI قد تستفيد إعلاميًا من مشاركة اسمه وأسماء أعضاء بارزين آخرين في AGMAI أمام الجمهور العام.
ومع ذلك، قال هايرر إن ما يهمه أساسًا هو حماية مجتمع الرياضيات ككل، وليس صورته الشخصية داخله: «لن يتمكنوا من إلحاق الضرر بي داخل المجتمع الرياضي. وبمعنى ما، لا أهتم كثيرًا بما يقولونه، لكن ما يقلقني هو المجتمع الرياضي بأسره».
المصدر: theverge