تحقيق صناديق الاستثمار في تركيا يطال 106 أشخاص وكيانات.. ومقترح لتعويض أصل المبلغ حتى مليون ليرة

تتسع تداعيات التحقيق في معاملات سوق رأس المال في تركيا، بعدما طُلب فرض تدابير على أصول 106 أشخاص وكيانات، بينهم 46 شخصًا اعتباريًا و18 صندوقًا و42 شخصًا طبيعيًا، على خلفية شبهات تتعلق برفع أسعار أسهم بصورة غير اعتيادية وتحويل أموال عبر الصناديق. وبالتوازي مع التحقيق، يجري بحث نموذج لتعويض المستثمرين المتضررين فعليًا، قد يعطي الأولوية لرؤوس الأموال التي تصل إلى مليون ليرة.
وتضمنت مذكرة الطلب تجميد أدوات سوق رأس المال التابعة للأطراف المعنية، ومنع التحويلات المالية الكبيرة والعمليات التي قد تؤدي إلى خفض قيمة الأصول. ولم يُحسم بعد اعتماد نموذج التعويض المقترح، فيما تتواصل الأعمال لتحديد كيفية استخدام الأموال داخل تركيا وخارجها، وما إذا كانت قد نُقلت إلى دولة أو دول أخرى.
تحقيق يتجاوز أرقام الصناديق
تناولت الكاتبة هاندي فرات ملف التحقيق في مقال نشرته بصحيفة «حرييت»، معتبرة أن القضية لا تختصر في عدد الصناديق أو المستثمرين المتأثرين، بل ترتبط بالثقة في المؤسسات والأسواق المالية. وأشارت إلى أن السؤال المطروح على المستثمرين هو: ماذا سيحدث لأموالهم؟ لكن السؤال الأوسع، بحسب طرحها، يتعلق بما إذا كانت الأزمات المالية تؤدي إلى خسارة المال فقط، أم تهز أيضًا الاعتقاد بأن القواعد نفسها تنطبق على الجميع.
فإن تدخل الدولة في القضية يعني أنها لم تقف موقف المتفرج، لكن التدخل بعد ظهور الأزمة لا يكفي وحده لقياس كفاءة السوق. وتطرح المتابعات أسئلة حول مدى قدرة النظام على رصد المخاطر قبل تفاقمها، ومتى ظهرت المؤشرات الأولى، ومن كان يملك المعلومات وفي أي وقت، وما إذا كان جميع المشاركين في السوق قد حصلوا على المعلومات نفسها في التوقيت ذاته.
وتتعلق القضية بـ131 صندوقًا يضم 455 ألفًا و758 مستثمرًا. وترى الكاتبة أن هذا العدد لا يمثل فئة مالية واحدة؛ فهو يشمل من يحاول حماية مدخراته من التضخم، ومن يدخر للتقاعد، ومن يستثمر بضعة آلاف من الليرات، إلى جانب أصحاب المراكز الاستثمارية التي تبلغ قيمتها ملايين الليرات.
الفارق بين رأس المال والوصول إلى المعلومات
لا تكمن المشكلة، وفق التحليل المنشور، في أن يمتلك بعض المستثمرين أموالًا أكثر من غيرهم أو أن يبرموا استثمارات أكبر. فوظيفة أسواق رأس المال هي جمع المدخرات وتوجيهها إلى الاستثمار، كما أن الثراء أو الاستثمار بمبالغ ضخمة ليس جريمة في حد ذاته.
لكن المسألة تتغير عندما لا يعود الفارق بين المستثمرين مقتصرًا على حجم رأس المال، بل يمتد إلى القدرة على الوصول إلى المعلومات. فالقيمة الأهم في الأسواق المالية ليست المال وحده، بل المعلومة؛ إذ قد يشتري شخصان السهم نفسه في الدقيقة ذاتها، بينما يمتلك أحدهما معلومة مؤثرة لا يعرفها الآخر. وعندها، ورغم وجودهما نظريًا في السوق نفسها، فإنهما لا يلعبان وفق القواعد ذاتها.
ولهذا السبب تحظى قضية «التداول بناءً على معلومات داخلية» بأهمية كبيرة في أسواق رأس المال المتقدمة. غير أن الجانب المطروح لا يقتصر على القانون، إذ يرتبط أيضًا بالمعايير الأخلاقية. فالعامل الذي يضع جزءًا صغيرًا من مدخراته في صندوق، والمتقاعد الذي يحاول حماية أمواله من تآكل قيمتها، والمستثمر القادر على تداول مئات الملايين، لا يُفترض أن تتساوى ثرواتهم أو أرباحهم، لكن ينبغي أن يتساووا في قاعدة أساسية: أن تكون قواعد اللعبة واحدة.
التضخم يدفع مدخرين جددًا إلى الاستثمار
وتكتسب القضية أهمية اجتماعية أكبر في ظل الظروف الاقتصادية التركية. ووفق أحدث بيانات معهد الإحصاء التركي، بلغ التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في أغسطس/آب 2026 نحو 31.51%، فيما ارتفعت أسعار الغذاء سنويًا بنسبة 33.79%، وزادت تكاليف السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود وغيرها بنسبة 39.77%.
وتعني هذه الأرقام أن كثيرًا من الأتراك لا يدخلون الأسواق بحثًا عن أرباح إضافية فحسب، بل يشعرون بأنهم مضطرون إلى الاستثمار للحفاظ على قيمة أموالهم. فالأشخاص الذين لم يكونوا يهتمون سابقًا بالأسواق المالية باتوا يتابعون الودائع والذهب والبورصة والصناديق، لأن القوة الشرائية لمدخراتهم تتراجع. ومن ثم، لم تعد ثقة صغار المستثمرين مسألة فنية تخص سوق رأس المال وحدها، بل أصبحت قضية اجتماعية.
أردوغان يطالب بكشف المسؤوليات
وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريحات تناولت الملف: «كل من يمد يده إلى حق الشعب وقانونه وماله وممتلكاته سيجدنا أمامه، وستجد الدولة أمامه. نحن نودّع من يخطئ ومن يستسلم لنزواته، ونواصل طريقنا بقوة أكبر».
ووفق ما أوردته هاندي فرات، فقد طرح أردوغان منذ بداية الأزمة سؤالًا مباشرًا حول سبب عدم رصد الوضع بكل أبعاده في وقت مبكر. كما ذكرت أن اجتماعًا عُقد قبل يوم من نشر تلك المعلومات شهد توجيه طلب بالكشف سريعًا عن الأشخاص الذين خرجوا من السوق قبل تفاقم الأزمة وإطلاع الرئيس على النتائج.
وتشير المعلومات الواردة في المقال إلى أن القانون سيُطبّق على السياسي أو البيروقراطي، بصرف النظر عن الحزب الذي ينتمي إليه أو موقعه وعلاقاته. كما يُنتظر فحص الأشخاص الذين خرجوا من السوق خلال الشهر الأخير. وتصف المعلومات موقف أردوغان بأنه حازم وغاضب في التعامل مع الملف.
مقترح تعويض يبدأ بأصل المبلغ
بدأ التحرك من أجل دفع أصول أموال الأشخاص المتضررين فعليًا من أزمة الصناديق. ويجري حاليًا بحث نموذج يركز على أصل المبلغ المستثمر، لا على الأرباح المحتملة أو العوائد.
وبموجب المقترح قيد الدراسة، يمكن إعطاء الأولوية لدفع رؤوس الأموال التي لا تتجاوز مليون ليرة. وإذا تجاوز أصل المبلغ مليون ليرة، فقد يُدفع في المرحلة الأولى الجزء البالغ مليون ليرة، على أن تُبحث المدفوعات الأخرى لاحقًا وفق المبلغ الذي سيتجمع في الصندوق المخصص لذلك. ومع ذلك، لم تُحسم الصيغة النهائية لهذا النموذج حتى الآن، ولذلك لا يُعد حد المليون ليرة قرارًا نهائيًا أو ضمانًا معلنًا بالدفع.
وتشمل الأعمال الجارية أيضًا تتبع الأموال داخل البلاد وخارجها، وتحديد ما جرى شراؤه بها والدولة أو الدول التي ربما نُقلت إليها. وخلال الاجتماع الذي شدد على أن الاقتصاد يمثل مسألة أمن قومي، نوقشت كذلك إجراءات تستهدف تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب.
غياب الخطر النظامي لا يلغي الخطر المؤسسي
ويؤكد الطرح المنشور أن وجود مشكلات في 131 صندوقًا تضم 455 ألفًا و758 مستثمرًا لا يعني تلقائيًا انهيار النظام المالي التركي بأكمله. فالتأكيد الأساسي الصادر عن الإدارة الاقتصادية والحكومة هو أن المشكلة بقيت ضمن جزء محدد من سوق رأس المال، وأنها لا تمثل خطرًا نظاميًا على القطاع المالي.
لكن عدم وجود خطر نظامي لا يعني غياب الخطر الأخلاقي والمؤسسي. فالسؤال الذي يطارد المستثمرين هو: هل كان هناك من عرف قبلهم؟ وقد يكون من الصعب تحويل هذا السؤال إلى نموذج اقتصادي، لكن كلفة فقدان الثقة الناتجة عنه قد تكون كبيرة.
وترى الكاتبة أن إعلان عدد المستثمرين، ووضع آلية للتصفية، ومواصلة التحقيقات خطوات مهمة، لكن الشفافية ستصبح أكثر أهمية في المرحلة المقبلة. فإزالة علامات الاستفهام لا تتحقق بتقليل الكلام، بل بإتاحة مزيد من البيانات أمام الجمهور ضمن ما تسمح به التحقيقات والقواعد القانونية.
وتبقى في القضية زاوية أخلاقية إلى جانب المسار الجنائي. فالقانون يحدد ما يشكل جريمة، لكن بعض التصرفات قد لا تكون جريمة وتظل بحاجة إلى تفسير عندما تتعلق بالوظيفة العامة. وقد تكون معاملة ما قانونية بالكامل، لكنها تثير تساؤلات بسبب توقيتها. لذلك يختلف سؤال «هل وقعت جريمة؟» عن سؤال «ما مقدار الشفافية المطلوب لحماية ثقة المجتمع؟»؛ الأول يخص النيابة والقضاء، والثاني يقع أيضًا ضمن مسؤولية السياسيين والمؤسسات العامة.
المصدر: CNN Türk