أردوغان: نحل مشكلة سوق الصناديق في تركيا سريعًا دون إهدار حقوق أحد

تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحل المشكلة التي ظهرت في جزء من سوق صناديق الاستثمار سريعًا، مؤكدًا التزام السلطات بقواعد أسواق رأس المال وحماية حقوق جميع الأطراف. جاء ذلك خلال كلمته في افتتاح السنة التشريعية الخامسة من الدورة البرلمانية الثامنة والعشرين، في البرلمان التركي بأنقرة.
وقال أردوغان إن التعامل مع الملف يجري بما يراعي العدالة والإنصاف، مضيفًا: «نحل هذه المسألة بسرعة من دون أن نسمح بأن يأكل أحد حق أحد». وحذر من تحول القضية إلى تهديد للأمن الاقتصادي والسلم الاجتماعي في تركيا.
أردوغان يستذكر تاريخ البرلمان التركي
استهل أردوغان خطابه بتوجيه التحية إلى أعضاء البرلمان والمواطنين في مناطق تركيا السبع وولاياتها الـ81 وأقضيتها الـ922، متمنيًا أن تكون السنة التشريعية الجديدة في خدمة البلاد والشعب والبرلمان والديمقراطية والإنسانية. كما وجه تحية إلى المواطنين الأتراك المقيمين خارج البلاد.
واستذكر الرئيس التركي تأسيس البرلمان قبل 106 أعوام، مشيرًا إلى أن 115 عضوًا أعلنوا من أنقرة إرادة الشعب واستقلاله عقب صلاة الجمعة في مسجد حاجي بيرم ولي. وترحم على النواب الذين خدموا البلاد تحت قبة البرلمان ثم توفوا، وعلى علي شكري بك الذي قُتل في اغتيال، وكذلك عدنان مندريس وحسن بولاتكان وفاتين رشدي زورلو، الذين أُعدموا بعد إدانتهم بتهم سياسية.
وأكد أردوغان أن البرلمان التركي هو المجلس النيابي الوحيد في العالم الذي نال لقب «غازي» مرتين، موضحًا أنه قاد حرب الاستقلال ضد القوى الساعية إلى فرض القيود والاحتلال على البلاد. وأضاف أن البرلمان واصل عمله حتى عندما كانت أصوات المدافع تُسمع من مسافة 80 كيلومترًا، وأن محاضر جلساته بين عامي 1920 و1923 توثق كيف أُعيد بناء الوطن للمرة الثانية.
وقال إن البرلمان التركي، الذي قاد معركة الاستقلال، تحول إلى نموذج للشعوب التي كانت تبحث عن طريق للخروج من قبضة الاحتلال والإمبراطوريات. واستعاد مضمون كلمة مصطفى كمال أتاتورك خلال افتتاح السنة التشريعية الثانية عام 1921، حين دعا إلى تذكر الصعوبات التي واجهتها البلاد، وأكد أن أيام اليأس باتت خلفها وأن البرلمان جمع الشعب تحت راية الاستقلال.
وأشار أردوغان إلى أن البرلمان «الغازي» اجتاز أيضًا اختبار ليلة 15 يوليو/تموز، عندما تعرض للقصف بينما دافع النواب عن إرادة الشعب، بالتزامن مع مقاومة المواطنين لمحاولة الانقلاب في الميادين والشوارع والمطارات. ووجه الشكر إلى النواب الذين وقفوا لحماية الأمانة الشعبية، داعيًا إلى ألا يُجبر البرلمان مرة أخرى على خوض اختبار مماثل.
إشادة بدورة برلمانية استمرت أكثر من عشرة أشهر
ذكر أردوغان أن الدورة التشريعية الرابعة، التي بدأت في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2025 واستمرت حتى 10 أغسطس/آب 2026، شهدت عملًا مكثفًا داخل الجلسات العامة واللجان، مع مناقشة قوانين وملفات وصفها بالحيوية لمستقبل البلاد والشعب والمنطقة.
وأشاد بالممارسة البرلمانية التي قال إنها جرت في أجواء من النضج الديمقراطي، وبالدبلوماسية البرلمانية التي نُفذت خلال الاجتماعات الدولية التي استضافتها تركيا والزيارات الخارجية. كما شكر النواب من مختلف الأحزاب، ورئيس البرلمان نعمان قورتولموش وأعضاء هيئة الرئاسة، إلى جانب الإداريين والموظفين الذين عملوا طوال 10 أشهر و10 أيام.
ودعا إلى أن تكون السنة التشريعية الجديدة ساحة لطرح الآراء والانتقادات والمقترحات بحرية، مع الالتزام بالاحترام واللباقة، وأن تُدار المناقشات بروح تركز على الحلول والهدوء. وشدد على أن حزب العدالة والتنمية، بوصفه الحزب الحاكم، وتحالف الجمهور سيواصلان التحرك بصورة بناءة والاستماع إلى الأفكار والمقترحات المختلفة، مؤكدًا أن مكانة البرلمان التركي يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.
أردوغان يستعرض أرقام الاقتصاد وإعادة الإعمار
قال أردوغان إن المسؤولية الأولى للسياسيين هي خدمة الشعب الذي ائتمنهم، وحل مشكلاته وفتح آفاق جديدة أمام البلاد. وأضاف أن الحكومات التي يقودها، والتي ستكمل عامها الرابع والعشرين بعد شهر، عملت بصورة مستقرة وحازمة في مجالات الاقتصاد والديمقراطية والسياسة الداخلية والخارجية والتعليم والصحة والعدالة والأمن والنقل والتخطيط العمراني والطاقة والزراعة.
وفي ملف الزلزال، قال إن تركيا تواصل إعادة بناء الولايات الـ11 التي تضررت من زلازل 6 فبراير/شباط، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات ونصف على الكارثة واستمرار ألم فقدان الضحايا. وأعلن تسليم 455,357 مسكنًا ومحلًا تجاريًا إلى المستحقين، مؤكدًا أن الإنفاق على إحياء مناطق الزلزال بلغ، بالأسعار الجارية، 5.4 تريليون ليرة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، قال أردوغان إن تركيا حافظت على مسار النمو والتنمية رغم الحروب والأزمات المتتالية في المنطقة، مضيفًا أن بلاده لم تسمح بإصابة أي مواطن بأذى رغم الفترة التي شهدت تحليق الصواريخ. ووفق الأرقام التي عرضها، نما الاقتصاد التركي بنسبة 2.5% على أساس سنوي خلال النصف الأول من عام 2026، وتجاوز الدخل القومي السنوي 1.7 تريليون دولار.
وأضاف أن الصادرات سجلت في أغسطس/آب الماضي رقمًا قياسيًا عند 280.3 مليار دولار على أساس سنوي، بينما تعافى القطاع الزراعي سريعًا بعد الصقيع والجفاف اللذين شهدهما العام الماضي. كما حافظ قطاع السياحة على أدائه القوي رغم الصراعات المحيطة بتركيا، وبلغت عائداته 25.7 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام.
وفي الصناعات الدفاعية، قال الرئيس التركي إن بلاده عززت قطاعها بمنتجات جديدة، وتحولت في الوقت نفسه إلى دولة تصدر منتجات الدفاع إلى الأسواق العالمية. وارتفعت صادرات الصناعات الدفاعية والطيران بنسبة 16.2% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، لتصل إلى 6.3 مليارات دولار.
وأشار إلى أن تركيا تتمتع بوضع مستدام في ميزانها الخارجي، متوقعًا أن تبقى نسبة عجز الحساب الجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي عند 2.6% هذا العام. واعتبر أن الحفاظ على هذه النسبة في عام ارتفعت فيه فاتورة الطاقة يعكس قدرة الاقتصاد على الصمود. كما قال إن الحكومة لم تنحرف عن الانضباط المالي، وتستهدف إبقاء عجز الموازنة عند 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي وتحقيق فائض أولي.
ربط أردوغان بين معالجة ملف صناديق الاستثمار والحفاظ على الثقة الاقتصادية والسلم الاجتماعي، مؤكدًا أن بلاده ستواصل العمل والإنتاج وتطوير حلول للمشكلات حتى تصل إلى المستوى الذي تستحقه.
تحذير من الاستقطاب السياسي
خصص أردوغان جزءًا من خطابه لما وصفه بالاستقطاب المصطنع، معتبرًا أنه من أبرز الملفات التي يجب على السياسة أن تعالجها لأنه يسبب «نزيفًا داخليًا» في المجتمع. وقال إن اختلاف المواطنين في القيم والمعتقدات والتوقعات أمر طبيعي، وإن تنوع المجتمع واختلافاته يمثلان مصدر قوة، لا سببًا للانقسام.
وأكد أن الدولة والعلم والقيم المشتركة والوطن الذي يعيش فيه الجميع حولت هذه المكونات المختلفة، عبر التاريخ، إلى أمة واحدة. وحذر من استخدام التباينات الاجتماعية أداة للتقسيم، موضحًا أن المنافسة بين الأحزاب طبيعية، لكن تحويلها إلى استقطاب يقود إلى الصراع يتعارض مع وظيفة السياسة.
وقال إن التطورات في دول المنطقة تظهر كيف يمكن استغلال خطوط الانقسام المحلية عبر تدخلات سياسية وهندسة اجتماعية لتحويلها إلى نقاط ضعف داخلية. واتهم ما وصفه بالتحالف الإمبريالي والصهيوني بالوقوف في مركز إدارة هذا المسار.
وأشار إلى أن الأتراك والأكراد، والسنة والعلويين، والمسلمين وغير المسلمين، عاشوا على مدى قرون ضمن أرضية مشتركة من السلام والتضامن، محذرًا من تحويل هذه الاختلافات إلى صراع أو استقطاب، لأن ذلك يعني، حسب تعبيره، الإخلال بـ«إعدادات تركيا الأساسية» ولا يخدم سوى خصوم البلاد.
واستعاد أردوغان مراحل قال إن الشوارع شهدت خلالها اضطرابات، وتحوّل الشباب إلى خصوم، وزُرعت الكراهية بين الجيران، ما أدى إلى إضعاف الاستقرار السياسي والاجتماعي وتراجع الاقتصاد والتنمية. وأضاف أن تركيا وشعبها لم يعد لديهما استعداد لتحمل خسائر جديدة، وأن لا أحد يملك الحق في إلحاق الخسارة بالبلاد أو مواطنيها.
وختم بالتأكيد أن زمن السياسة القائمة فقط على معارضة الحكومة، وما سماه «سياسة الجبهات»، قد انتهى، داعيًا ممثلي الشعب إلى تحمل مسؤوليتهم في معالجة المشكلات بدل تعميق الانقسامات.
المصدر: Milliyet