مشغل MP3 يعود من بوابة مختلفة: استماع بلا إشعارات وأجهزة تتجاوز 3 آلاف دولار

بعد أن أزاح الهاتف الذكي مشغلات الموسيقى المحمولة عن المشهد، بدأ مشغل MP3 يعود بصورة مختلفة: ليس كمنتج جماهيري ينافس الهاتف، بل كخيار لمحبي الاستماع دون إشعارات أو خوارزميات البث، وبأسعار تتجاوز 3 آلاف دولار لبعض الأجهزة الحديثة.
بدأت الموسيقى الرقمية المحمولة فعليًا عام 1998، بعدما كان المستمعون يحملون أقراصًا مدمجة أو أشرطة كاسيت في الحافلات والحقائب. ومع انتشار مشغلات MP3 خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبح بالإمكان حمل مكتبة تضم أكثر من 1,000 ألبوم، بحسب سعة الجهاز وصيغة الملفات.
البداية بأجهزة لا تتسع إلا لـ12 أغنية
يُعد جهاز MPMan F10 أول مشغل MP3 تجاري. ظهر في آسيا في مارس/آذار 1998، وكان بحجم رزمة من أوراق اللعب تقريبًا ويشبه جهاز النداء الآلي، لكنه لم يلفت انتباهًا كبيرًا.
وجاء الاختراق في الأسواق الغربية مع جهاز Diamond Rio PMP300 في سبتمبر/أيلول من العام نفسه. كان أكبر قليلًا، وتصميمه أقرب إلى الصورة التي ترسخت لاحقًا عن مشغل الوسائط، لكنه حظي باهتمام إضافي بسبب دعوى رفعتها رابطة صناعة التسجيلات الأمريكية ضد شركة Diamond Multimedia، في محاولة لوقف انتشار ملفات MP3.
كان الجهازان بدائيين وفق معايير اليوم؛ إذ لم تتجاوز سعة التخزين المدمجة في كل منهما 32 ميغابايت، وهي سعة كانت تكفي لنحو 12 أغنية فقط. كما أن سعتهما كانت أقل من القرص المدمج، وجودة الصوت غالبًا أدنى منه، بينما مثلت شاشات LCD الصغيرة أحادية اللون وواجهاتها المحدودة مشكلة أكبر من التخزين نفسه. ومع ذلك، كان بالإمكان زيادة السعة باستخدام بطاقات SmartMedia.
حاولت شركات أخرى حل مشكلة التخزين عبر استخدام الأقراص الصلبة الدوارة بدلًا من ذاكرة الفلاش المحدودة آنذاك. ومن أمثلة ذلك جهاز Creative Nomad Jukebox المزود بقرص سعته 6 غيغابايت، وتصميم يحاكي مشغلات الأقراص المحمولة. لكنه كان أكثر ضخامة من منافسيه، وبلغ وزنه 14 أونصة، ولم ينجح في جعل مشغلات MP3 منتجًا جماهيريًا.
آيبود يرفع السوق ثم يتركه للهاتف
لم تبدأ الحقبة الذهبية لمشغلات الموسيقى المحمولة إلا مع إطلاق آيبود في نوفمبر/تشرين الثاني 2001. وبحلول عام 2007، كان نحو 20% من الأمريكيين يمتلكون مشغل وسائط شخصيًا، فيما استحوذ آيبود على أكثر من 70% من مبيعات هذا السوق، رغم محاولات مايكروسوفت وشركة Creative المنافسة عبر سلسلتي Zune وZen على التوالي.
أصبح آيبود حاضرًا في تفاصيل الحياة الثقافية خلال العقد الأول من الألفية؛ فقد جربت فرق مثل Radiohead وNine Inch Nails إصدار أعمال رقمية بنظام «ادفع ما تشاء»، فيما ساعدت منصة Napster على نشر مصطلحي «مشاركة الملفات» و«الند للند». كما انتشرت إعلانات آبل التي تظهر أشخاصًا بظلال سوداء وسماعات أذن بيضاء.
لكن صعود الهاتف الذكي أنهى تلك الهيمنة سريعًا. ففي عام 2011 تجاوزت مبيعات آيفون مبيعات آيبود للمرة الأولى، بالتزامن مع استبدال الهواتف الذكية بالهواتف القابلة للطي وأجهزة بلاك بيري، وانتقال الاستماع من شراء الأقراص والتنزيلات الرقمية إلى خدمات البث.
وبحسب شركة الأبحاث Mintel، بلغ سوق مشغلات الوسائط المحمولة ذروته عند 21.6 مليار دولار في 2008، قبل أن يهبط إلى 613 مليون دولار فقط في 2012. وأوقفت آبل طراز آيبود كلاسيك في 2014، ثم أوقفت Nano وShuffle في 2017، إلى أن أنهت خط آيبود بالكامل عام 2022، بعدما بقي آيبود تاتش آخر أفراده، وهو جهاز يشبه آيفون من دون وظيفة الاتصال الهاتفي.
عودة صغيرة يقودها محبو الصوت والحنين
لا توجد أرقام موثوقة متفق عليها لحجم سوق مشغلات الصوت الرقمية حاليًا؛ فبعض شركات الأبحاث تجمع أجهزة الصوت والفيديو، سواء كانت مخصصة للبث أو التشغيل دون اتصال، في فئة واحدة. أما الشركات التي تفصل مشغلات الصوت فتقدم تقديرات متباينة؛ إذ تضع بعضها السوق عند أكثر من 180 مليون دولار وفي نمو، بينما تقدره أخرى بنحو 1.2 مليون دولار وتقول إنه يتقلص. لكن هذه الأجهزة أصبحت سوقًا متخصصة جدًا.
وخلال معظم السنوات العشر الماضية، ارتبطت المشغلات المستقلة أساسًا بعشاق الصوتيات. وتبيع شركات مثل Sony وAstell & Kern أجهزة متقدمة يتجاوز سعر بعضها 3,000 دولار، في حين يقترب جهاز Sony NW-A306 من فئة المستهلكين بسعر 399.99 دولار.
ولا تقتصر هذه الأجهزة على ارتفاع السعر؛ فهي أكثر تعقيدًا من آيبود القديم، وتضم اتصال Wi-Fi وBluetooth وشاشات لمس كبيرة ومحولات صوت رقمية متقدمة، كما يعمل كثير منها بنظام أندرويد ويدعم تطبيقات مثل Spotify وQobuz. وتتبنى سوني نموذج آيبود تاتش بالكامل تقريبًا، إذ تمنح مشغلاتها وصولًا كاملًا إلى متجر Google Play.
لكن الأسعار المرتفعة والاعتماد على التطبيقات دفعا بعض المستخدمين إلى الاتجاه المعاكس: أجهزة قديمة توفر استماعًا دون اتصال، ومن دون إشعارات أو خوارزميات اقتراح. ولا تزال أجهزة آيبود المستعملة العاملة تُباع بمئات الدولارات على موقع eBay، فيما نشأت صناعة صغيرة لتحديثها، تشمل إضافة Bluetooth وUSB-C، واستبدال البطاريات والأقراص الصلبة التالفة، وتعديل الشكل الخارجي.
ومع تراجع عدد أجهزة آيبود القابلة للاستخدام، بدأت البطاريات تفقد قدرتها على الاحتفاظ بالشحن، فيما تتعطل الأقراص الدوارة مع مرور الوقت. ولأن كثيرًا من المستخدمين لا يرغبون في فتح أجهزة إلكترونية دقيقة أو استخدام أدوات اللحام، ارتفعت أسعار بعض مشغلات الوسائط الأخرى أيضًا. ويقوم المعدّلون حاليًا بتركيب أقراص جديدة داخل أجهزة Zune وبيعها بمئات الدولارات على eBay.
وتشير عمليات البحث عن عبارة «مشغل MP3» إلى أنها اقتربت من ثلاثة أضعاف مستواها في العام الماضي، بينما نشرت صحيفة The New York Times تقارير عن عودة الاهتمام بآيبود وبوسائط قديمة لدى الأجيال الأصغر. واستغلت شركات ومشروعات ناشئة هذا الاتجاه، فغمرت شركات صينية مواقع AliExpress وTemu وAmazon بمشغلات رخيصة ونسخ تقلد تصميم آيبود بوضوح.
وتكشف حملات تمويل جماعي ناجحة، مثل حملة AP30 Music Boy، عن طلب مكبوت على مشغلات موسيقى محمولة بطابع قديم، لكن معظم المنتجات المتاحة لا تقدم تغييرًا كبيرًا في التصميم أو سهولة الاستخدام.
محاولة لبناء وريث جديد لآيبود
يحاول مشروع Sleevenote، الذي أسسه الموسيقي Tom Vek، تقديم تصور مختلف. فالجهاز يدعم مزامنة الملفات عبر Wi-Fi وسماعات Bluetooth، لكنه يتخلى عن البث والتطبيقات والألعاب. وبدلًا من القوائم النصية الطويلة بأسماء الفنانين، يعرض شبكة من أغلفة الألبومات، في محاولة لإعادة تجربة تصفح كتيب القرص المدمج.
كما يتكامل الجهاز بدرجات محدودة مع متاجر موسيقى رقمية عدة، بينها Bandcamp وSubvert وBleep وQobuz وAmazon Music وغيرها. ويقدم المشروع فكرة جديدة نسبيًا لمشغل محمول، إلا أن نسخة Day One الضخمة ما زالت تعاني مشكلات، أبرزها عمر البطارية المخيب. وكانت النسخة غير متاحة للبيع وقت إعداد التقرير، فيما لم تكن الشركة تعرف موعد طرح الدفعة التالية.
فإن الاهتمام المتجدد لا يرتبط بالحنين وحده؛ فالمزاج المناهض للبث واتجاه «التقنية البطيئة» يدفعان بعض المستخدمين إلى البحث عن أجهزة أكثر هدوءًا واستقلالًا، رغم عدم ظهور وريث واضح لآيبود حتى الآن.
ومن غير المرجح أن تعود مشغلات MP3 بالحجم الذي بلغته أسطوانات الفينيل أو حتى الأقراص المدمجة. فآيبود قد يتفوق على أسطوانة محدودة الإصدار في سهولة الحمل، لكنه لا يملك عامل الاقتناء الذي ساعد الوسائط المادية على استعادة شعبيتها. وحتى مع شراء أفراد من الجيلين Z والألفية للأقراص المدمجة بأعداد كبيرة، فإن نصفهم لا يمتلك مشغل أقراص مدمجة.
من أغنية «Tom’s Diner» إلى معيار MP3
تُوصف المغنية Suzanne Vega أحيانًا بأنها «أم MP3»، بعدما استخدم الباحث Karlheinz Brandenburg في جمعية فراونهوفر الألمانية أغنيتها «Tom’s Diner» معيارًا لاختبار تقنيات ضغط الصوت، بسبب صوتها «الدافئ والإنساني» الذي مثل تحديًا للترميز. وفي مختبرات بيل، اختار James Johnston الأغنية نفسها أثناء عمله على ضغط الصوت. وأسهم عمل الباحثين في تطوير معيار MPEG-1 Audio Layer III المعروف باسم MP3.
ويُنسب إلى Kane Kramer اختراع أول مشغل صوت رقمي عام 1979، كما حصل على براءة اختراع له في بريطانيا عام 1985 والولايات المتحدة عام 1987. وتضمنت فكرته خصائص ظهرت لاحقًا في آيبود وآي تيونز، بينها متجر موسيقى عبر الإنترنت. وكان بول مكارتني من أوائل الداعمين ماليًا للمشروع، لكن جهاز IXI لم يصل إلى إصدار تجاري، وانتهت براءات الاختراع عام 1988.
ومنحت آبل كرامر لاحقًا اعترافًا باختراعه، لكن ذلك جاء أساسًا ضمن مناورة قانونية لتقويض دعوى رفعتها شركة Burst.com ضد آبل بتهمة انتهاك براءات اختراع. كما وثق Brandon Shaw، مقدم قناة Digging the Greats على يوتيوب، تجربته بعد التخلي عن البث والعودة إلى آيبود قبل عامين، في سلسلة من المقاطع.
وتشير هذه التجارب إلى أن مشغل MP3 لم يعد مرشحًا لاستعادة موقعه كبديل للهاتف الذكي، لكنه تحول إلى منتج يجمع بين الخصوصية الرقمية والحنين والتجربة المتخصصة؛ وهي عوامل قد تبقيه حاضرًا، ولو في سوق صغيرة، بعد أن أسهم آيبود في صعوده ثم تراجع حضوره تقريبًا.
المصدر: theverge