التصنيفات: منوعات

مفاجأة تاريخية: كيف أدّت قطعة شوكولاتة ذائبة في جيب مهندس رادار إلى اختراع الميكروويف؟

قصة اكتشاف الميكروويف.. قطعة شوكولاتة ذائبة قادت إلى اختراع غيّر المطابخ

يستخدم ملايين الأشخاص أفران الميكروويف يومياً لتسخين الطعام أو طهيه خلال دقائق، لكن قصة ظهور هذا الجهاز الشائع بدأت بملاحظة عابرة داخل مختبر يعمل على تطوير تقنيات الرادار. ففي عام 1945، لاحظ المهندس الأمريكي بيرسي سبنسر أن قطعة حلوى كانت في جيبه قد ذابت أثناء وجوده بالقرب من جهاز ينتج موجات دقيقة.

لم يتعامل سبنسر مع الواقعة على أنها مصادفة عادية، بل حاول فهم سبب ذوبان الحلوى رغم عدم وجود مصدر حرارة تقليدي بالقرب منه. وأظهرت تجاربه اللاحقة أن الموجات الدقيقة الصادرة عن جهاز يُعرف باسم «المغنطرون» قادرة على تسخين بعض الأطعمة، وهي الملاحظة التي مهدت الطريق أمام اختراع أول فرن ميكروويف.

كيف بدأت القصة داخل مختبر الرادار؟

كان بيرسي سبنسر يعمل لدى شركة «رايثيون» الأمريكية، التي شاركت خلال الحرب العالمية الثانية في تطوير تقنيات الرادار. ويُعد المغنطرون أحد المكونات الأساسية في أنظمة الرادار، إذ ينتج موجات كهرومغناطيسية عالية التردد تساعد الأجهزة على رصد الطائرات والسفن والأجسام البعيدة.

وخلال وجوده بالقرب من أحد هذه الأجهزة، شعر سبنسر بأن شيئاً غير معتاد حدث داخل جيبه. وعندما تفقده، وجد أن قطعة الحلوى التي يحملها بدأت تذوب. وتختلف بعض الروايات في وصف نوع الحلوى بدقة، إلا أن المصادر العلمية التركية والأمريكية تتفق على أن هذه الملاحظة كانت الشرارة الأولى التي قادته إلى دراسة تأثير الموجات الدقيقة على الطعام.

بدلاً من الاكتفاء بالملاحظة، بدأ سبنسر بإجراء تجارب أكثر تنظيماً. وضع حبات الذرة بالقرب من مصدر الموجات، فلاحظ تحولها إلى فشار، ثم اختبر أطعمة أخرى ليتأكد من أن التأثير لم يكن مقتصراً على الحلوى. وبذلك أدرك أن الطاقة الناتجة عن الموجات الدقيقة يمكن استخدامها في تسخين الطعام وطهيه.

من التجارب إلى أول فرن ميكروويف

بعد نجاح التجارب الأولية، عمل سبنسر وفريقه على حصر الموجات داخل صندوق معدني، بهدف توجيه الطاقة نحو الطعام بدلاً من انتشارها في المكان. وكانت هذه الفكرة أساس التصميم الأولي للفرن الذي يعمل بالموجات الدقيقة.

قدمت شركة «رايثيون» طلب براءة اختراع لتقنية طهي الطعام بالموجات الدقيقة في 8 أكتوبر/تشرين الأول 1945، قبل أن تُمنح البراءة رسمياً في 24 يناير/كانون الثاني 1950. ولم يكن الجهاز الأول قريباً من شكل الأفران المنزلية الصغيرة المعروفة اليوم، بل كان ضخماً وثقيلاً ويحتاج إلى تجهيزات خاصة للتشغيل.

أطلقت «رايثيون» على أول نموذج تجاري اسم «رادارانج»، وبدأ تسويقه عام 1947. وكان ارتفاعه يقارب 1.8 متر، فيما تجاوز وزنه 300 كيلوغرام، الأمر الذي جعله مناسباً في البداية للمطاعم والمستشفيات والمطابخ الكبيرة، وليس للاستخدام المنزلي المعتاد.

لماذا احتاج الميكروويف عقوداً للوصول إلى المنازل؟

رغم أن فكرة الطهي بالموجات الدقيقة ظهرت في أربعينيات القرن الماضي، فإن انتشارها داخل المنازل لم يحدث سريعاً. فقد كانت النماذج الأولى باهظة الثمن وكبيرة الحجم، كما احتاجت إلى أنظمة تبريد وتجهيزات كهربائية لم تكن متوفرة بسهولة في المطابخ العادية.

ومع تطور التكنولوجيا وتحسن تصميم المغنطرون وانخفاض تكاليف التصنيع، بدأت الشركات في إنتاج نماذج أصغر وأكثر ملاءمة للاستخدام اليومي. وبحلول الستينيات، ظهرت أفران بأحجام أقرب إلى احتياجات المنازل، ثم اتسع انتشارها تدريجياً مع ازدياد الاعتماد على الأطعمة المجمدة والوجبات الجاهزة.

وفي سبعينيات القرن الماضي، ساعد انخفاض الأسعار وتوسع سوق الأغذية التي يمكن تسخينها بالميكروويف على تحويل الجهاز من ابتكار مكلف إلى أداة منزلية شائعة. ومع مرور الوقت، أضيفت إليه وظائف متعددة، مثل إذابة التجميد، وإعادة التسخين، والطهي بمستويات مختلفة من الطاقة.

كيف يعمل فرن الميكروويف؟

يعتمد الجهاز على موجات كهرومغناطيسية عالية التردد، تعمل على تحريك جزيئات الماء والدهون والسكريات الموجودة في الطعام. وينتج عن هذه الحركة احتكاك يتحول إلى حرارة، ما يؤدي إلى تسخين الطعام من الداخل بصورة أسرع من كثير من طرق التسخين التقليدية.

ولا يعني ذلك أن الطعام يسخن بالطريقة نفسها في جميع أجزائه؛ فقد تختلف درجة الحرارة بحسب كمية الماء وتوزيعها وشكل الطعام ونوع الوعاء المستخدم. ولهذا توصي تعليمات التشغيل عادة بتحريك الطعام أو تركه فترة قصيرة بعد التسخين حتى تتوزع الحرارة بصورة أفضل.

كما أن الموجات الدقيقة لا تجعل الطعام «مشعاً»، إذ إن الميكروويف يستخدم موجات غير مؤيّنة، تختلف عن الإشعاعات القادرة على تغيير تركيب الذرات. ويُحاط الجزء الداخلي من الفرن بمواد معدنية تساعد على إبقاء الموجات داخل حجرة الطهي عند استخدام الجهاز بصورة صحيحة.

ملاحظة صغيرة غيّرت عادات الطهي

لم يكن بيرسي سبنسر يبحث في ذلك الوقت عن وسيلة سريعة لإعداد وجبة منزلية، بل كان يعمل على تكنولوجيا مرتبطة بالرادار. غير أن انتباهه إلى قطعة الحلوى الذائبة، ثم إصراره على اختبار الملاحظة علمياً، أديا إلى تطوير جهاز أصبح لاحقاً من أكثر الأدوات انتشاراً في المطابخ.

وتوضح هذه القصة أن الاكتشاف لم يكن نتيجة الصدفة وحدها؛ فالصدفة كشفت الظاهرة، لكن الفضول العلمي والتجارب المتتابعة هما ما حوّلاها إلى اختراع عملي. وبينما كان أول فرن ميكروويف بحجم كبير جداً، أصبح الجهاز اليوم أصغر وأسرع وأكثر حضوراً في الحياة اليومية، بعد رحلة بدأت بمغنطرون وقطعة حلوى ذائبة داخل جيب مهندس.

شارك هذا المقال مع أصدقائك من خلال:

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتقديم تجربة أفضل للمستخدم

اقرأ المزيد