عندما يعجز الإنسان عن تذكّر المكان الذي وضع فيه مفاتيحه، أو يتوقف فجأة أمام اسم يعرفه جيداً، فإن أول ما يتبادر إلى ذهنه هو أن المشكلة مرتبطة بالدماغ. لكن خبراء الصحة يؤكدون أن كفاءة الذاكرة لا تعتمد على الخلايا العصبية وحدها، بل تتأثر أيضاً بمستوى سكر الدم، وصحة الأوعية الدموية، وجودة النوم، ومستويات التوتر، والهرمونات، والجهاز المناعي، إضافة إلى الكائنات الدقيقة التي تعيش في الأمعاء.
وفي هذا السياق، أوضحت أخصائية طب الأعصاب التركية البروفيسورة دريا أولودوز أن الأمعاء ليست مركزاً بديلاً للذاكرة، لكنها تؤدي دوراً مهماً في تهيئة البيئة البيولوجية التي يعمل فيها الدماغ. وتشير المعلومات الطبية المتاحة إلى أن العلاقة بين الدماغ والأمعاء أصبحت محوراً متزايد الأهمية في الأبحاث العلمية، خصوصاً فيما يتعلق بالذاكرة والانتباه والمزاج وصحة الجهاز العصبي. 100vw, 776px” />
لا يقتصر التواصل بين الدماغ والأمعاء على مسار واحد، بل يتم عبر شبكة معقدة تضم الأعصاب والجهاز المناعي والهرمونات والمواد التي تنتجها البكتيريا المعوية. ويُعد العصب الحائر أحد أبرز قنوات الاتصال بين الطرفين، إذ ينقل إشارات من الجهاز الهضمي إلى الدماغ، بينما تؤثر إشارات الدماغ بدورها في حركة الأمعاء ووظائفها.
كما يمكن لبعض المواد التي تنتجها بكتيريا الأمعاء أن تنتقل عبر الدم إلى أعضاء مختلفة، في حين تساهم جزيئات يفرزها الجهاز المناعي في التأثير على وظائف الدماغ. وتشارك هرمونات الأمعاء، ونظام الاستجابة للتوتر، والحاجز الدموي الدماغي، والمواد الكيميائية اللازمة لتواصل الخلايا العصبية، في هذه العلاقة المتبادلة.
ولهذا السبب، يفضل الباحثون وصف العلاقة بين الدماغ والأمعاء بأنها شبكة اتصال واسعة، لا مجرد «سلك» واحد يربط بين عضوين. ويُعرف هذا المسار في الدراسات الطبية باسم «محور الأمعاء-الدماغ»، وقد تناولت أبحاث ومراجعات علمية دوره المحتمل في الصحة النفسية والوظائف العصبية. 100vw, 1024px” />
تنتشر عبارة «الأمعاء هي الدماغ الثاني» على نطاق واسع، ويرجع ذلك إلى وجود شبكة عصبية كبيرة في جدار الأمعاء تُعرف باسم الجهاز العصبي المعوي. ويساعد هذا الجهاز الأمعاء على تنظيم عدد من وظائف الهضم بصورة مستقلة نسبياً عن الدماغ.
مع ذلك، فإن الأمعاء لا تفكر ولا تتخذ القرارات ولا تخزن الذكريات. ويظل الدماغ المركز الأساسي للذاكرة والتعلم. وتكمن أهمية الأمعاء في قدرتها على التأثير في الظروف التي يحتاج إليها الدماغ كي يعمل بكفاءة، مثل توازن المناعة، وتدفق الدم، ومستويات الطاقة، وجودة النوم، والاستجابة للتوتر.
وبعبارة أخرى، لا ينبغي النظر إلى الأمعاء باعتبارها منافساً للدماغ أو مركزاً جديداً للذاكرة، بل باعتبارها شريكاً بيولوجياً يؤثر باستمرار في عمل الجهاز العصبي.
يحتاج الدماغ إلى تواصل سليم بين خلاياه حتى يتمكن من استقبال المعلومات الجديدة ومعالجتها وتخزينها. ويؤدي الحُصين، وهو جزء من الدماغ، دوراً مهماً في تكوين الذكريات الجديدة والتعلم. ولكي يعمل هذا الجزء بصورة جيدة، يحتاج الجسم إلى طاقة كافية، وأوعية دموية سليمة، ونوم منتظم، وتوازن مناسب في عمل الجهاز المناعي.
وقد تؤثر الالتهابات طويلة الأمد، ومقاومة الإنسولين، والتقلبات الحادة في مستوى سكر الدم، وتضرر الأوعية الدموية، سلباً في وظائف الذاكرة. كما يمكن لاختلال التوازن في ميكروبيوتا الأمعاء أن يرتبط ببعض هذه العمليات، خصوصاً عندما تترافق اضطرابات الأمعاء مع تغيرات في عمل الجهاز المناعي.
وعندما تضعف الحواجز الواقية لجدار الأمعاء، قد يصبح مرور بعض الجزيئات المحفزة للالتهاب إلى الدم أسهل. وإذا استمر الالتهاب منخفض الدرجة لفترة طويلة، فقد يؤثر في الأوعية الدماغية والحاجز الدموي الدماغي والبيئة التي تعمل فيها الخلايا العصبية. وفي المقابل، يمكن لتوازن الميكروبيوتا أن يدعم جدار الأمعاء ويساعد في الحفاظ على استقرار الاستجابة المناعية، بما يوفر ظروفاً أفضل لصحة الدماغ.
لكن هذه العلاقة لا تعني أن اضطراب الأمعاء يؤدي حتماً إلى فقدان الذاكرة أو إلى الإصابة بمرض عصبي محدد. فالكثير من الأدلة ما زال قيد الدراسة، وبعض النتائج جاءت من تجارب مخبرية أو دراسات رصدية لا تثبت وحدها وجود علاقة سببية مباشرة لدى جميع الأشخاص. لذلك، فإن القول الأدق هو أن الأمعاء قد تؤثر في البيئة التي تعمل فيها الذاكرة، لكنها لا تتحكم فيها بمفردها. ((
لا يرتبط تأثير الأطعمة السكرية والمصنّعة للغاية بالسعرات الحرارية فقط. فالإفراط في تناولها قد يساهم في حدوث تقلبات سريعة في سكر الدم، وزيادة الوزن، ومقاومة الإنسولين، ومشكلات مرتبطة بصحة الأوعية الدموية. كما قد يرتبط النظام الغذائي الفقير بالألياف والغني بالسكر والدهون المشبعة بانخفاض تنوع البكتيريا المفيدة في الأمعاء.
ولا يعني ذلك أن تناول قطعة حلوى من حين إلى آخر يؤدي إلى إضعاف الذاكرة. فالمشكلة الأساسية تكمن في تحول الأغذية المعلبة والمكررة والفقيرة بالألياف إلى الجزء الأكبر من النظام الغذائي على مدى أشهر أو سنوات. وبالمثل، لا تُبنى صحة الدماغ أو تتدهور بسبب وجبة واحدة، بل تتأثر بالعادات المتكررة ونمط الحياة العام.
مع تزايد الاهتمام بمحور الأمعاء-الدماغ، يتجه بعض الأشخاص إلى تناول مكملات البروبيوتيك أملاً في تحسين الذاكرة. غير أن فكرة استخدام مكمل واحد بهدف علاج النسيان لا تدعمها الأدلة العلمية الحالية بصورة عامة. فاستفادة شخص من نوع معين من البروبيوتيك في تخفيف أعراض هضمية لا تعني بالضرورة أن المنتج نفسه سيحسن الذاكرة أو يمنع التراجع المعرفي.
كذلك، لا تعتمد صحة الأمعاء على إضافة البكتيريا فقط، إذ تحتاج الكائنات الدقيقة المفيدة إلى الألياف والمواد الغذائية التي تساعدها على البقاء. ولذلك، يظل النظام الغذائي المتنوع والمتوازن أساساً أكثر أهمية من البحث عن منتج واحد أو «غذاء سحري».
توصي المبادئ العامة للتغذية المتوازنة بالاعتماد على الخضروات والفواكه المتنوعة، والبقوليات مثل العدس والحمص والفاصولياء والبازلاء، والشوفان والحبوب الكاملة، لأنها توفر أنواعاً مختلفة من الألياف التي تستفيد منها بكتيريا الأمعاء.
كما يمكن أن تشكل المكسرات، مثل الجوز واللوز، وبذور الكتان، وزيت الزيتون، جزءاً من نظام غذائي متوازن. ويمكن تناول اللبن الزبادي والكفير وبعض الأغذية المخمرة التقليدية بكميات مناسبة للشخص، مع مراعاة التحمل الفردي والحالة الصحية.
وتكمن الفكرة الأساسية في التنوع، لا في تكرار طعام صحي واحد يومياً. فكلما تنوعت مصادر الألياف والعناصر الغذائية، ازدادت فرصة دعم بيئة معوية أكثر توازناً. وتشير مواد تثقيفية منشورة من البروفيسورة دريا أولودوز إلى أهمية تقليل الأطعمة السكرية والمصنّعة، وزيادة الألياف والأغذية المخمرة والنشاط البدني ضمن نهج شامل لصحة الدماغ. ((
لا تكفي التغذية وحدها للحفاظ على الذاكرة. فالنشاط البدني المنتظم، والنوم الجيد، وإدارة التوتر، والابتعاد عن التدخين، وتجنب الإفراط في تناول الكحول، كلها عوامل ترتبط بصحة الدماغ والجسم بشكل عام.
كما أن معالجة مشكلات مثل اضطراب النوم، أو السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو نقص بعض العناصر الغذائية، قد تكون أكثر أهمية من الاعتماد على مكملات غير ضرورية. وإذا كان النسيان متكرراً أو يتفاقم مع الوقت أو يؤثر في أداء المهام اليومية، فمن الأفضل استشارة طبيب مختص لتحديد السبب، بدلاً من افتراض أن المشكلة ناتجة عن الأمعاء وحدها.
الخلاصة أن الذاكرة لا تنتقل من الدماغ إلى الأمعاء، لكن صحة الأمعاء قد تكون أحد العناصر التي تساعد الدماغ على العمل في ظروف أفضل. وتبقى أفضل مقاربة هي الجمع بين غذاء متنوع غني بالألياف، ونوم منتظم، وحركة يومية، ومتابعة العوامل الصحية التي يمكن أن تؤثر في الذاكرة.
تأهل فريق إيرجيش أولو بامير للكوكبور إلى المباراة النهائية بعد تجاوز منافسيه في مواجهات نصف…
حزب الله يتهم نتنياهو بتصعيد الحرب في جنوب لبنان لخدمة أهدافه السياسية اتهم حزب الله،…
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتقديم تجربة أفضل للمستخدم
اقرأ المزيد