تؤدي الجيوش أدواراً متعددة في دول العالم، لكن حضورها يمتد إلى ما هو أبعد من الميادين العسكرية، ليصل إلى المفردات التي نستخدمها يومياً. فالكثير من التعبيرات التي نستعملها في حديثنا العادي تحمل في أصولها خلفية عسكرية، حتى وإن بدت للوهلة الأولى بعيدة عن هذا السياق. وفي الدول الناطقة بالإنجليزية تحديداً، انتقلت مجموعة من المصطلحات العسكرية إلى الاستخدام الشعبي وأصبحت جزءاً راسخاً من اللغة، وفيما يلي خمسة من أبرز هذه التعبيرات.
تعبيرات الخنادق والحرب العالمية الأولى في الكلام اليومي
يُستخدم اختصار AWOL، الذي يعني “الغياب دون إذن” (Absent Without Leave)، اليوم للإشارة إلى أي موقف يكون فيه الشخص غير موجود في المكان المتوقع أن يكون فيه، كما في عبارة “ذهب في غياب غير مأذون”. وتعرّفه معاجم اللغة بأنه “الغياب غالباً دون إشعار أو إذن”. وقد كان هذا المفهوم عسكرياً في الأساس، حيث يعود أول استخدام موثق له إلى عام 1767، وفق ما تذكره المعاجم التاريخية للغة، بينما ظهر أول استخدام له في أمريكا عام 1917. ورغم تحوله إلى تعبير يومي يصف أنواعاً مختلفة من الغياب، فإن استخدامه ما يزال قائماً في الوسط العسكري حيث يمكن أن تترتب على الغياب غير المأذون عواقب وخيمة.
أما تعبير “في الخنادق” (in the trenches)، فيعود إلى استخدام الخنادق في الحروب الذي يمتد لمئات السنين، لكنه ارتبط بشكل خاص بالحرب العالمية الأولى، حيث تمركز الجنود في خنادق متقابلة محفورة في ساحة المعركة. ومع مرور الوقت، تحول هذا التعبير إلى استعارة عامة تصف أي موقف ينطوي على صراع شديد، حتى لو لم يكن جسدياً. ويستخدم التعبير أيضاً للدلالة على الانخراط في عمل شاق، حيث تعرفه المعاجم بأنه “العمل في الأجزاء الأكثر نشاطاً وصعوبة من وظيفة أو عمل تجاري”.
ويُعد تعبير “فوق القمة” (over the top) من التعبيرات المنتشرة في الكلام اليومي لدرجة أن أصوله العسكرية قد تُنسى أحياناً. ومثل تعبير “في الخنادق”، ينحدر هذا المصطلح من الحرب العالمية الأولى ويرتبط بالحرب في الخنادق. فمعظم القتال كان يجري داخل هذه الخنادق، حيث يتبادل الطرفان إطلاق النار من مواقع محصنة، لكن الجنود كانوا أحياناً يتلقون أوامر بمغادرة خنادقهم والاندفاع “فوق القمة” إلى ساحة المعركة المفتوحة، وهو ما كان يشكل مخاطرة كبيرة أدت إلى سقوط العديد من القتلى. وبمرور الوقت، أصبح التعبير يستخدم في سياقات متعددة للإشارة إلى أن فعلاً أو موقفاً ما تجاوز الحد المعقول.
من طلقات البنادق إلى شاشات الكاميرات وشاشات الرادار
وقد يفاجأ البعض بمعرفة أن كلمة “snapshot” التي تعني “لقطة سريعة” ولها جذور عسكرية. فالكلمة الأكثر شيوعاً للدلالة على صورة فوتوغرافية، أو كاستعارة عامة لوصف موجز وسريع لموقف ما، تعود أصولها في الواقع إلى المصطلحات المتعلقة بإطلاق النار. وتشير المعاجم التاريخية إلى أن أول استخدام لها كان عام 1808، حيث كُتبت في الأصل “snap-shot” بواصلة، واستُخدمت لوصف نوع من الطلقات النارية: “طلقة سريعة بالبندقية، دون تصويب، باتجاه هدف سريع الحركة”. وفي عام 1860، استخدم السير جون هيرشل الكلمة في مجال التصوير الفوتوغرافي، وانتشر المصطلح على نطاق أوسع مع تطور تكنولوجيا الكاميرات التي أصبحت تلتقط الصور بسرعة أكبر بكثير من الطرازات السابقة. فإن هذا التطور في التقنية ساهم في ترسيخ الكلمة في الاستخدام اليومي.
ويستخدم مفهوم “تحت الرادار” (under the radar) للدلالة على موقف تطور أو حدث دون أن يلاحظه أحد. وتعود أصوله العسكرية إلى مجال الطيران، حيث بدأت كلمة “رادار” كاختصار لعبارة “الكشف الراديوي وتحديد المدى”، واستُخدمت لأول مرة خلال الحرب العالمية الثانية في المملكة المتحدة لتتبع الطائرات الألمانية المتجهة نحو بريطانيا. وأصبح التعبير منذ ذلك الحين صيغة شائعة لوصف أي شيء يعمل عمداً لتجنب الاكتشاف أو المراقبة، على عكس ما قد يكون منخفض البروز دون أن يحاول الإخفاء.
المصدر: mentalfloss