حفرية تكساس عمرها 324 مليون عام تكشف أن الحشرات انتقلت إلى اليابسة تدريجيًا

28 أغسطس 2026 - 14:42بقلم: liya

كشفت دراسة علمية جديدة أن حفرية عُثر عليها في ولاية تكساس الأمريكية قبل سنوات، وظلت لغزًا لعلماء الحفريات، تعود إلى نوع غير معروف من الحشرات البدائية التي عاشت قبل حوالي 324 مليون سنة، لتمثل حلقة مفقودة مهمة في فهم كيفية انتقال الحشرات من الحياة المائية إلى الحياة البرية.

واللافت أن الحفرية، التي ظلت مدفونة في الصخور منذ اكتشافها في المنحدرات الصخرية بغرب تكساس، كانت قد اعتُبرت في البداية مجرد يرقة لقشريات بحرية بسيطة، وذلك بسبب شكل جسمها النحيل الذي يشبه الإبرة والمغطى بزوائد متعددة. لكن إعادة التحليل باستخدام تقنية الضوء المستقطب كشفت تفاصيل تشريحية لم تكن مرئية من قبل، لتغير التصنيف العلمي للكائن بالكامل.

فقد أظهر الفحص الدقيق وجود ثلاثة أزواج من الأرجل المخصصة للمشي، أي ستة أرجل إجمالًا، بالإضافة إلى عضو تناسلي يستخدم لوضع البيض، وخيط طويل يمتد في نهاية البطن. هذه السمات أكدت للباحثين أن الكائن ليس يرقة قشرية، بل أنثى بالغة لنوع بدائي غير معروف من الحشرات، أطلق عليه العلماء اسم “كوشا بريكورسور” (Chosha praecursor).

كائن يجمع بين المشي على اليابسة والسباحة في الماء

يمتاز جسم “كوشا” بطول يزيد قليلًا عن ثلاثة سنتيمترات، ويصل إلى خمسة سنتيمترات عند احتساب الزوائد الذيلية والخيط الطويل. ورغم أن وجود ثلاثة أزواج من الأرجل في منطقة الصدر يعد أهم مؤشر على علاقتها الوثيقة بالحشرات، فإن المفاجأة تكمن في منطقة البطن.

فقد حافظت الأجزاء التسعة الأولى من بطن الكائن على زوائد مفصلية، وتحديدًا في الأجزاء الخلفية التي تتخذ شكلًا عريضًا ومسطحًا يشبه المجاديف الصغيرة. ويرجح الباحثون أن هذه الزوائد كانت تساعد الكائن على الحركة في الماء، وهو ما لا نجده في أي حشرة بالغة حديثة تعيش اليوم.

ويشير هذا المزيج الفريد، الذي يجمع بين أرجل المشي الأرضية وزوائد السباحة المائية، إلى أن “كوشا” تمثل فرعًا بدائيًا قريبًا من جذور شجرة تطور الحشرات، وليست سلفًا مباشرًا لأي نوع حديث من النمل أو الفراشات أو غيرها، لكنها تقدم دليلًا مهمًا على قدرة هذه الكائنات المبكرة على الجمع بين خاصيتين لم تعد موجودتين معًا في أي حشرة معاصرة.

بيئة انتقالية وتكاثر بري وسد فجوة زمنية

توفر الصخور التي اكتشفت فيها الحفرية، والمعروفة باسم تكوين “تسنوس” (Tesnus Formation)، أدلة إضافية حول نمط حياة هذا الكائن. فتشير طبيعة هذه الصخور إلى أنها كانت منطقة تتكون من دلتا ومياه ساحلية ضحلة ورواسب رطبة ونباتات، أي بيئة انتقالية بين اليابسة والماء. يستنتج العلماء من ذلك أن “كوشا” لم يكن كائنًا بريًا بالكامل، بل كان قادرًا على التحرك على اليابسة مع اعتماده على الماء والبيئات الرطبة للبقاء على قيد الحياة. ويؤكد هذا الاكتشاف أن الحشرات لم تنتقل من الماء إلى اليابسة في قفزة واحدة، بل عبر عملية تدريجية استمرت ملايين السنين، حيث عاشت الكائنات البدائية في مناطق التقاء النظامين البيئيين مثل ضفاف الأنهار والبرك والمستنقعات، قبل أن تطور أرجلها الصدرية للمشي وتفقد تدريجيًا زوائدها البطنية المائية.

ويشير وجود العضو المسؤول عن وضع البيض في الحفرية إلى أن “كوشا” لم تكن فقط بالغة، بل ربما طورت خصائص تمكنها من التكاثر في البيئات الأرضية، حيث كان من المحتمل أن تضع بيضها في الرواسب أو بقايا النباتات أو الشقوق الرطبة المحمية. وهذا التكيف، وفق الباحثين، قد يفسر قدرة الحشرات لاحقًا على الانتشار في نطاق واسع من الموائل الأرضية الدقيقة.

كما يرجح العلماء أن هذه الحشرات المبكرة كانت تتغذى على الدبال والجراثيم الفطرية والمواد النباتية المتحللة، مما ساهم في تفكيك المواد العضوية وإعادة تدوير المغذيات في النظم البيئية الساحلية والمستنقعية خلال العصر الباليوزوي، وهو ما يعني أن انتقالها إلى اليابسة لم يؤثر على تطورها فحسب، بل على تطور النظم البيئية الأرضية برمتها.

ويمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو سد فجوة زمنية محيرة في السجل الأحفوري للحشرات. فبينما تشير دراسات “الساعة الجزيئية” إلى أن الانقسام التطوري بين الكائنات سداسية الأرجل والقشريات حدث قبل أكثر من 440 مليون سنة، فإن أقدم الحفريات الجسمية للحشرات المعروفة تعود لفترة لاحقة بكثير، مما خلق فجوة تبلغ حوالي 80 مليون سنة في السجل الأحفوري.

وفي إطار الدراسة، أعاد الباحثون فحص حفريات أخرى غامضة إلى جانب “كوشا”، من بينها حفرية “ليفرهولميا” (Leverhulmia) من العصر الديفوني في اسكتلندا وعينتين من منطقة “مازون كريك” في إلينوي، وخلصوا إلى أن هذه الحفريات جميعها تقع ضمن أقدم السلالات الحشرية المعروفة، مما يقرب السجل الأحفوري من الجدول الزمني الذي تقترحه دراسات الساعة الجزيئية.

ويخلص البحث إلى أن قصة صعود الحشرات لم تكن قفزة واحدة نحو اليابسة، بل كانت نتيجة عملية انتقالية استمرت ملايين السنين، حيث تحركت هذه المخلوقات البدائية على الأرض بستة أرجل بينما كانت أجزاء أخرى من أجسامها لا تزال مهيأة للحركة في الماء.

المصدر: Sözcü

شارك:

أحدث المقالات

فنربخشة يعبر ليون ويعود لدوري أبطال أوروبا بعد غياب 18 عاماًعاجل | كوركوتاتا: إسرائيل تغيّر استراتيجيتها تجاه تركيا وتستهدف تفكيك تحالف أردوغان وباهتشليعاجل | 10 ساعات على منصة الدفاع.. جدل بين المحامين ورئيس المحكمة في قضية إمام أوغلوعاجل | جودت يلماز يتولى رئاسة تركيا بالوكالة خلال زيارة أردوغان للسعودية