تكنولوجيا

«سايبركاب» بلا مقود.. رهان تسلا على الكاميرات يواجه أول اختبار حقيقي في أوستن

بعد نحو عامين على الكشف الأولي عنها، بدأت شركة تسلا تشغيل سيارتها الأجرة ذاتية القيادة «سايبركاب» ضمن خدمة الروبوتاكسي في مدينة أوستن بولاية تكساس الأمريكية، لتضع الفلسفة غير التقليدية لإيلون ماسك أمام اختبارها الحقيقي. ويراهن ماسك، الذي تتجاوز ثروته في بعض الأحيان تريليون دولار، بمستقبل الشركة على نظام قيادة مبسط يعتمد على الكاميرات حصراً بدون عجلة قيادة أو دواسات، متخلياً عن المستشعرات المتعددة التي يستخدمها منافسوه. ويعتقد ماسك أنه قادر على شق طريقه الخاص نحو النجاح في قطاع سيارات الأجرة ذاتية القيادة، لكن الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا المسار سيقوده إلى النجاح أم إلى الانهيار. وتعتمد السيارة الجديدة على نسخة معدلة من نظام «القيادة الذاتية الكاملة» الذي يظل بالنسبة لملايين مالكي سيارات تسلا مجرد ميزة من المستوى الثاني تتطلب إشرافاً بشرياً مستمراً، لكن في «سايبركاب» سيكون خاضعاً لمراقبة مشغلين عن بُعد يمكنهم التدخل نظرياً عند حدوث مشكلة. غير أن غياب أدوات التحكم التقليدية يعني عدم وجود أي بديل بشري في حال فشل النظام، كما أن تسلا التي اعتادت على إلقاء اللوم على السائقين في حوادثها، ستتحمل الآن المسؤولية القانونية الكاملة في حال وقوع أي خطأ، .

معركة ماسك مع «ليدار»

منذ أكثر من سبع سنوات، يتحدى ماسك الحكمة التقليدية القائلة إن زيادة عدد المستشعرات تعني زيادة الأمان. ففي فعالية «يوم الاستقلالية» الأولى للمستثمرين عام 2019، وصف مستشعرات «الليدار» التي يعتبرها معظم الخبراء مكوناً أساسياً للسيارات ذاتية القيادة بأنها «مهمة حمقاء»، قائلاً: «أي شخص يعتمد على الليدار محكوم عليه بالفشل. إنها مستشعرات باهظة الثمن وغير ضرورية». ويستند في حجته إلى أن البشر يستخدمون أعينهم لاتخاذ قرارات القيادة. وقد تخلت تسلا عن استخدام الرادار عام 2022 رغم تحذيرات مهندسيها من أن النظام سيكون عرضة لأخطاء الإدراك إذا حجبت الأمطار أو أشعة الشمس الكاميرات. وتكشف أسباب استخدام المنافسين لتقنية الليدار عن حدود النهج الذي تتبناه تسلا؛ فالكاميرات لا توفر سوى صور ثنائية الأبعاد، مما يتطلب استخدام الرؤية الحاسوبية لتقدير العمق، كما أن النظام القائم على الكاميرات فقط يظل عرضة لوهج الشمس ويواجه صعوبات في الظروف الجوية السيئة. وتدير شركة «وايمو»، التي تستخدم الليدار إضافة إلى الكاميرات والرادار، أسطولاً من 4000 مركبة ذاتية القيادة بالكامل في ما يصل إلى 14 مدينة أمريكية. وفي حديثه في مدرسة الشركات الناشئة التابعة لمسرعة الأعمال «واي كومبينيتر»، أقر الرئيس التنفيذي المشارك لـ«وايمو» دميتري دولغوف بأن الكاميرات أصبحت جيدة بما يكفي لتقريب سلوك القيادة البشرية، لكنه شدد على أنه إذا كان الهدف تجاوز البشر وبناء نظام متفوق في الأمان، فإن الكاميرات وحدها ليست كافية، مضيفاً: «إذا كنت تستهدف الاستقلالية الكاملة والأداء الخارق، ستجد أن الاستشعار الضعيف يؤدي إلى منحنى أمان يستوي في وقت مبكر جداً». غير أن ماسك يرى أن النظام المعتمد على الكاميرات فقط أقل تكلفة في الإنتاج الضخم، مما سيمكن تسلا من نشر سياراتها بسرعة أكبر من «وايمو»، كما توفر الشركة المال بالاستغناء عن أدوات التحكم التقليدية. وفي فعالية «نحن، الروبوت» عام 2024، وعد ماسك بأن يتمكن الناس من شراء «سايبركاب» بسعر «أقل من 30 ألف دولار»، لكن تسلا ستواجه عقبات تنظيمية لبيع السيارة للأفراد، إذ ستحتاج إلى إعفاء من قواعد السلامة الفيدرالية التي تشترط وجود عجلة قيادة ودواسات، وقد تواجه مشاكل مشابهة لتلك التي أخّرت شركة «زوكس» لعدة سنوات. وستحتاج تسلا أيضاً إلى تصريح من إدارة المركبات في كاليفورنيا لتشغيل مركبات ذاتية القيادة بالكامل، وهو ما يتطلب إثبات قدرة مركباتها على العمل بأمان، وهو ما لم تقدمه الشركة حتى الآن. ويطرح تشغيل «سايبركاب» أسئلة حول ما يحدث عند تعطل المركبة؛ فمشغلو المركبات ذاتية القيادة الآخرون مثل «وايمو» لديهم إجراءات للمشغلين عن بُعد لمحاولة تحريك المركبة، وإذا فشلت المحاولات، يرسلون فرق فنيين لقيادتها يدوياً، أما في مركبة بلا عجلة قيادة، يصبح التشغيل عن بُعد هو الحل الاحتياطي الأساسي، وهو ما يفسر توجه تسلا إلى تثبيت اتصالات «ستارلينك» في جميع سياراتها. وتختار تسلا أوستن كنقطة انطلاق لأنها السوق الأكثر نضجاً لديها، حيث تشغل نحو 110 مركبات من طراز «موديل واي» منذ يونيو 2025 في المدينة. غير أنه لا توجد سياسة فيدرالية تحكم نشر المركبات ذاتية القيادة في الولايات المتحدة، فيما يظل التشريع الذي قد يفتح الباب أمام المزيد من المركبات عالقاً في الكونغرس منذ سنوات، مما يترك تسلا لخوض معارك الحصول على الأذونات ولاية بولاية أو مدينة بمدينة. ويظل حجم أسطول تسلا للروبوتاكسي وحالة الإشراف عليه متقلبين بشكل كبير منذ أشهر، فأحياناً تتوفر العشرات من سيارات الأجرة الآلية حسب المدينة، لكن في أغلب الأحيان لا يزيد عدد المركبات التي تقوم برحلات مدفوعة الأجر على عدد أصابع اليد الواحدة.

سجل سلامة محل خلاف

وعلى الرغم من ادعاءات تسلا بأن سجلها في السلامة لا يشوبه أي شائبة، وتأكيدها من خلال بياناتها التي تغطي ملياري ميل أن المركبات التي تستخدم النسخة الخاضعة للإشراف من نظام «القيادة الذاتية الكاملة» تتورط في حوادث أقل بنسبة تتراوح بين 40 و90 بالمئة مقارنة بالمركبات التي يقودها البشر، إلا أن أفعال الشركة تشير إلى عكس ذلك؛ فالنظام يظل مجرد ميزة من المستوى الثاني تتطلب إشرافاً بشرياً مستمراً، ويظل السائق وليس تسلا هو المسؤول قانونياً عند وقوع خطأ، فيما تستمر الحوادث المميتة التي تنطوي على النظام في التزايد. وتُظهر بيانات تقارير الحوادث أن تسلا مسؤولة عن نحو 85 بالمئة من إجمالي تقارير الصناعة، بما يقارب 4000 حادث، بفضل وضعها كشركة مصنعة تمتلك أكبر عدد من المركبات المزودة بأنظمة مساعدة القيادة المتقدمة. وتسجل التتبعات المستقلة نحو 65 حالة وفاة تتعلق بأنظمة «الطيار الآلي» أو «القيادة الذاتية الكاملة» بين عامي 2013 و2025، وتحب تسلا الترويج للإحصاءات الجيدة بينما تخفي السيئة، فمركباتها تحظى ببعض من أعلى تقييمات السلامة في البلاد، لكن إحصاءات القيادة الذاتية لديها تظل صندوقاً أسود، إذ لم تقدم الشركة بيانات السلامة الخاصة بها إلى أي مجموعة مستقلة للتحقق، كما يخضع تقريرها عن الحوادث حالياً للتحقيق من قبل الإدارة الوطنية للسلامة المرورية على الطرق السريعة. ويمثل استطلاع حديث للرأي مؤشراً على حجم التحدي الذي تواجهه تسلا؛ فمعظم الناس يعتقدون أن الشركة تضلل عملاءها باستخدام مصطلحات مثل «الطيار الآلي» و«القيادة الذاتية الكاملة»، ولا يعتقدون أنها تفعل ما يكفي لضمان التزام سائقيها بالقواعد، ولا يريدون نشرها سيارات أجرة ذاتية القيادة بالكامل. ومع «سايبركاب»، تتجه تسلا بسرعة نحو المركبات ذاتية القيادة بالكامل مع وضع مستقبلها على المحك، وإدارة ناجحة للإطلاق ستثير إعجاب المستثمرين بلا شك، لكن إقناع الجمهور قد يكون أكثر صعوبة.

المصدر: theverge

زر الذهاب إلى الأعلى