تكنولوجيا

مقاطعة أميركية كانت عاصمة مراكز البيانات في العالم.. ماذا يحدث عندما يتحول الازدهار إلى ضجيج؟

تُوصف مقاطعة لاودون في ولاية فرجينيا الأميركية بأنها “الكناري في منجم الفحم” لتطور مراكز البيانات في أميركا. فبعد أن تحولت على مدى عقدين إلى أكبر تجمع لمراكز البيانات في العالم، بدأ سكانها يكتشفون الثمن الذي قد يدفعونه مقابل هذا الازدهار، من طنين مزعج وأبراج كهرباء عملاقة تخترق حدائقهم الخلفية ومخاوف بيئية متزايدة. وتُظهر تجربة المقاطعة، التي تضم حوالي 250 مركز بيانات على مساحة صغيرة من إجمالي 515 ميلاً مربعاً، صورة مصغرة عن التحديات التي تواجهها مجتمعات أميركية عديدة تتصارع الآن حول مستقبل هذه المنشآت الضخمة.

في عام 2007، كانت الولايات المتحدة على حافة ركود اقتصادي، وكُلّف “بادي رايزر” بمهمة إيجاد مصدر جديد لتمويل مقاطعة “لاودون”. لم تكن مسيرته المهنية السابقة كمذيع إذاعي لتجعله المرشح الأوضح لهذه المهمة، لكنه كان يبحث عمّا وصفه بـ”وظيفة حقيقية”، ليجد نفسه في نهاية المطاف داخل هيئة التنمية الاقتصادية للمقاطعة. ومع انفجار فقاعة الإسكان، أصبحت المهمة ملحّة: أكثر من 80 بالمئة من إيرادات المقاطعة كانت تأتي من العقارات السكنية، وكان الهدف حينها رفع القاعدة الضريبية التجارية من حوالي 19 بالمئة إلى 23 بالمئة من الإيرادات، لكن النتيجة فاقت التوقعات حيث تجاوزت الإيرادات الضريبية التجارية اليوم نصف إجمالي الإيرادات.

لجأ رايزر إلى الاستفادة من البنية التحتية المهجورة التي خلّفها انهيار فقاعة الدوت كوم. فالمقاطعة كانت موطناً للمقر الرئيسي لشركة “AOL”، التي كانت بحلول عام 2000 أكبر مزوّد لخدمات الإنترنت في الولايات المتحدة، فضلاً عن قربها من العاصمة واشنطن وتوفر الموارد من مياه وكهرباء. ويشير البعض إلى أن نحو 70 بالمئة من حركة الإنترنت العالمية كانت تمر عبر هذه المقاطعة في مرحلة من المراحل. ومع انهيار أسهم شركات الإنترنت في 2000، وما تلاه من اندماج كارثي بين AOL وTime Warner، تركت المقاطعة بمباني شاغرة ضخمة وأميال من كابلات الألياف البصرية المدفونة. يقول رايزر: “فكرت: إذا تمكنا من ملء هذه المباني، فسيكون ذلك بداية جيدة”، وأدرك سريعاً أن العوامل التي جذبت AOL قابلة لإعادة الاستخدام، “لذلك وضعنا هذه الخطة لجذب مراكز البيانات”.

تحوّل البناء في المقاطعة إلى طفرة حقيقية بالتزامن مع توسع شركات التكنولوجيا في خدمات الحوسبة السحابية. مع هذا النشاط التجاري جاء الازدهار: بناء 22 مدرسة جديدة خلال 15 عاماً فقط، وفي عام 2024 تجاوزت الإيرادات الضريبية من مراكز البيانات وحدها الميزانية التشغيلية للمقاطعة بمقدار 35 مليون دولار، وانخفض معدل الضريبة العقارية على السكان من حوالي 1.29 دولار إلى 80 سنتاً لكل 100 دولار من القيمة المقدرة منذ عام 2008. لكن هذا التوسع السريع بدأ يثير قلق السكان الذين كانوا ينظرون إلى مراكز البيانات كجزء من الخلفية غير الملحوظة لحياتهم اليومية. يشتكي البعض من الطنين المستمر، والبعض الآخر من أبراج نقل الكهرباء التي تلوح فوق مساحاتهم الخضراء المفضلة.

الذكاء الاصطناعي يضاعف الضغوط ويشعل المعارضة

يشهد قطاع مراكز البيانات حالياً توسعاً هائلاً بفضل الاعتماد الواسع على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي خلق طلباً متزايداً على البنية التحتية اللازمة لتشغيل كميات هائلة من “الحوسبة”. وتشير تحليلات مركز بيو للأبحاث إلى وجود 3000 مركز بيانات قيد التشغيل في الولايات المتحدة، مع 1500 آخرين قيد التطوير. ويقول رايزر إنه عندما بدأ يجذب الشركات لبناء مراكز البيانات، كان يجلس في مؤتمرات الأسواق الثانوية، أما الآن فـ”لاودون” هي السوق الأكبر هناك. فقد بدأت تظهر حركات معارضة قوية في جميع أنحاء البلاد، حيث تحاول ولايتا نيويورك وتكساس إبطاء بناء مراكز بيانات جديدة خشية عدم قدرة شبكات الطاقة على دعمها، وفي إحدى الحالات على الأقل، بدا أن هجومًا عنيفًا على مسؤول محلي في إنديانابوليس كان بدافع دعمه لمراكز البيانات.

يقول رايزر إنه رغم الفوائد الكبيرة، أصبحت المعارضة المجتمعية أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة، ويضيف: “لقد نفذت صفقات بقيمة 70 مليار دولار هنا، والشيء الوحيد المشترك هو أن هناك من يعارض كل واحدة منها. لم أر في مسيرتي المهنية كلها هذا القدر من الحقد والكراهية المرتبطين بهذا الموضوع”. وبسؤاله عن أغنية يمكن أن تصور هذه اللحظة، أجاب مازحاً أنها أغنية “You Need to Calm Down” لتايلور سويفت. تجدر الإشارة إلى أن المقاطعة كانت قد سمحت ببناء مراكز البيانات كـ”مجمعات مكاتب” منذ عام 2000، ما يعني إمكانية تشييدها على أي أرض مخصصة للمكاتب دون مراجعة تنظيمية مطولة، وأن رايزر لم يعد يسعى لجذب مراكز جديدة قائلاً: “لا نريد المزيد من مراكز البيانات هنا، لكننا نريد أن تنجح تلك الموجودة وتستمر في المساهمة في مجتمعنا”. ومع ذلك، تواصل المنشآت الجديدة الظهور، حتى أن رايزر، الملقب بـ”عراب مراكز البيانات”، يقول إنه عاجز عن إيقافها.

أما جولي بولتهاوس، مديرة استخدام الأراضي في مجلس بييدمونت البيئي، والتي تقود تحالفًا من جماعات تطالب بحماية البيئة، فتدعو إلى وقف بناء مراكز جديدة. وتضيف: “هذه الصناعة تخلق سردية بأنها تواجه مجتمعات محلية. لكن ما تواجهه حقاً هو الفيزياء والواقع المتمثل في تأثير بناء جيجاوات من الطاقة على الناس بشكل مباشر”. وتشير بولتهاوس إلى أن عام 2025 كان نقطة تحول، حيث لم يعد على منظمتها بذل الجهد لإشراك الناس، بل أصبحت تتدبر كيفية التعامل مع طلبات الصحافة المتزايدة. أما فيكي هو، وهي مقيمة من أصل تايواني تعيش في منزل عائلتها منذ ثلاثة أجيال، فتلقت صدمة عندما أبلغتها شركة دومينيون للطاقة بأن خط نقل جديد بارتفاع 185 قدمًا سيمر مباشرة عبر حديقتها الخلفية. تقول هو، التي وصفت منزلها بأنه “منزل أحلامها”، إنها تلقت مكالمة من ممثل الشركة ظنت في البداية أنها متعلقة بفاتورة الكهرباء، لتفاجأ بأنها تتعلق بخط نقل يربط بين محطتين فرعيتين ويقطع حديقتها. وهي تخوض الآن معركة لإعادة توجيه الخط، وقد خسرتها حتى الآن في انتظار استئناف أمام المحكمة العليا في فرجينيا، وتحذر من أنه في غضون 5 إلى 10 سنوات “عندما تنظر إلى السماء في أشبورن سترى خطوط الكهرباء في كل مكان مثل شبكة العنكبوت”، وتقول إنها سترحل إذا خسرت المعركة للحفاظ على حديقتها.

وإلى جانب القلق على المنازل، يشكو سكان من الضوضاء الصادرة عن مراكز البيانات، سواء تلك التي تعتمد على مولدات الديزل أو التوربينات الغازية، إذ يصفها البعض بأنها طنين مستمر لا يتوقف. ويشير تقرير إلى أن مركز بيانات “فانتاج” اعتمد على توليد الطاقة في الموقع باستخدام توربينات الغاز بعد أن أبلغته شركة دومينيون للطاقة بعدم كفاية قدرتها على ربط المنشأة البالغة 800 ألف قدم مربع بالشبكة، مما سبب إزعاجًا للجيران. ويشتكي البعض الآخر من تأثير التوسع على المساحات الخضراء، ويقول أحد السكان إن “الخضرة اختفت، والشعور بالمجتمع اختفى، كل شبر أُخذ بسبب الجشع”. كما ترتفع أسعار العقارات التجارية، حيث تستعد شركات مراكز البيانات لدفع متوسط 3.76 مليون دولار للفدان الواحد، مما يضغط على أصحاب الأعمال الصغيرة مثل جيني مارزا التي تقول: “أشعر أنه لم يحمِ أحد مصالحنا كمجتمع”. وبينما يعترف المسؤولون بفوائد مراكز البيانات، يواجهون ضغوطًا متزايدة من السكان، الذين بدأوا يرون في هذه المنشآت التي جلبت الازدهار مصدرًا للقلق بشأن مستقبل منطقتهم على نحو متزايد.

المصدر: theverge

زر الذهاب إلى الأعلى