حذّر عالم الفيزياء النظرية التركي أوغوز خان ير من أن الولايات المتحدة قد تفقد مكانتها الريادية في مجال العلوم الأساسية، في ظل المخاطر التي تتعرض لها التمويلات العلمية هناك. ودعا ير، في رسالة إلى الجمعية الفيزيائية الأمريكية (APS)، إلى ضرورة أن تخصص الدولة موارد للعلوم الأساسية، معتبراً أن تمويلها مسؤولية حكومية لا يمكن إلقاؤها على عاتق القطاع الخاص أو التمويلات الفردية.
رسالة إلى الجمعية الفيزيائية الأمريكية
جاءت هذه التصريحات في وقت حساس، بعد أن أثارت رغبة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في قطع التمويلات العلمية حالة من القلق داخل الأوساط البحثية، حيث كانت الجمعية الفيزيائية الأمريكية قد طلبت من أعضائها تقديم تعليقاتهم ومساهماتهم حول هذا الموضوع، فاستجاب ير لهذا الطلب برسالة مفصلة. وأكد ير في رسالته أن المجتمع العلمي لا يقتصر دوره على كونه مركزاً لاجتماع العلماء لمناقشة قضاياهم العلمية، بل يجب أن يخدم المجتمع بأسره، مشيداً بالدور الذي قامت به الجمعية في هذا السياق. وأضاف أنه على الرغم من أن هدف الحكومات ليس إعادة توزيع الأموال أو السيطرة على السوق، إلا أن المجتمع المتطور والقائد لا يمكن أن يوجد أو يقود بدون العلم وثماره التكنولوجية، مشدداً على ضرورة فهم المقاربات المشككة في هذه القضايا الاجتماعية والاقتصادية جيداً، ومؤكداً أن المجتمع العلمي يحتاج إلى دعم مالي لإجراء الأبحاث وإكمالها بالنشر، وأن على الإنسانية أن تقرر ما إذا كان مستقبلها سيكون بدائياً أم سيتشكل بعناية وقرارات عقلانية.
وذكر ير أنه في رسالته إلى الجمعية، أوضح أن الاقتصاد القائم على إعادة التوزيع لا يمكن أن يكون أداة لتمويل العلوم الأساسية، كما أشار إلى أن الادخار في الإنفاق العام وتوجيه مبالغ صغيرة من الضرائب المجمعة يمكن أن يحولها إلى تمويل للأبحاث المؤهلة والمختبرات الدولية الضخمة مثل CERN. وتطرق ير إلى قطب الصلب أندرو كارنيجي، مذكّراً بدوره كمؤسس للعديد من المكتبات العامة والبحثية في الولايات المتحدة، ومشدداً على أهمية العقول الرائدة التي تمارس التمويل الخيري للعلوم، لكنه استدرك موضحاً أن الأبحاث الأساسية بطبيعتها غير الهادفة للربح وطويلة الأمد، لا يمكن أن تعتمد على التمويلات الشخصية فقط.
السوق لا يتحكم ب”تساقط الثلوج” العلمية
وبخصوص عدم اهتمام القطاع الخاص بهذه الأبحاث التي لا تتحول سريعاً إلى منتجات قابلة للتسويق، استخدم ير تشبيهاً توضيحياً قال فيه: “السوق يشبه آلة إزالة الثلوج التي تجمع الثلج وتدفعه في الاتجاه الذي تريده، لكنها لا تستطيع التحكم في وقت تساقط الثلوج. الثلج هنا هو المعرفة الجديدة التي تنتجها العلوم الأساسية، ولتساقط هذا الثلج لا بد من تمويل الأبحاث”. وأوضح أن تحويل الاكتشاف العلمي إلى نعمة تكنولوجية قد يستغرق وقتاً طويلاً، ولا يمكن التنبؤ بموعد حدوث ذلك، كما أن النجاح التجاري للمنتج يكون مجرد إمكانية في البداية. واختتم ير رأيه بالقول إن على الدولة محدودة الصلاحيات أن تخصص موارد للبنية المعرفية التي تحتاجها لأداء وظيفتها الأساسية في حماية الأمن وتحقيق القانون، أي تمويل العلوم الأساسية، داعياً إلى عدم الاستسلام للشعبوية، ومؤكداً أن التشاؤم في هذا الشأن سيكون موقفاً غير عقلاني.
فقد أشار ير إلى أنه في ظل هذه التطورات الأخيرة، لن يكون مفاجئاً أن تفقد الولايات المتحدة مكانتها الرائدة في العلوم الأساسية، خاصة مع استحالة استمرار العديد من العلماء في أبحاثهم بسبب قطع التمويل عن مؤسسات مثل ناسا والمعاهد الوطنية للصحة (NIH) والمؤسسة الوطنية للعلوم (NSF). وبالفعل، فقد تم إلغاء ما يقرب من 2500 منحة بحثية معتمدة من مؤسسات مثل NIH وNSF، كما تم تجميد أموال تجاوزت قيمتها 3 مليارات دولار، وبحلول بداية عام 2026 لا يزال حوالي 1.4 مليار دولار مجمداً. وفي اقتراح ميزانية السنة المالية 2026، طلبت الإدارة الأمريكية خفض تمويل NSF بنسبة 57% وNIH بنسبة 41% وناسا بنسبة 24%، وهي تخفيضات تاريخية، إلا أن الكونغرس رفض معظم هذه التخفيضات وأبقى على التمويل العلمي ثابتاً إلى حد كبير، على الرغم من أن التخفيضات المطلوبة استهدفت بشكل أساسي العلوم الأساسية.
ويُذكر أن أوغوز خان ير هو عالم فيزياء نظرية يعمل في مجالات الفيزياء الفلكية وعلم الكونيات وفيزياء الطاقة العالية، وتركز أبحاثه على ديناميكيات الحالات الدقيقة للثقوب السوداء Kerr، وعلم الظواهر المتعلق بالجاذبية القوية، وحل تفردات الزمكان باستخدام الطرق الجبرية والطوبولوجية.
المصدر: yenisafak