طلاب غزة يواصلون أبحاثهم من الخيام رغم تدمير 90% من مباني التعليم العالي

استضافت جامعة فاتيح سلطان محمد الوقفية برنامج «مقهى العلوم من أجل غزة»، الذي نظمه مكتب التواصل العلمي التابع لمجلس التعليم العالي التركي، لبحث واقع التعليم العالي في غزة ومعاناة الطلاب في مواصلة دراستهم، في وقت دُمّر فيه نحو 90% من مباني التعليم العالي، وفق ما عرضه الرئيس السابق للجامعة الإسلامية في غزة.
وأقيم البرنامج تحت عنوان «الدراسة الجامعية في غزة»، وشهد عرض شهادات من أطراف عدة حول أوضاع الجامعات والطلاب في القطاع. وشاهد المشاركون رسالة مصورة من رئيس الجامعة الإسلامية في غزة، الدكتور أسعد أسعد، كما أجروا اتصالًا مباشرًا مع الرئيس السابق للجامعة، الدكتور كمالين شعث، إلى جانب عرض رسائل مصورة لطلاب يحاولون متابعة تعليمهم الجامعي في ظل الحرب.
خسائر واسعة في قطاع التعليم العالي
خلال الاتصال المباشر، استعرض شعث واقع التعليم العالي في غزة قبل الحرب وفي الوقت الراهن، موضحًا أن الطلاب كانوا يواجهون، حتى قبل اندلاع الحرب، صعوبات مرتبطة بالمراقبة ومشكلات الاتصالات وارتفاع معدلات البطالة.
وقال إن الجهود كانت مستمرة لتطوير التعليم العالي الفلسطيني رغم تلك الظروف، مشيرًا إلى أن مجلس التعليم العالي يضم 20 مؤسسة تعليمية، بينها 6 مؤسسات تقدم التعليم الجامعي.
وأوضح شعث أن الحرب ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية التحتية للتعليم العالي، كما تسببت في خسائر فادحة بين العاملين في هذا القطاع. ووفق المعطيات التي عرضها، لقي نحو 800 من العاملين في التعليم العالي حتفهم أو سُجنوا أو تعرضوا للتعذيب، فيما دُمّر نحو 90% من مباني التعليم العالي.
ورغم حجم الأضرار، أفاد شعث بأن العمل مستمر لمنع الطلاب من الانقطاع عن الدراسة، بما في ذلك اللجوء إلى التعليم عبر الإنترنت والبحث عن وسائل بديلة لمواصلة التعليم العالي. كما شدد على حاجة طلاب غزة إلى الدعم المادي والمعنوي، وعلى أهمية إيصال أصواتهم.
طلاب يدرسون من مناطق النزوح والخيام
خلال البرنامج، عُرضت رسائل مصورة أعدها طلاب في غزة يواصلون تعليمهم الجامعي. وتحدث الطلاب عن الظروف التي يدرسون فيها، والعقبات التي يواجهونها، وتطلعاتهم إلى المستقبل.
وأظهرت شهاداتهم أن متابعة الدراسة لا تتم في بيئة جامعية مستقرة؛ إذ يحاول الطلاب مواصلة أبحاثهم وسط ضعف الاتصال بالإنترنت، وفي مناطق النزوح والخيام، فيما يواصلون إعداد رسائل الماجستير والدكتوراه والدفاع عنها.
قال معين نعيم، ممثل الجامعة الإسلامية في غزة بالخارج، إن التعليم في القطاع لا يقتصر على كونه مسارًا أكاديميًا، بل يمثل وسيلة لحماية المستقبل والتشبث بالحياة.
واستهل نعيم كلمته بالحديث عن والدته، موضحًا أنها كانت أمية، لكنها أدركت قيمة التعليم وأرادت منه استكمال دراسة الدكتوراه. وأضاف أن والدته، البالغة 85 عامًا، لقيت حتفها مع ستة من أحفادها في هجوم استهدف منزلًا داخل مخيم للاجئين في غزة، مؤكدًا أن قضية التعليم تحمل بالنسبة إليه معنى شخصيًا عميقًا.
وأشار إلى أن الحرب لم تستهدف حياة الناس فحسب، بل طالت المؤسسات التي يُبنى فيها المستقبل، إذ دُمّرت المدارس والجامعات والمكتبات، وقُتل طلاب وأكاديميون، بينما فقد كثير من الطلاب منازلهم وكتبهم وشهاداتهم وسجلاتهم الأكاديمية.
ورغم هذا الدمار، قال نعيم إن الطلاب يواصلون تعليمهم، إذ يتابعون أبحاثهم عبر اتصالات إنترنت ضعيفة وفي مناطق النزوح والخيام، كما يواصلون إعداد رسائل الماجستير والدكتوراه والدفاع عنها.
دعوة إلى منح وأجهزة وشراكات أكاديمية
دعا نعيم الجامعات والأوساط الأكاديمية في تركيا إلى تحويل التضامن مع طلاب غزة إلى خطوات عملية، مقترحًا إنشاء برامج للمنح، وتوفير أجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية وخدمات الإنترنت، وتطوير برامج التعليم عن بُعد، وإقامة شراكات بين الجامعات التركية والفلسطينية.
كما دعا إلى تنفيذ أبحاث مشتركة بين الأكاديميين، وتوفير الإرشاد الأكاديمي وبرامج التوجيه والدعم التعليمي للطلاب والباحثين. وشدد على ضرورة تمكين الطلاب الفلسطينيين من الاستفادة من الإمكانات الأكاديمية للجامعات التركية خلال فترة حرمانهم من جامعاتهم، بما في ذلك الوصول إلى قواعد البيانات العلمية والمختبرات والمنصات التعليمية.
وقال ممثل الجامعة الإسلامية في غزة إن التضامن الأكاديمي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مساعدات إنسانية فحسب، بل استثمارًا في حماية المعرفة والمستقبل.
وفي ختام كلمته، دعا نعيم إلى عدم ترك طلاب غزة وحدهم، موضحًا أن الجامعات يمكن إعادة بنائها، والكتب يمكن إعادة طباعتها، والمختبرات يمكن تجهيزها من جديد، لكن الأولوية تتمثل في ضمان قدرة الطلاب على مواصلة حياتهم التعليمية.
وأكد أن التضامن يعني حماية حق الإنسان في امتلاك المستقبل، والنظر إلى الشباب الفلسطيني ليس فقط بوصفهم أشخاصًا يواجهون ظروفًا قاسية، بل باعتبارهم طلابًا وباحثين وأطباء ومهندسين وأكاديميين وعلماء المستقبل.
وشدد نعيم على أن حماية الحق في التعليم لطلاب غزة مسؤولية مشتركة، واختتم رسالته بالقول: «طلاب غزة ليسوا وحدهم. مستقبلهم مسؤولية الجميع».
واختُتم برنامج «مقهى العلوم من أجل غزة» بعد عرض شهادات مختلفة حول واقع التعليم العالي في القطاع، وإيصال أصوات الطلاب، ومناقشة السبل الممكنة لتعزيز التضامن الأكاديمي بين تركيا وفلسطين.
المصدر: يني شفق