تستعين شركة أوبن إيه آي بتسعة من أبرز علماء الرياضيات لتقديم المشورة بشأن تعاملها مع الأبحاث الرياضية ونتائج نماذجها الجديدة، بعد سلسلة من الإعلانات التي تحولت إلى أزمة سمعة وأثارت اتهامات بعدم نسب الفضل إلى الباحثين البشريين. وأعلنت الشركة يوم الاثنين تشكيل مجموعة استشارية مستقلة ستساعدها، إلى جانب شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى، في مراجعة النتائج الرياضية وتنسيق نشرها والتواصل بشأنها.
وتحمل المجموعة اسم «المجموعة الاستشارية للرياضيات والذكاء الاصطناعي» (AGMAI)، ويستضيفها «معهد الدراسات المتقدمة» في مدينة برينستون بولاية نيوجيرسي الأميركية، وهو أحد أبرز مراكز البحث الرياضي في العالم، وارتبط سابقًا بأسماء علمية مثل ألبرت أينشتاين، وجون فون نيومان، وج. روبرت أوبنهايمر.
وجاء الإعلان المفاجئ بمثابة مفاجأة لكثير من علماء الرياضيات. وبينما رأى باحثون تحدثوا إلى موقع «ذا فيرج» أن تشكيل المجموعة يمكن أن يمثل خطوة أولى جيدة، طرحوا أسئلة أساسية حول طبيعة عملها الفعلية، وحجم نفوذها داخل أوبن إيه آي، وما إذا كانت الشركة ستأخذ توصياتها بجدية، فضلًا عن قدرة مجموعة صغيرة من الأكاديميين البارزين على تمثيل مجتمع رياضي واسع ومتخصص.
صلاحيات واسعة بلا تفاصيل كافية
قالت أوبن إيه آي إن المجموعة ستعمل بصورة مستقلة، وإن أعضاءها يملكون حرية تقديم نصائح لم تطلبها الشركة، والتعليق علنًا على تأثيرها في الرياضيات، ونشر توصياتهم على الملأ. لكن الشركة لم توضح بالتفصيل كيفية ممارسة هذه الصلاحيات.
ويبدو أن أعضاء المجموعة سيحصلون على وصول مبكر إلى أبحاث أوبن إيه آي لمساعدتهم في أداء مهمتهم. ولن يتقاضوا أجورًا من الشركة، كما يمكن للمجموعة تعديل عضويتها بالطريقة التي تراها مناسبة. وقالت أوبن إيه آي إن قيمة المجموعة «تعتمد على قدرة أعضائها على استخدام حكمهم المستقل وتحدي رؤيتنا».
وبحسب ما أعلنته الشركة، ستساعد المجموعة أوبن إيه آي في تقييم أهمية النتائج الرياضية الناشئة، وتقديم المشورة بشأن تنسيق نشرها، والالتزام بالمعايير الأكاديمية والمهنية للبحث الرياضي، إلى جانب بحث الطرق التي يمكن لأدوات الشركة من خلالها دعم البحث والتعلم في مجال الرياضيات.
ورغم التأكيدات المتكررة على الاستقلال، لا يزال من غير الواضح مقدار التأثير الذي ستتمتع به المجموعة، أو السبب الدقيق وراء تشكيلها. وقال سيمون ماتشادو، الباحث في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich)، إن المبادرة تبدو «محاطة بالغموض»، متسائلًا عن كيفية اختيار أعضائها التسعة.
ويشير الموقع المختصر للمجموعة إلى أنها تشكلت بعد أن تواصلت أوبن إيه آي مع بعض أعضائها بشأن إنشاء مجلس استشاري خارجي. وبعد مناقشات مع الشركة، قرر علماء الرياضيات إطلاق مجموعة مستقلة بدلًا من ذلك، ثم دعوا آخرين إلى الانضمام إليها. ولم يتضح أي الأعضاء تواصلت معهم أوبن إيه آي في البداية، ولا الطريقة التي اختير بها بقية الأعضاء.
خلاف حول تمثيل مجتمع الرياضيات
في تدوينة نشرها يوم الثلاثاء، قدم مارتن هايرر، أحد أعضاء المجموعة، شرحًا لخلفية تأسيسها، ورد على ما وصفه بأنه «سيل من المعلومات المضللة» حول نشأتها. وكتب أن الذكاء الاصطناعي أحدث بالفعل تأثيرًا عميقًا في البحث الرياضي، وطرح أسئلة عديدة تتعلق بنسب الأفكار، وأسبقية الاكتشاف، ومدى فهم البشر للأفكار التي تنتجها النماذج.
وأضاف هايرر أنه لا جدوى من اتباع نهج «النعامة» المتشدد، أي تجاهل مختبرات الذكاء الاصطناعي ورفض الحوار معها من حيث المبدأ. وأقر بأن تأسيس المجموعة جاء استجابة لتواصل من أوبن إيه آي، لكنه شدد على أن الشركة لم تتواصل مع جميع أعضائها، وأن المجموعة «مستقلة فعلًا» عن أوبن إيه آي وعن مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة الأخرى.
وقال إن أعضاء المجموعة لم يوقعوا، باستثناء الالتزامات الواضحة المتعلقة بالسرية، اتفاقيات تقيّد ما يمكنهم قوله علنًا، كما أنهم لا يحصلون على مقابل مالي، ويعتمدون على معهد الدراسات المتقدمة في الدعم التقني. وكتب أن هدفهم الأساسي هو «تمثيل مصالح مجتمع الرياضيات بأفضل صورة ممكنة».
ومع ذلك، أقر هايرر بأن المجموعة لا تمثل عينة شاملة أو متوازنة من مجتمع الرياضيات، لكنه قال إنه على يقين من أن الأعضاء التسعة يتعاملون مع المهمة بجدية بالغة ويتصرفون بحسن نية. ويضم الفريق أكاديميين وُصفوا بأنهم من أبرز الشخصيات في المجال، وينتمون إلى جامعات مثل ستانفورد وهارفارد وأوكسفورد وكامبريدج، ومن بينهم حاصلون على عدة ميداليات فيلدز ومنح «ماك آرثر للعباقرة».
وأثار اقتصار المجموعة على تسعة أعضاء مخاوف إضافية بشأن اتساع خبراتهم وقدرتهم على تقييم كل ما سيُعرض عليهم، خصوصًا أن مجالات الرياضيات المتقدمة شديدة التخصص وتتطلب مهارات ومعارف مختلفة.
وقال فرانشيسكو فورنييه-فاشيو، الأستاذ المقبل للرياضيات في جامعة هيريوت-وات في اسكتلندا، إنه يتخذ موقفًا «مترددًا» من المجموعة، مؤكدًا أن زيادة التواصل مع علماء الرياضيات «لا يمكن إلا أن تحسن الأمور». لكنه تساءل عما إذا كان الفريق يعكس فعلًا المجتمع الذي تتغير أعمال أفراده وسبل عيشهم بسبب سعي أوبن إيه آي إلى تحقيق إنجازات رياضية متتالية، واصفًا الانطباع الذي يتركه بأنه يشبه «برجًا عاجيًا».
من جهته، شكك ماتشادو في قدرة الأعضاء على فهم مخاوف مجتمع الرياضيات الأوسع أو التحدث باسمه في ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي. وقال إنهم «علماء رياضيات رائعون»، لكنه لا يعرف ما إذا كانوا الأشخاص الذين يريدهم لتمثيله في القضايا السياسية الأوسع، مضيفًا أن واقعهم المهني مختلف كثيرًا عن واقع معظم علماء الرياضيات في الوقت الراهن.
نتائج جديدة في انتظار النشر
تتزامن المبادرة مع إعلان أوبن إيه آي أن نموذجها الجديد، غير المطروح بعد، حل أكثر من 100 مسألة رياضية مفتوحة منذ فترة طويلة عبر معظم فروع الرياضيات. وكانت الشركة قد قالت سابقًا إن النموذج نفسه حل مسألة نافيي-ستوكس، وهي إحدى مسائل جوائز الألفية التي لم تُحسم، وإنها تقترب من حل مسألة أخرى من المسائل السبع التي حددها معهد كلاي للرياضيات.
ووضعت المجموعة على موقعها التعامل مع هذا التراكم في صدارة أولوياتها، مشيرة إلى أنها تواجه «تحديًا محددًا للغاية» يتمثل في تقديم المشورة إلى أوبن إيه آي بشأن كيفية تنسيق نشر عدد كبير من النتائج الرياضية المهمة التي تقول الشركة إن نموذجها الداخلي أنتجها.
ويرى هايرر أن المجموعة لم تحدد بعد كل التوصيات التي ستقدمها، لكن المشكلة التي تتعامل معها واضحة: شركات الذكاء الاصطناعي أنتجت خلال الأشهر الأخيرة نتائج رياضية حظيت باهتمام كبير، إلا أن نشرها وتعميمها جاءا بعيدين عن الممارسات الرياضية المقبولة، بصرف النظر عن الطريقة التي تُعرّف بها تلك المعايير.
وتجمع المجموعة حاليًا آراء الباحثين من خلال محادثات مع زملاء في المجال، ونموذج مخصص لاستقبال الملاحظات العامة، ونقاشات على مدونة «بروفز أند برومبتس» (Proofs and Prompts)، التي تحولت إلى منتدى رئيسي لعلماء الرياضيات الذين يبحثون تأثير الذكاء الاصطناعي في تخصصهم.
ويحدد مدى نجاح المجموعة في كسب ثقة علماء الرياضيات قدرتها على الحد من تبعات سلسلة الإخفاقات الأخيرة في طريقة أوبن إيه آي لإعلان نتائجها، وربما تخفيف وقع ما تستعد الشركة لإعلانه لاحقًا. وحذر هايرر من أن أعضاء المجموعة سيكونون «ساذجين جدًا» إذا اعتقدوا أن مختبرات الذكاء الاصطناعي لن تحاول توظيف ما يقولونه بما يخدم آلة العلاقات العامة التابعة لها، والتي تفوق في حجمها أي قدرة يمكن للمجموعة أن تطورها.
لكنه رأى في الوقت نفسه أن رفض الحوار سيكون نفاقًا، بعدما بدت أوبن إيه آي مستعدة لبذل جهد للتواصل مع المجتمع الرياضي، خصوصًا بعد الانتقادات التي طالت سلوكها وضعف تواصلها. وكانت الشركة قد واجهت اتهامات بمحاولة الاستيلاء على أسبقية باحثين آخرين، وعدم الاعتراف بالعمل البشري الذي بُنيت عليه نتائج نماذجها، بل وبسرقة أعمال أشخاص كانوا يستخدمون أدواتها.
وأدت تلك الوقائع إلى تساؤل كثير من علماء الرياضيات عما إذا كانت أوبن إيه آي تفهم هذا التخصص والمجتمع الذي دخلته، أو تحترمهما أصلًا. وقال كيفن بازارد، أستاذ الرياضيات في إمبريال كوليدج لندن، إن الشركة تعرف بالفعل ما يريده علماء الرياضيات، متسائلًا عن حاجتها إلى هيئة نخبوية لفهم ذلك. وأوضح أن المشكلة لم تكن في إثبات نظريات صعبة، بل في «فهم مجالنا بصورة أفضل»، مضيفًا أنه ليس واضحًا تمامًا أن إيصال هذه الرسالة يتطلب لجنة من العباقرة.
ويأمل هايرر أن تسهم المجموعة في ضمان مراجعة النتائج الجديدة والتواصل بشأنها وفق معايير البحث الرياضي، لكنه أشار إلى أن التحدي الأكبر سيأتي عند اختبار قدرتها الفعلية على التأثير في قرارات أوبن إيه آي وطريقة عرض إنجازاتها المقبلة.
المصدر: theverge