وجه «جولي» اللطيف جعل صحفية تشارك بيانات صحية أكثر مع وكيل «ميوز» من ميتا

توسّع شركة ميتا استخدام وكيلها للذكاء الاصطناعي «ميوز» (Muse) ليشمل نظاراتها الذكية وجهازًا مستقلًا قابلًا للارتداء، مع إسناد مهام تتعلق بالإنتاجية والصحة والعلاقات إليه. لكن تصميم شخصيته الكرتونية اللطيفة دفع صحفية إلى مشاركة مزيد من المعلومات الصحية، رغم حذرها الأولي.
اختبرت فيكتوريا سونغ، كبيرة المراجعين في موقع «ذا فيرج» (The Verge)، الوكيل بعدما أطلقت عليه اسم «بلوربو» (Blorbo). وطلبت منه مساعدتها في وضع أهداف صحية، بينها إعداد برنامج تدريبي يساعدها على قطع مسافة 5 كيلومترات في أقل من 30 دقيقة واستعادة عضلات فقدتها. فجاءت النتيجة في صورة برنامج أسبوعي مقبول، لكنه عادي إلى حد كبير.
ما غيّر انطباعها لم يكن جودة الخطة، بل شكل الوكيل. فاستنادًا إلى ما تعلّمه من رسائلها الإلكترونية، تحوّل إلى قطعة خبز على هيئة قطة بوجه يشبه شخصية «كيربي». وبدا لطيفًا إلى درجة جعلتها تبدأ في مشاركة مزيد من التفاصيل عن صحتها لترى ما إذا كانت التوصيات ستتحسن، كما لو أصابها جهاز محو الذاكرة في فيلم «مين إن بلاك» (Men in Black).
وترى سونغ أن هذه الاستجابة العاطفية هي تحديدًا ما قد تستفيد منه ميتا. فقد كانت تتحفظ في البداية عن كشف معلومات صحية كثيرة، قبل أن يجعلها الشكل اللطيف أقل حذرًا في تعاملها مع النظام.
شخصية واحدة بأسماء وملامح مختلفة
حاولت سونغ تجنب «ميوز» منذ إطلاقه قبل بضعة أسابيع، جزئيًا لانشغالها باختبار أجهزة أخرى، لكن السبب الأهم، وفق وصفها، هو ضعف مقاومتها أمام الأشياء شديدة اللطافة. وخلال مؤتمر «ميتا كونيكت» (Meta Connect)، ظهر تميمة النظام على معظم الشاشات أثناء العرض الرئيسي، ما جعل تجاهلها شبه مستحيل.
عرض أندرو بوسورث، كبير مسؤولي التكنولوجيا في ميتا، وكيله الذي سمّاه «كوبر» (Cooper). وظهر كوبر مرتديًا زي طيار صغير لأنه كان، بحسب العرض، طيار الاختبار الخاص ببوسورث. وعندما رفع ذراعيه المستديرتين ولوّح للحاضرين، وصفت سونغ المشهد بأنه من ألطف ما رأته في عرض تقني، وقالت في ذهنها: «أريد أن أعصر وجهه الصغير».
أما الرئيس التنفيذي لميتا، مارك زوكربيرغ، فكشف أن الاسم العام لتميمة الشخصية هو «جولي» (Jolly). وانتشرت مجسمات ورقية بالحجم الطبيعي لجولي في أنحاء حرم الشركة خلال الأيام الثلاثة التالية، بوقفات ودية وملابس مختلفة، كما وُضعت قرب محطات التجربة التي تتيح للزوار ارتداء نظارات ميتا الذكية واختبار سيناريوهات تجمع بين النظارات والوكيل.
ولا يقتصر «ميوز» على النظارات؛ فالوكيل سيصل إلى جميع نظارات ميتا الذكية، كما سيظهر في جهاز مستقل جديد يحمل اسم «تشارم» (Charm). ويجمع تصميم «تشارم»، بحسب الوصف، بين ساعة ذكية كبيرة نسبيًا وجهاز «هيومين إيه آي بن» (Humane AI Pin) ولعبة «تاماغوتشي» (Tamagotchi) الرقمية، والفكرة أن يصطحب المستخدم هذه الشخصية معه أينما ذهب.
ترى سونغ أن إدخال وكيل للذكاء الاصطناعي في كل شيء يبدو مقلقًا، لكن مظهر جولي الودود يجعل الفكرة أسهل تقبلًا. فالإنسان والثدييات الأخرى تطورت لديها قابلية اعتبار الرضع لطيفين، وهو ما ساعد على رعاية الصغار، كما طورت اليابان شخصيات تميمة محببة للترويج للمدن والمبادرات المحلية. وحتى الروبوتات والرفقاء الرقميون تبدو أكثر قبولًا عندما تتخذ هيئة محببة مثل «ميرومي» (Mirumi)، بدلًا من الكلاب الآلية المخيفة التي تعرضها شركة «بوسطن دايناميكس» (Boston Dynamics).
تجربة النظارات تكشف حدود النظام
في أول عرض عملي لـ«ميوز»، لم تعتمد التجربة على شخصية مرئية. تسلمت سونغ نظارة ومجموعة من الأوامر، ثم عُرضت أمامها نماذج لأطعمة خفيفة. وكان الوكيل، الذي أُطلق عليه في ذلك العرض اسم «هنري» (Henry)، يعمل صوتيًا فقط ويتحدث بنبرة رجل بريطاني عميقة وهادئة.
صُمم العرض لمساعدة شخصية خيالية تدعى شون، يبلغ من العمر 38 عامًا ويعمل في التسويق ويهتم بزيادة البروتين في نظامه الغذائي وفنون القتال المختلطة. وكان شون يتبع جدولًا تدريبيًا قاسيًا يجمع بين رفع الأوزان صباحًا وتمرين آخر عالي الكثافة مساءً.
عندما سُئل هنري عن الوجبة الخفيفة التي توفر أفضل كمية من البروتين مقابل سعراتها الحرارية، احتاج إلى نحو دقيقة «للتفكير»، رغم أن الإجابة كانت واضحة مسبقًا، وهي قطعة من اللحم البقري المجفف. كما أخطأ، في تجربة أجراها زميل سونغ جاي بيترز، في تحديد كمية البروتين الموجودة في لوح بروتين. وعندما طلبت سونغ منه إضافة قطع الغرانولا إلى سلة التسوق، فشل في تنفيذ الأمر بحجة أن المنتج «غير موجود في الكتالوج».
مع ذلك، رأت سونغ فائدة واضحة في إمكانية النظر إلى جسم معين عبر النظارة وطلب مساعدة الذكاء الاصطناعي في اتخاذ قرار مرتبط بسياق شخصي محدد. وقد تكون هذه الخاصية مفيدة، مثلًا، للأشخاص الذين يعانون من ضعف البصر، رغم أن العرض نفسه كشف مشكلات متكررة في التعرف إلى الطعام من الصور وإتمام الأوامر.
لكن التجربة أثارت لديها مخاوف تتعلق بالخصوصية. فالنظارات التي تعرف ما يأكله المستخدم يمكن أن تمنح ميتا بيانات دقيقة عن عاداته الغذائية، وربما تستخدمها لاحقًا لاستهدافه بالإعلانات. وقد يدخل شخص إلى النظام فقط بهدف تحسين صحته، لكن تفاصيل سياقه الشخصي يمكن أن تتحول إلى جزء من منظومة غير مرئية للبيانات الديموغرافية التي تستطيع ميتا، بحسب سونغ، إيجاد طرق لتحقيق عائد مالي منها، كما فعلت في أعمالها الأساسية طوال العقدين الماضيين.
اللطافة تخفف الحذر
اختارت سونغ اسم «بلوربو» عمدًا لتذكير نفسها بأن الشخصية ليست حقيقية وللحفاظ على بعض الحدود في علاقتها بها. وبعد اختبار عدد من روبوتات الرفقة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، تقول إنها تعرف مدى سرعة تصاعد العلاقة بين المستخدم والمساعد أو الرفيق الرقمي، مهما كان الاسم المستخدم لوصفه.
بعد أن أنشأ بلوربو برنامج اللياقة العادي، اكتشفت إمكانية طلب المساعدة في وضع أهداف للعلاقات. وعندما طلبت أمثلة، اقترح إعادة التواصل مع صديق، وتحسين التواصل مع الأشخاص المقربين، ووضع حدود أكثر وضوحًا، فضلًا عن المواعدة. وبدت النصائح غريبة لأنها جاءت من كتلة تشبه معجنات على هيئة قطة، بل إن اللطافة عملت ضد الوكيل في هذه النقطة وجعلت النصائح أقل إقناعًا.
في المقابل، كانت سونغ أقل انتقادًا لبلوربو عندما منحته صلاحية الوصول إلى أحد عناوين بريدها الإلكتروني الأقل أهمية، فتمكن من حذف مجموعة من الرسائل المزعجة. لكنها قالت إن التجربة جعلتها أكثر انتقادًا لنفسها، لأنها سمحت للشكل المحبب بتخفيف حذرها تجاه البيانات التي شاركتها.
وتتعامل سونغ غالبًا مع الذكاء الاصطناعي في نطاق الصحة بحكم عملها، وهي مساحة خاصة من حياتها تشعر، على نحو غير متوقع، بالراحة عند مشاركتها. لكنها تشير إلى أن من يمرون بصعوبات صحية قد يصبحون أكثر استعدادًا لتجربة أي وسيلة تمنحهم أملًا بالشعور بأنهم طبيعيون. وفي تلك اللحظات، يمكن للمتعة الصغيرة التي يوفرها وجه لطيف أن تكتسب تأثيرًا أكبر من المعتاد.
لهذا السبب تحديدًا ترى سونغ جانبًا مقلقًا في مدى حبها لتصميم جولي. فهي تستطيع تخيل شخص يمر بأصعب أيام رحلته الصحية ويجد راحة أو فرحًا مؤقتًا في أداة لا تشعر بأي شيء تجاهه، لكنه يأتمنها على قدر كبير من نفسه. وقد يساعده الوجه اللطيف على نسيان موقفه من سجل ميتا، ولو لفترة قصيرة.
وترى سونغ أن ذلك مقلق، خصوصًا بعدما أمضت أسابيع مع زملائها في إعداد تقارير عن الأسباب التي تجعل ميتا لم تستحق هذه الثقة.
ولا تنكر سونغ أن فريقًا في ميتا نجح في ابتكار شخصية جذابة، ولا تدعو إلى إفساد متعة جولي. لكن خلاصة تجربتها واضحة: على مستخدمي وكيل «ميوز» ألا يسمحوا لوجه لطيف بأن يقرر مقدار ما يشاركونه أو مستوى الثقة التي يمنحونها للنظام، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالصحة والعلاقات والمعلومات الشخصية.
المصدر: theverge