مرشح لكوكب بحجم المشتري حول قزم أبيض يفك لغزًا حيّر هابل 27 عامًا

رصد علماء فلك مرشحًا لكوكب بحجم المشتري يدور حول القزم الأبيض HS 0209+0832، في أول دليل من نوعه على تشكّل كوكب من مواد قذفها نجم ميت إلى الفضاء. ويبدو أن الجرم لم يولد مع نجمه، بل نشأ لاحقًا من بقاياه، فيما ساعد الاكتشاف على تفسير إشارة كيميائية حيّرت العلماء في بيانات تلسكوب هابل منذ 27 عامًا.
نُشرت نتائج الدراسة، التي قادها فريق من جامعة وارويك، في مجلة Nature Astronomy يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول. ويصف العلماء هذا النوع من الأجرام بأنه «كوكب من الجيل الثاني»، وهو تكوّن نادر لم يُرصد من قبل حول قزم أبيض.
كوكب تشكّل بعد موت نجمه
تتحول النجوم الشبيهة بالشمس، بعد استهلاك وقودها، إلى عمالقة حمراء، ثم تطرد طبقاتها الخارجية إلى الفضاء، ولا يبقى منها سوى نواة كثيفة وساخنة تُعرف بالقزم الأبيض. أما الكواكب المعتادة، مثل الأرض، فتتشكل تقريبًا في الوقت نفسه مع نجومها، ومن سحابة الغاز والغبار ذاتها.
في المقابل، تتكون كواكب الجيل الثاني بعد موت النجم، من المواد التي خلّفها وراءه. وقالت جيمي وليامز، طالبة الدكتوراه والمؤلفة الأولى للدراسة، إن هذه الكواكب نادرة للغاية، وإن العثور على واحد منها قرب قزم أبيض كان أمرًا غير متوقع.
ويرى الفريق أن تشكّل كوكب حول نجم منفرد سيكون صعبًا؛ إذ تنتشر المواد التي يقذفها النجم المحتضر في اتجاهات متعددة، ثم تتبدد في الفضاء. لكن HS 0209+0832 قد يكون له نجم مرافق، إذ ربما جذبت جاذبية ذلك النجم جزءًا من المواد الهاربة إلى مدار مشترك، ما أتاح تكوّن قرص جديد نشأ الكوكب داخله.
النيوبيوم يفك لغز بيانات هابل
بدأت خيوط الاكتشاف من الغلاف الجوي للقزم الأبيض. فعندما راقب تلسكوب هابل النجم للمرة الأولى عام 1999، سجلت البيانات نحو 100 بصمة كيميائية لم يتمكن العلماء من تحديد هويتها. وعند مقارنة جيمي وليامز تلك الإشارات بقاعدة بيانات حديثة للعناصر، اكتشفت أن جزءًا مهمًا منها يعود إلى عنصر النيوبيوم.
ولم يكن النيوبيوم قد رُصد من قبل في أي قزم أبيض. كما دعمت سجلات القمر الصناعي FUSE التابع لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، والذي أنهى مهمته، هذا التحديد.
وإلى جانب النيوبيوم، يحتوي الغلاف الجوي للنجم على الزنك والنحاس بنسب تزيد على مثيلاتها في الشمس بأكثر من ألف مرة. وفي المقابل، تظهر عناصر تكوّن الصخور، مثل السيليكون والحديد، بكميات منخفضة جدًا.
وأوضح عالم الفيزياء الفلكية نيكولاس ستون من جامعة ويسكونسن-ماديسون أن هذا التوزيع الكيميائي يمثل بصمة نموذجية لعملية «s-process» النووية، التي تنتج العناصر الثقيلة خلال مرحلة العملاق الأحمر في حياة النجوم المحتضرة. وبحسب ستون، لا يُفترض أن يحمل كوكب عادي من الجيل الأول هذه البصمة الكيميائية.
وقال البروفيسور بوريس غانسِكه، أحد المشاركين في الدراسة من جامعة وارويك، إن الكوكب لا يبدو جرمًا جاء من مكان آخر، كما أنه ليس بقايا تشكّل النظام الأصلي. وتشير المعطيات، وفق تقديره، إلى أنه تشكل من المواد التي قذفها النجم أثناء موته.
فإن أقوى دليل على وجود الجرم جاء من القمر الصناعي TESS التابع لناسا، والمخصص لرصد الكواكب خارج المجموعة الشمسية. وخلال مراقبة استمرت نحو أربعة أشهر، سجل القمر تغيرًا طفيفًا في سطوع القزم الأبيض يتكرر مرة كل 4.4 أيام، وهي إشارة تتوافق مع كوكب غازي بحجم المشتري يدور قريبًا جدًا من نجمه.
مدار قريب وإشعاع يبدد الغلاف الجوي
يقع المرشح الكوكبي على مسافة لا تتجاوز 6 ملايين كيلومتر من القزم الأبيض، أي نحو عُشر المسافة التي تفصل عطارد عن الشمس. وبما أن حرارة سطح القزم الأبيض تتجاوز 35 ألف درجة مئوية، فإن إشعاعه الكثيف يؤدي إلى تبخير الغلاف الجوي للكوكب.
وتسقط الغازات المتسربة من الكوكب على سطح القزم الأبيض، تاركة آثار العناصر الثقيلة التي ظهرت في بيانات هابل. ويساعد ذلك على تفسير التركيبة الكيميائية غير المعتادة في الغلاف الجوي للنجم، إلى جانب تقديم دليل على تشكّل الكوكب بعد موت نجمه.
ومع ذلك، لم يُحسم وجود الكوكب بصورة نهائية، ولذلك ما زال يُشار إليه بوصفه «مرشحًا كوكبيًا». وترى جيمي وليامز أن التفسير الأكثر منطقية للبيانات هو وجود كوكب، مضيفة أن الفريق لا يعرف ما الذي يمكن أن يفسر الإشارة إذا لم يكن كذلك.
وتشير وليامز إلى أن هذا الجرم قد لا يكون ظاهرة قصيرة العمر؛ فمع استمرار القزم الأبيض في التبرد، يمكن أن يدخل الكوكب، خلال ملايين السنين، منطقة صالحة للحياة حول نجمه. أما زيفان لين من جامعة واشنطن، الذي لم يشارك في البحث، فقال إن الدراسة تقدم للمرة الأولى دليلًا على عملية تشكل هذا النوع من الكواكب.
المصدر: onedio




