من معابد غوبكلي تبه إلى مسجد بُني بلا مسامير.. خريطة اليونسكو ترصد تراث تركيا عبر العصور

تكشف خريطة للتراث الثقافي أُعدّت بالاستناد إلى بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» اتساع الثروة التاريخية في تركيا، من مواقع تعود إلى عصور ما قبل التاريخ إلى معالم من الحقبتين السلجوقية والعثمانية، ضمن سجل واحد يضم مواقع موزعة في أنحاء البلاد.
وتجمع الخريطة بين المدن القديمة والمعابد والآثار الأثرية، والمساجد ذات الأعمدة الخشبية، والقرى العثمانية، ونماذج العمارة المدنية التقليدية، بما يعكس استمرارية تاريخية تمتد لنحو ألف عام في عدد من المعالم، إلى جانب مواقع أقدم بكثير.
معالم وسط الأناضول والعاصمة
في أنقرة، تظهر مدينة غورديون الأثرية، التي ارتبطت بحضارة فريجيا، إلى جانب مسجد آخي شرف الدين المعروف بعمارتها القائمة على الأعمدة الخشبية. وعلى حدود إسكي شهير، يمثل مسجد سيفري حصار الكبير، فيما يجسد مسجد أفيون الكبير في أفيون قره حصار براعة النجارة الخشبية في العمارة السلجوقية.
وتضم القائمة أيضًا مسجد إشرف أوغلو في بيشهير التابعة لقونية، وهو مسجد ذو أعمدة خشبية، ومسجد ديفريغي الكبير في سيواس، الذي يُعد من أبرز نماذج الأعمال الحجرية. أما حتوشا في ولاية جوروم، عاصمة الحيثيين، فتحافظ على حضورها التاريخي منذ العصر البرونزي.
من طروادة وأفسس إلى المعالم العثمانية
على امتداد غرب الأناضول وبحر مرمرة، تجمع المواقع المصنفة آثار الحضارات الكلاسيكية وإرث الإمارات والحقبة العثمانية. ففي جناق قلعة تقع مدينة طروادة الأثرية التي ارتبط اسمها بالملاحم، بينما تضم إزمير مدينتي أفسس وبرغاما، وهما من أبرز شواهد العصرين الهلنستي والروماني.
وتضم ولاية أيدين أفروديسياس، التي اشتهرت بمدرسة النحت فيها، فيما تجمع باموق قلعة في دنيزلي بين مدرجاتها البيضاء وآثارها القديمة. وعلى حدود أنطاليا، تعكس منطقة زانثوس-ليتون القوة الأثرية للمنطقة.
وفي مرمرة، تبرز قرية جومالي كيزيك في بورصة بوصفها نموذجًا من نماذج الاستيطان العثماني المبكر، إلى جانب مسجد ومجمع السليمية في أدرنة، أحد أبرز أعمال المعمار العثماني سنان.
فإن هذه المواقع لا تقدم صورة عن مرحلة تاريخية واحدة، بل تجمع في سجل واحد آثارًا دينية ومدنية وعسكرية وفنية من فترات متباعدة.
إسطنبول والعمارة التقليدية على ساحل البحر الأسود
في إسطنبول، التي كانت عاصمة لثلاث إمبراطوريات كبرى، تقع آيا صوفيا ومسجد السلطان أحمد وأسوار المدينة ضمن المنطقة التاريخية في شبه الجزيرة القديمة، التي تشكل قلب نطاق الحماية التراثية.
وبالاتجاه نحو البحر الأسود، تنقل منطقة صفران بولو في كارابوك تفاصيل الحياة الحضرية العثمانية من خلال منازلها الخشبية التقليدية. كما يبرز مسجد محمود بك في قرية قاسابا بولاية قسطموني، وقد شُيّد من دون استخدام المسامير، ويتميز بزخارف سقفه الخشبي ونقوشه، ما يجعله نموذجًا حيًا للفن المعماري المحلي.
مواقع ترسم بدايات التاريخ الإنساني
في شرق الأناضول وجنوب شرقه، تضم القائمة مواقع ترتبط بالمراحل المبكرة من مسيرة الإنسان. ففي شانلي أورفا يقع غوبكلي تبه، الذي يوصف بأنه «نقطة الصفر في التاريخ» ويضم منطقة معابد قديمة، بينما يحتفظ تل أرصلان تبه في ملاطية بآثار مرتبطة ببدايات البيروقراطية الحكومية.
وتشمل المواقع حدائق هفسل في ديار بكر، التي تستمد خصوبتها من وادي نهر دجلة، وجبل نمرود في أديامان، حيث تحمل التماثيل الضخمة أسرار مملكة كوماجيني. كما تبرز منطقة آني الأثرية في قارص، التي كانت مفترقًا تجاريًا في العصور الوسطى.
أما كابادوكيا في نوشهير، فتقدم مزيجًا من الطبيعة الفريدة والموروث الديني، بفضل مداخنها الجنية وكنائسها المنحوتة في الصخور.
حماية التراث للأجيال المقبلة
ويؤكد التقرير المرتبط بعملية التصنيف أن إدراج المواقع في قائمة التراث العالمي لا يقتصر على الاعتراف بقيمتها التاريخية، بل يحمّل الجهات المعنية مسؤولية الحفاظ عليها وفق معايير دولية، بما يتيح نقلها إلى الأجيال المقبلة.
وتنص العبارة الواردة بشأن معايير التسجيل الرسمية على أن «قائمة التراث العالمي لليونسكو تهدف إلى حماية الممتلكات الثقافية ذات القيمة العالمية، والتي تُعد تراثًا مشتركًا للبشرية جمعاء، ونقلها إلى الأجيال القادمة».
وتشكل المعالم المدرجة في تركيا مرجعًا عالميًا في سياسات حماية التراث وتطوير السياحة الثقافية المستدامة، من المواقع الأثرية التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ إلى المساجد والقرى التي تحفظ ملامح العمارة السلجوقية والعثمانية.
المصدر: Karar




