لماذا جمع فيلم «الحساب الاجتماعي» أحداث «ملفات فيسبوك» الحاسمة في يوم واحد؟

يعيد فيلم «الحساب الاجتماعي»، من كتابة وإخراج آرون سوركين، سرد قصة تسريب وثائق فيسبوك الداخلية، مستندًا في تفاصيل كثيرة إلى وقائع حقيقية، لكنه يختصر التسلسل الزمني ويغيّر مواعيد أحداث رئيسية. ويتمحور الفيلم حول فرانسيس هاوغن، مديرة منتجات في فريق النزاهة المدنية لدى فيسبوك، وتسليمها مجموعة كبيرة من الوثائق إلى الصحفي الاستقصائي جيف هورويتز من صحيفة «وول ستريت جورنال»، وهي الوثائق التي تحولت لاحقًا إلى سلسلة تحقيقات «ملفات فيسبوك» عام 2021.
في الواقع، كما في الفيلم، قادت التسريبات هاوغن إلى الإدلاء بشهادتها أمام الكونغرس الأميركي بصفتها مُبلِّغة عن مخالفات. وتعرض اللقطات الأخيرة من الفيلم أثرها بعد تلك الشهادة، إذ تحدثت أمام حكومات حول العالم، وأسهمت الوثائق التي كشفت عنها في دعم دعاوى قضائية ضد شركة «ميتا» في أنحاء الولايات المتحدة.
وتؤدي ميكي ماديسون دور هاوغن في الفيلم، التي تؤكد أنها لا تكره فيسبوك، بل تريد إنقاذه. وهذه الفكرة مستوحاة من رسالة تركتها هاوغن الحقيقية لزملائها قبل تسجيل خروجها في آخر يوم عمل لها في مايو 2021، إذ كتبت على لوحة الرسائل الداخلية للشركة: «أنا لا أكره فيسبوك. أنا أحب فيسبوك. أريد إنقاذه».
الفيلم يغيّر التوقيت ويجمع أحداثًا متباعدة
يمثل «الحساب الاجتماعي» امتدادًا جزئيًا لفيلم «الشبكة الاجتماعية» الذي كتبه سوركين عام 2010، لكنه تولى هذه المرة الكتابة والإخراج معًا. وبينما حافظ العمل الجديد على كثير من الوقائع الأساسية، أخذ صُنّاعه حريات واضحة في الحوار وترتيب الأحداث، أبرزها اختصار الجدول الزمني وتقديم وقائع مهمة عدة أشهر عن موعدها الفعلي.
ومن الأمثلة الأوضح أن الفيلم يصور مارك زوكربيرغ، الذي يؤدي دوره جيريمي سترونغ، وهو يستعد لجلسة استماع في الكونغرس بشأن التضليل والتطرف، بالتزامن مع استعداد هورويتز، الذي يؤدي دوره جيريمي ألين وايت، لنشر أول تحقيق في «ملفات فيسبوك». ويجري ذلك كله في السادس من يناير 2021، وسط اقتحام مبنى الكابيتول الأميركي.
لكن زوكربيرغ أدلى بشهادته أمام مجلس النواب برفقة رؤساء تنفيذيين آخرين لشركات تقنية في مارس 2021، بينما لم ينشر التحقيق الأول من «ملفات فيسبوك» إلا في سبتمبر من العام نفسه. لذلك فإن جمع الحدثين في يوم واحد يخدم البناء السينمائي، لكنه لا يعكس التسلسل الحقيقي.
ومع ذلك، يعتمد الفيلم مباشرة على تحقيقات هورويتز والوثائق التي جمعتها هاوغن. وتضمنت تلك الوثائق ما وصفته التحقيقات بتطبيق غير متسق لسياسات الإشراف على المحتوى، ودفع خوارزميات المنصة مستخدمين نحو مجموعات كراهية، فضلًا عن استجابة محدودة لحالات بدت مرتبطة بالاتجار بالبشر على فيسبوك.
ولم تقدم «ميتا» تعليقًا على الفيلم، لكنها قالت في بيانات سابقة إن الوثائق التي جمعتها هاوغن وطريقة عرضها ضمن «ملفات فيسبوك» انتُقيت لخدمة رواية محددة. ووصف زوكربيرغ، خلال مكالمة مع المستثمرين في 2021 عقب نشر التحقيقات الأولى، التقارير بأنها «جهد منسق لاستخدام وثائق مسربة بشكل انتقائي لرسم صورة زائفة عن شركتنا». وأضاف أن الشركة تواجه «مفاضلات مستحيلة»، وأن هذه الأسئلة لا تتعلق أساسًا بأعمالها، بل بـ«الموازنة بين قيم اجتماعية صعبة ومختلفة».
صديقة هاوغن والتطرف عبر المعلومات المضللة
يفتتح الفيلم بمشهد امرأة شابة شقراء تقف إلى جانب سيارتها التي ارتفعت حرارتها على طريق سريع. وعندما يصل شرطي للسؤال عن سلامتها ويشم رائحة الكحول في أنفاسها، يتحول الحوار سريعًا إلى مواجهة متوترة. وتبدو المرأة منزعجة من الشرطي، وهو من ذوي البشرة الملونة، ثم تخرج هاتفها لتصويره قبل أن تهدده بالعنف وينتهي الأمر باعتقالها.
بعد ذلك، تظهر شخصية هاوغن وهي تشاهد في شقتها الفيديو الذي نشرته المرأة على صفحتها في فيسبوك، المسماة «صوت العقل»، مرفقًا بعبارة «شاهدوني وأنا ألقّن شرطة التنوع والإنصاف والإدماج درسًا». ويكشف الفيلم لاحقًا أن المرأة كانت صديقة التقتها هاوغن في صف لركوب الدراجات، وأنها تأثرت بنظريات المؤامرة على فيسبوك بعد خسارة المرشح التقدمي الذي كانت تعمل لحملته.
يبدو أن تفاصيل المشهد والصديقة صيغت دراميًا، لكنها تستند إلى جانب حقيقي من قصة هاوغن. فقد قالت لصحيفة «وول ستريت جورنال» إنها اختارت العمل في فريق النزاهة المدنية لدى فيسبوك بعدما شاهدت أحد أفراد عائلة صديق لها يتطرف عبر الإنترنت. وقالت: «من السهل أن تدرس المعلومات المضللة، لكن خسارة شخص بسببها أمر مختلف».
كيف دفعت خوارزمية فيسبوك مستخدمين إلى مجموعات متطرفة؟
في أحد أهم مشاهد الفيلم، تكشف هاوغن لهورويتز أن 64 في المئة من الأشخاص الذين انضموا إلى مجموعات متطرفة على فيسبوك وصلوا إليها بسبب خوارزمية التوصية. وهذه النسبة ظهرت في الفيلم وفي الواقع، وكانت أساس تحقيق نشرته «وول ستريت جورنال» في مايو 2020.
وكتب هورويتز وديبا سيثارامان في التحقيق أن عرضًا داخليًا لفيسبوك يعود إلى عام 2016 خلص إلى أن «64 في المئة من جميع عمليات الانضمام إلى المجموعات المتطرفة سببها أدوات التوصية لدينا»، مضيفًا أن «أنظمة التوصية لدينا تزيد المشكلة». وقال متحدث باسم فيسبوك حينها إن الشركة عززت إجراءات الحماية، وإنها «ليست الشركة نفسها اليوم».
كما يتناول الفيلم تغييرًا أجرته فيسبوك عام 2018 في طريقة ترتيب المحتوى. فقد بدأت المنصة بإعطاء أولوية لما سمته «التفاعلات الاجتماعية ذات المعنى»، بدلًا من الاعتماد على الإعجابات وحدها. وتحاول هاوغن وهورويتز فهم سبب هذا التحول وما إذا كان يدفع مستخدمين مثل صديقتها نحو التطرف، خصوصًا أن فيسبوك أعلنت علنًا أن التغيير قد يؤدي إلى تراجع التفاعل.
كان النظام الجديد يمنح وزنًا أكبر للتفاعلات باستخدام الرموز التعبيرية وإعادة المشاركة مقارنة بالإعجاب. ويصور الفيلم زوكربيرغ ومسؤولين تنفيذيين آخرين وهم يدركون أن هذا التغيير قد يشجع مشاركة المحتوى الغاضب. وقد قدم زوكربيرغ التحول باعتباره وسيلة لمعالجة هيمنة المحتوى العام الذي تنشره العلامات التجارية ووسائل الإعلام على اللحظات الشخصية التي تساعد الناس على التواصل.
وقال زوكربيرغ آنذاك إن التغيير قد يضر بتفاعل المستخدمين، لكنه اعتقد أن «فعل الشيء الصحيح» سيكون مفيدًا للمجتمع ولأعمال الشركة على المدى الطويل. غير أن تحقيقًا لاحقًا ضمن «ملفات فيسبوك» عام 2021، أعده هورويتز وكيش هاغي، أظهر أن موظفين حذروا من أن إعطاء الأولوية لهذه التفاعلات كان يدفع المستخدمين إلى مشاركة أكثر غضبًا.
وأظهرت الوثائق التي حصلت عليها الصحيفة أن فيسبوك كانت قلقة من انخفاض تفاعل المستخدمين عبر إعادة المشاركة والتعليق، ولذلك حاولت تشجيع المنشورات الأصلية وإعادة نشر المحتوى. وبينما وجد باحثون فوائد إيجابية للتغيير، خلصوا إلى أن «المعلومات المضللة والمحتوى السام والعنيف منتشرة بشكل غير متناسب بين المواد المعاد نشرها». وفي الفيلم، كما يبدو في الواقع، قاوم زوكربيرغ بعض مقترحات الحد من الأضرار لأنها قد تقلل التفاعل.
لكن «ميتا» قللت من أهمية دور هذا التغيير، وقال المتحدث باسمها آندي ستون للصحيفة في ذلك الوقت: «هل تغيير طريقة الترتيب هو مصدر انقسامات العالم؟ لا».
وثائق عن المراهقات وفريق النزاهة المدنية
يعرض الفيلم وثيقة داخلية حول أثر إنستغرام على صورة الجسد لدى المراهقات. وفي المشهد، تسلّم زميلة لهاوغن ذاكرة تخزين تحتوي على الدراسة، وتطلب منها كشف مضمونها قبل أن تبدأ الشركة تسويق خدمة «إنستغرام كيدز» للأطفال.
ولا يتضح ما إذا كانت هذه الزميلة شخصية حقيقية، لكن مضمون الدراسة يستند إلى بحث داخلي وجد أن 32 في المئة من المراهقات اللواتي قلن إنهن يشعرن بالسوء تجاه أجسادهن شعرن بسوء أكبر بعد استخدام إنستغرام. وكانت إنستغرام تخطط فعلًا لإطلاق خدمة مخصصة للأطفال دون 13 عامًا، لكنها أعلنت تعليق المشروع بعد وقت قصير من نشر «ملفات فيسبوك» وتصاعد المخاوف بشأنه.
ويتناول الفيلم أيضًا شخصية مستثمر مغامر، يؤديها الممثل الكوميدي بيل بور، يظهر لزوكربيرغ أثناء استعداده لجلسة الاستماع أمام الكونغرس. ويحثه المستثمر على تشديد الإشراف على الإعلانات السياسية، فيما يغضب زوكربيرغ منه بسبب مقال رأي شديد الانتقاد. ويذكّره بأنه حقق من استثماره عائدًا يعادل مئة ضعف، وأن قيمة حصته كانت ستتجاوز مليار دولار لو احتفظ بها.
الشخصية مستوحاة من المستثمر روجر ماكنامي، الذي تحول لاحقًا إلى أحد منتقدي فيسبوك وأحد المنتجين التنفيذيين للفيلم. نشر ماكنامي مقالًا في صحيفة «الغارديان» عام 2017 قال فيه إن فيسبوك وغوغل «تهددان الصحة العامة والديمقراطية»، ثم أصدر عام 2019 كتاب «زَكد: الاستيقاظ على كارثة فيسبوك».
وقال سوركين لمجلة «فانيتي فير» إن ماكنامي كان مستعدًا للظهور في الفيلم، لكن أوضح له أن تصوير الحوار بين المستثمر وزوكربيرغ بشخصيته الحقيقية قد يسبب مشكلة مع فيسبوك. لذلك تحولت الشخصية إلى نسخة خيالية مستوحاة منه.
يعكس الفيلم كذلك إعادة هيكلة فريق النزاهة المدنية الذي كان يتعامل مع مخاطر الانتخابات حول العالم، بما في ذلك التضليل. وتظهر هاوغن وهي تشعر بالإحباط عندما تفهم أن الفريق قد يُلغى وأنها ستُنقل إلى مهمة أخرى، فيما يطمئن أحد التنفيذيين العاملين فيه إلى أن مهامه ستُدمج داخل فرق أخرى، وأن ذلك قد يعود بالنفع على العمل.
وكانت هاوغن قد قالت في مقابلة مع برنامج «60 دقيقة» عام 2021: «عندما تخلصوا من فريق النزاهة المدنية، كانت تلك اللحظة التي قلت فيها: لا أثق بأنهم مستعدون لاستثمار ما يلزم فعليًا لمنع فيسبوك من أن يصبح خطرًا». وكانت تلك الفترة أيضًا عندما ردت للمرة الأولى على تواصل هورويتز معها عبر منصة لينكدإن.
ورد مسؤول «ميتا» غاي روزن آنذاك بأن الفريق لم يُحل، بل «دُمج» في فريق أكبر باسم «النزاهة المركزية»، حتى يمتد العمل الذي طُوّر لمواجهة مخاطر الانتخابات إلى قضايا أخرى، من بينها الصحة. وقال إن هذا العمل مستمر حتى اليوم.
تفاصيل واقعية عن زوكربيرغ وعلاقة المصدر بالصحفي
يشير الفيلم إلى أن مكتب زوكربيرغ مزود بوسائل حماية من الرصاص، وهي تفصيلة تستند على ما يبدو إلى الواقع. فقد ذكرت «بزنس إنسايدر» عام 2019 أن غرفة اجتماعات زجاجية الجدران كان يعمل فيها أحيانًا تحتوي على نوافذ مقاومة للرصاص وزر للإنذار في حالات الطوارئ.
كما يعرض العمل علاقة شد وجذب بين هاوغن وهورويتز، إذ يحاول الصحفي إقناعها بتقديم مزيد من المعلومات من دون تجاوز الحدود الأخلاقية المرتبطة بالحصول على وثائق سرية. وفي المقابل، تشعر هاوغن بالإحباط من بطء تقدم الصحفي وعدم إحرازه نتائج كافية بمفرده.
ويلتقي الاثنان بانتظام على مسار للمشي، قبل أن يمنح هورويتز هاوغن هاتفًا مخصصًا للتواصل السري، استخدمته لاحقًا لالتقاط صور للوثائق الداخلية. وفي مرحلة أخرى، يسافر إلى بورتوريكو لجمع مزيد من المعلومات بعدما انتقلت هاوغن إلى هناك خلال جائحة كورونا.
وتتطابق هذه التفاصيل إلى حد كبير مع المسار الحقيقي لعلاقتهما المهنية. فقد قالت هاوغن لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2021 إنها «اختبرت» هورويتز لفترة، ثم قررت منحه المعلومات لأنها رأته «أقل إثارة من الصحفيين الآخرين الذين كان يمكن أن أختارهم». واعترف هورويتز خلال حوار علني مع هاوغن عام 2022 بأن الأمور توترت بينهما أحيانًا، بسبب مخاوفها من النهج المؤسسي للصحيفة، وبسبب ارتباك في توقيت نشر بعض المعلومات من جانب صحف أخرى أو جهات عملت معها هاوغن.
انتقلت هاوغن فعلًا إلى بورتوريكو خلال الجائحة، وزارها هورويتز هناك لجمع المعلومات، لكن توقيت تلك الرحلات اختلف عن الفيلم. وكانت هاوغن قد دعته إلى بورتوريكو بعدما اكتشفت أن سياسات فيسبوك تمنعها من العمل من إقليم تابع للولايات المتحدة، ما وضعها أمام خيار الاستقالة أو الانتقال. اختارت الاستقالة، وهو ما منح الاثنين فترة أخيرة للوصول إلى الوثائق الداخلية في فيسبوك.
وقالت هاوغن لهورويتز خلال الحوار نفسه عام 2022 إنها ممتنة للجهد الكبير الذي بذله ليكون حاضرًا، وللتأكد من طرح أكبر عدد ممكن من الأسئلة حتى يسجل التاريخ ما حدث بطريقة ما.
المصدر: تركيا عاجل




