بعد خمس سنوات من إطلاق Windows 11، تدفع مايكروسوفت النظام نحو تحول جديد بدل الانتقال سريعًا إلى Windows 12، إذ كشفت هذا الأسبوع عن خطة لإدماج وكلاء الذكاء الاصطناعي و«الذكاء الهجين» في ويندوز، مع تشغيل نماذج محلية على الحاسوب بدل إرسال كل المهام إلى خدمات سحابية مرتفعة التكلفة.
وجاء الإعلان خلال فعالية خصصتها الشركة لنظامي Windows وSurface، حيث عرض الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت، ساتيا ناديلا، رؤيته لما وصفه بمرحلة جديدة من منظومة الحوسبة. وقال إن هذا اليوم قد يكون بداية الحديث والتفكير في منظومة الذكاء المتقدمة «بملامح مختلفة قليلًا».
ويعني الاتجاه الجديد أن ويندوز لن يكتفي بتنفيذ أوامر المستخدم، بل سيحاول تشغيل وكلاء قادرين على إنجاز مهام نيابة عنه، مع توزيع العمل بين نماذج محلية مجانية ونماذج سحابية أكثر قوة. وبدل أن تركز مايكروسوفت على إطلاق نظام جديد بالكامل، يبدو أن Windows 11 سيبقى أساس مشروعها المقبل.
وبعدما حاول ناديلا الشهر الماضي إقناع الشركات بأهمية إصدار جديد من كوبايلوت، اتخذ خلال الفعالية نهجًا مشابهًا في عرضه للوكلاء والذكاء الهجين في ويندوز. وبدا حديثه، في بعض أجزائه، موجهًا إلى الشركات مجددًا، خصوصًا عند تطرقه إلى الأمن والهوية وإدارة المنصة المخصصة لتأمين الوكلاء، أكثر من توجيهه إلى مطوري الذكاء الاصطناعي والمبدعين ومستخدمي ويندوز العاديين.
رهان على المطورين وصناع المحتوى
انتقل رئيس ويندوز، بافان دافولوري، إلى المسرح لشرح أهمية الوكلاء والذكاء الهجين للمستخدمين. وشملت العروض تشغيل غيت هب كوبايلوت محليًا من دون استهلاك رموز سحابية مدفوعة، إلى جانب قائمة طويلة من النماذج التي يمكن تشغيلها على الحاسوب، وتجارب لوكلاء مثل أوبن كلاو وهيرمس وبربلكسيتي، فضلًا عن دمج أعمق لمساعد كوبايلوت داخل ويندوز.
لكن هذه العروض لم توضح بعد الفائدة العملية التي سيحصل عليها مستخدم ويندوز العادي. فقد بدت موجهة بدرجة أكبر إلى مطوري الذكاء الاصطناعي والمبرمجين وصناع المحتوى، وهم الفئة التي تراهن عليها مايكروسوفت أولًا لبناء منظومة النظام الجديدة، رغم أن عددًا كبيرًا منهم يستخدم حواسيب ماك بوك برو بدلًا من أجهزة ويندوز.
وتحاول الشركة جذب هذه الفئة من خلال جهاز سيرفس لابتوب ألترا، الذي تقدمه بوصفه الجهاز الرئيسي لرؤيتها الخاصة بنظام التشغيل القائم على الوكلاء. ويعتمد الحاسوب على شرائح آر تي إكس سبارك من إنفيديا، مع قدرة رسومية كافية لتشغيل نماذج محلية يتجاوز عدد معلماتها 120 مليارًا.
وقال دافولوري إن الجهاز صُمم للمطورين وصناع المحتوى الذين يدفعون حدود الأداء، ويريدون قابلية النقل إلى جانب جودة تصنيع استثنائية.
ولا يقتصر سوق أجهزة آر تي إكس سبارك على سيرفس لابتوب ألترا، إذ توجد حواسيب مشابهة من أسوس وديل وإتش بي ولينوفو وإم إس آي. ويبدأ سعر جهاز مايكروسوفت من 2599 دولارًا، بينما يصل سعر بعض الحواسيب المزودة بهذه المنصة إلى 6999 دولارًا.
ويقترب هذا السعر من أعلى فئات ماك بوك برو، ما يجعل شراء الجهاز منطقيًا أساسًا لمن يحتاجون إلى 128 غيغابايت من الذاكرة الموحدة أو إلى قدرة كبيرة لتشغيل النماذج محليًا. وقد يكون السعر مبررًا لمطوري الذكاء الاصطناعي إذا أتاحت لهم المعالجة المحلية توفير آلاف الدولارات التي كانوا سينفقونها على تكاليف استخدام الخدمات السحابية.
إضافة أوضح للمستخدم العادي
أما بالنسبة إلى بقية المستخدمين، فلم تقدم الفعالية عددًا كبيرًا من الاستخدامات اليومية المقنعة. وكان الاستثناء الأبرز واجهة بحث ويندوز الجديدة، التي أعادت مايكروسوفت تصميمها لتصبح أكثر حداثة وأسرع بكثير من الإصدار السابق.
وتعرض الواجهة النتائج داخل الصفحة مباشرة، كما تتيح استخدام البحث بطريقة أقرب إلى مشغل التطبيقات. ويأتي ذلك بعد أن اعتاد بعض المستخدمين تعطيل نتائج بينغ داخل بحث ويندوز، بسبب عدم رغبتهم في ظهورها ضمن نتائج البحث المحلية.
لم يكن متوقعًا أن تكشف مايكروسوفت خلال الفعالية عن Windows 12، لكن كان من المنتظر الحصول على شرح أوضح للسبب الذي يجعل حواسيب آر تي إكس سبارك مهمة فعلًا، لا سيما خارج دائرة المطورين المتخصصين.
وقال دافولوري إن الشركة تبني مستقبلًا يعتمد على وكلاء يعملون بأمان نيابة عن المستخدم، وذكاء ينتقل بسلاسة بين المعالجة المحلية والسحابة، وأجهزة تصبح أكثر قدرة من أي وقت مضى.
تجربة Copilot Plus تفرض حذرًا أكبر
لا تزال مايكروسوفت في المراحل الأولى من هذا الرهان. فقد طرحت قبل عامين حواسيب كوبايلوت بلس مع تركيز كبير على وحدات المعالجة العصبية «إن بي يو»، التي قيل إنها ستغير طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي في الحواسيب اليومية، لكن استخدامها بقي محدودًا حتى الآن في عدد قليل من أدوات الصور والفيديو والإنتاجية.
وكانت ميزة ريكول، التي تعتمد على إمكانات هذه الوحدات، مرشحة لتكون أبرز تطبيقات إن بي يو، إلا أن مخاوف الخصوصية وتأخر إطلاقها جعلاها تفقد أهميتها العملية بدل أن تصبح نقطة جذب رئيسية.
وقد تمنح هيمنة إنفيديا على معالجات الرسوميات منصة آر تي إكس سبارك فرصة للنجاح أكبر من حواسيب كوبايلوت بلس، لكن الأجهزة الحالية تستهدف شريحة متخصصة. وإذا أرادت مايكروسوفت وشركاؤها تجاوز تقديمها بوصفها منافسًا لأجهزة ماك بوك برو، فسيتعين عليهم نقل القدرات نفسها إلى أجهزة أرخص وأقل قوة، ثم إثبات أسباب عملية تجعل مستخدم ويندوز العادي يهتم بها.
وتختلف هذه الأجهزة عن حواسيب كوبايلوت بلس في أن جمهورها المستهدف لديه سبب مباشر للاهتمام بالذكاء الاصطناعي المحلي. فالمطورون وصناع المحتوى يحتاجون إلى تشغيل نماذج كبيرة، ويمكنهم تقليل نفقات الخدمات السحابية بدرجة ملموسة من خلال تشغيلها على أجهزتهم.
منافسة تتجاوز الحاسوب التقليدي
بالنسبة إلى مايكروسوفت، يمثل المطورون وصناع المحتوى أولوية في هذه المرحلة، ليس فقط لأنهم سيشترون الأجهزة الجديدة، بل لأن مستقبل التطبيقات نفسه قد يتغير. فالوكلاء الذين يعملون سحابيًا على أجهزة افتراضية بنظام لينكس قد يفتحون الباب أمام موجة غير مسبوقة من توافق تطبيقات سطح المكتب مع لينكس.
وتحتاج مايكروسوفت إلى مواجهة هذا الاحتمال بجعل ويندوز أكثر ملاءمة للوكلاء. وربما يفسر ذلك الوقت الذي أمضاه ناديلا والرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، جينسن هوانغ، في استعادة ذكريات البدايات الأولى للحواسيب والرسوميات خلال الفعالية.
لا تبدو مايكروسوفت مستعدة للتخلي عن هيمنة الحاسوب الشخصي وتوافق التطبيقات، وهما ميزتان بنت عليهما نفوذها لعقود. لكنها تدرك في المقابل أن طريقة استخدام الناس للحواسيب تتغير، وأن ويندوز لن يستطيع الاعتماد إلى الأبد على مزاياه التاريخية وحدها.
لهذا تسارع الشركة إلى إدخال وكلاء الذكاء الاصطناعي والذكاء الهجين في النظام؛ فمع انتقال الحوسبة تدريجيًا إلى ما بعد نموذج الحاسوب الشخصي التقليدي، تريد مايكروسوفت أن يبقى ويندوز في مركز المشهد، حتى لو لم يكن الانتقال إلى Windows 12 هو الخطوة التالية.
المصدر: theverge