حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الفارين من العدالة من الاعتقاد بأن مغادرة البلاد تضمن لهم الإفلات من المحاسبة، مؤكدًا خلال قمة العدالة الدولية في إسطنبول أن العدالة التركية ستفعل ما يلزم عاجلًا أو آجلًا. وكشف عن إعادة 294 شخصًا إلى تركيا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، إلى جانب جلب 736 شخصًا في عمليات بحث دولية مختلفة.
رسالة إلى الفارين من العدالة
وقال أردوغان إن أي شخص يخرج عن القانون، سواء كان مجرمًا عاديًا أو تاجر مخدرات أو عضوًا في تنظيم إرهابي أو عصابة جريمة منظمة، لا ينبغي أن يجد الراحة والأمان في أي مكان من العالم. وأضاف أن من يرتكب جريمة ثم يغادر البلاد معتقدًا أنه يستطيع الإفلات من العدالة، «أينما اختبأ، يجب ألا يشعر بالأمان»، مؤكدًا أن تركيا مصممة على ضمان وصول العدالة إليه.
وأشار الرئيس التركي إلى أن عصابات الجريمة المنظمة تستخدم مؤسسات النقود الإلكترونية، والأصول المشفرة، والمحافظ الباردة، ومنصات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع. واعتبر أن نجاح مكافحة الجرائم العابرة للحدود يرتبط مباشرة بمستوى التعاون بين الدول.
وأوضح أن إعادة 294 شخصًا إلى تركيا خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، إضافة إلى جلب 736 شخصًا خلال الفترة نفسها في عمليات بحث مختلفة، تبرز أهمية التعاون القضائي الدولي. وشدد على أن الاستجابة للطلبات العادلة تمثل أساسًا لهذا التعاون، قائلًا إن العدالة التركية «ستفعل ما يلزم حتمًا، عاجلًا أم آجلًا».
انتقادات للنظام الدولي
خصص أردوغان جانبًا واسعًا من كلمته لتقييم النظام الدولي، مؤكدًا أن الدول والشعوب تختلف في دساتيرها وأنظمتها القانونية وإجراءاتها القضائية وتقاليدها، لكن مفهوم العدالة يبقى مشتركًا بينها. وعرّف العدالة بأنها رد الحق إلى صاحبه، وحماية الضعيف من استبداد القوي، وحماية المظلوم من الظالم، معتبرًا أنها الأساس الذي تُبنى عليه الدولة والهدف المشترك للإنسانية.
وقال إن العدالة لا يمكن أن تتحقق عندما تُهمَل الضمائر والإنصاف، أو عندما تُتجاهل المساواة أمام القانون، أو حين يختل التوازن بين المكافأة والعقوبة وتتآكل الحقوق والحريات.
ولفت إلى أن ميثاق الأمم المتحدة، الذي وُقّع في سان فرانسيسكو قبل 81 عامًا وشكّل الأساس القانوني للنظام الدولي الحالي، يضع الحفاظ على السلام والأمن الدوليين في مقدمته، مشددًا على أن السلام والأمن لا يمكن تحقيقهما من دون عدالة.
وانتقد أردوغان نظامًا دوليًا قال إنه يعاني تراجعًا في الثقة والمصداقية، من حيث التمثيل والوظيفة والشرعية. وأشار إلى أن إرادة أكثر من 90% من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تبقى مرتبطة بقرارات خمسة أعضاء فقط يتمتعون بحق النقض، معتبرًا أن هذه البنية ليست عادلة ولا سليمة.
قال أردوغان إن القانون الدولي بات شبه معلّق، وإن الاتفاقيات الدولية فقدت، على حد تعبيره، قوتها، بينما لا تُطبّق قرارات المحاكم الدولية كما ينبغي. وأضاف أن القواعد والمعايير التي يفترض أن تكون في مركز النظام الدولي «دُست بالأقدام»، واصفًا المنظومة بأنها لا تصمد أينما أُمسك بها.
غزة والقدس في صدارة الخطاب
تطرق الرئيس التركي إلى الاقتحامات التي تتعرض لها الأماكن المقدسة في القدس، قائلًا إن تغيير وضعها التاريخي والقانوني يُراد فرضه بالقوة. كما اتهم إسرائيل بالنظر إلى جيرانها، والمنطقة عمومًا، باعتبار أمنها واستقرارها تهديدًا مباشرًا لها، وانتقد المجتمع الدولي لعدم إبداء الرد الضروري وعدم تشغيل آليات القضاء والعقوبات بالشكل المطلوب.
وقال إن تركيا أوضحت موقفها من خلال تقديم طلب للتدخل في الدعوى المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية، ووقف جميع معاملاتها التجارية مع إسرائيل، وإصدار نشرات حمراء بحق المتسببين الرئيسيين في الهجوم المسلح على أسطول «الصمود» العالمي.
ووصف أردوغان ما يجري بأنه اختبار للإنسانية ولصدق المجتمع الدولي، مؤكدًا أن تركيا قد تتحمل الصعوبات، لكنها لن تدير ظهرها للأشخاص الذين يعقدون عليها آمالهم أو يتعرضون للظلم.
وأضاف أن أحدًا لا يستطيع وصف النظام الدولي بأنه عادل ما لم يمثل المسؤولون عن الإبادة الجماعية المرتكبة في غزة أمام القضاء. كما قال إن نظام الأمم المتحدة لا يمكن اعتباره شرعيًا ومنصفًا ما لم يعكس الإرادة الدولية، وإن منظومة لا تُعترف فيها بقرارات المحاكم الدولية أو لا تُنفذ أو حتى لا تؤخذ في الاعتبار، لا يمكن أن تنتج السلام والأمن.
فجوة متزايدة في الثروة والعدالة
انتقد أردوغان كذلك اتساع الفجوة بين الدول، خصوصًا في مجالي الأمن الغذائي وعدالة توزيع الدخل. وقال إن جزءًا من العالم يكافح للبقاء في ظروف شديدة القسوة، وسط الفقر والحرمان، بينما يستفيد جزء آخر من جميع مزايا النظام ويعيش في الرفاه والبذخ.
وتساءل عن مدى عدالة امتلاك نخبة لا يتجاوز عددها 60 ألف شخص ثروة ودخلًا وإمكانات تفوق بثلاث مرات ما يملكه أربعة مليارات إنسان، معتبرًا أن هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا حول الإنصاف في النظام العالمي.
وفي ختام كلمته خلال برنامج قمة العدالة الدولية في إسطنبول لعام 2026، جدّد أردوغان الدعوة التي تكررها أنقرة بقولها إن «العالم أكبر من خمسة»، في إشارة إلى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن التي تملك حق النقض.
المصدر: Türkiye Gazetesi