تكنولوجيا

الرعب يزاحم أكبر إنتاجات الألعاب والسينما.. كيف صنعت الميزانيات الصغيرة رهانًا ضخمًا؟

لم يعد الرعب نوعًا ترفيهيًا هامشيًا، بل تحول خلال عام 2026 إلى قوة رئيسية في الألعاب والسينما والتلفزيون، مدفوعًا بأعمال منخفضة التكلفة تحقق عوائد كبيرة، وبجمهور يتابع ألعاب الرعب على منصات البث قبل أن تنتقل بعض أفكارها إلى الشاشة الكبيرة.

وتقدم سلسلة Resident Evil أوضح مثال على هذا التحول. فالسلسلة، التي بدأت قبل 30 عامًا، تشهد حاليًا واحدة من أقوى فتراتها؛ إذ باعت أحدث ألعابها Resident Evil Requiem نحو 8 ملايين نسخة منذ إطلاقها في فبراير، لتصبح اللعبة الرابعة عشرة الأكثر مبيعًا في تاريخ شركة كابكوم.

وبالتزامن مع ذلك، يسير فيلم يعيد إطلاق سلسلة Resident Evil السينمائية، من إخراج زاك كريغر، مخرج فيلم Weapons، على الطريق ليصبح الأعلى إيرادًا في تاريخ أفلام السلسلة. وأدى هذا الزخم إلى تجدد الاهتمام بالألعاب القديمة أيضًا؛ إذ أفاد تقرير لموقع Game File بأن ستة عناوين مختلفة من السلسلة باعت ما لا يقل عن 3 ملايين نسخة لكل منها خلال العام الجاري.

ووصفت كابكوم هذا الأداء في تقرير أرباحها بأنه «دورة إيجابية تنمو فيها مبيعات العناوين الجديدة والقديمة معًا»، في إشارة إلى أن نجاح إصدار واحد ينعش السلسلة بأكملها بدلًا من أن يقتصر أثره على المنتج الجديد.

أفلام بميزانيات محدودة تنافس سلاسل ضخمة

لا تقتصر النهضة على Resident Evil. فالرعب، الذي كان يُنظر إليه طويلًا باعتباره نوعًا متخصصًا، استفاد من انتشار يوتيوب، وتأثير ألعاب المطورين المستقلين، وسرعة انتشار الميمات والقصص المرعبة عبر الإنترنت. ورغم أن إنتاج أعمال الرعب غالبًا ما يكون أرخص من إنتاج الأعمال الضخمة، فإن إيراداتها باتت تنافس إنتاجات ذات ميزانيات هائلة.

في دور السينما، حقق فيلما Obsession وBackrooms، اللذان أخرجهما مخرجان شابان انطلقا من يوتيوب، إيرادات اقترب مجموعها من مليار دولار. وتجاوز الفيلمان إيرادات سلاسل راسخة مثل Star Wars، بل تفوقا أيضًا على أعمال لمخرجين كبار مثل ستيفن سبيلبرغ.

وتزداد أهمية هذه الأرقام عند مقارنتها بتكلفة الإنتاج؛ فقد صُوّر Backrooms بميزانية تقديرية تبلغ 10 ملايين دولار، بينما كلف Obsession أقل من مليون دولار. وقبل ذلك، جمع فيلم الرعب المرتبط بيوتيوب Iron Lung أكثر من 50 مليون دولار من دون دعم استوديو كبير.

ولا يعني ذلك أن عام 2026 شهد أول نجاحات ضخمة للرعب. فما يزال فيلم It الصادر عام 2017 صاحب أعلى إيرادات في تاريخ أفلام الرعب، بينما باعت النسخة الجديدة من لعبة Resident Evil 2، التي صدرت عام 2019، ما يقارب 20 مليون نسخة. لكن الجديد هو تركّز النجاحات في عام واحد، وامتدادها في وقت متزامن إلى السينما والألعاب ومنصات البث.

منصات البث تجعل أكتوبر ساحة منافسة

تحولت أعمال الرعب في خدمات البث إلى وسيلة لجذب المشتركين خلال موسم الرعب في أكتوبر. وتطرح جميع المنصات الكبرى تقريبًا هذا العام مسلسلًا بارزًا أو مشروعًا مرتبطًا بالرعب لمنافسة الآخرين.

أطلقت أمازون عبر Prime Video نسخة جديدة من Carrie، المقتبسة من رواية ستيفن كينغ، من إخراج مايك فلاناغان. وكان فلاناغان قد صنع اسمه عبر خمس سلاسل رعب محدودة عرضتها نتفليكس بين عامي 2018 و2023، بدءًا من The Haunting of Hill House.

وبعد انتقال فلاناغان إلى أمازون، تراهن نتفليكس هذا العام على مسلسل Below، وهو عمل من ست حلقات عن وحش بحري، ويشارك في بطولته جوش هارتنت وتشارلي هيتون، نجم Stranger Things.

أما Peacock فتقدم عملًا تمهيديًا لسلسلة Friday the 13th بعنوان Crystal Lake، تؤدي فيه ليندا كارديليني دور والدة جيسون فورهيز. وتعرض AMC Plus مسلسل تحقيقات مرعبًا بعنوان Yaga، يضم كاري-آن موس وهَدسون ويليامز، المعروف بدوره في Heated Rivalry. كما تعرض Disney Plus الموسم الثالث عشر من مسلسل American Horror Story.

الاسم الغائب عن هذه القائمة هو Apple TV، لكنه بدأ السباق مبكرًا بإطلاق العمل الهجين بين الرعب والكوميديا Widow’s Bay في أبريل. وحصد المسلسل بعد ذلك عددًا قياسيًا من جوائز Emmy، ولا يزال حاضرًا ضمن قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة على المنصة.

ولا تتوافر بيانات المشاهدة على خدمات البث بالسهولة نفسها التي تتوافر بها أرقام شباك التذاكر، لكن استثمار كل منصة كبرى تقريبًا في مسلسلات الرعب، والاستعانة بنجوم معروفين، يشير إلى مدى ارتفاع قيمة هذا النوع بالنسبة إلى صناعة الترفيه.

الألعاب المستقلة تغذي الشاشة الكبيرة

في قطاع الألعاب، تواصل Resident Evil قيادة المشهد، لكن سلاسل أخرى استفادت من موجة الرعب الجديدة. فقد حافظت Silent Hill على مسار تصاعدي، لا سيما مع إصدار فرعها الاسكتلندي Townfall هذا العام، كما حصلت سلسلة Hellraiser الشهيرة على أول اقتباس فعلي لها في لعبة فيديو.

ولا يقتصر النجاح على الألعاب ذات الميزانيات الكبيرة. فألعاب الرعب المستقلة تحقق مبيعات ثابتة على منصات مثل Steam، كما أصبحت مصدرًا لأفلام سينمائية حققت نجاحًا متوسطًا، من بينها Iron Lung وExit 8.

ويبدأ جزء كبير من هذا المسار من المشاهدة، لا من الشراء المباشر. فالمستخدمون يتابعون لاعبي الرعب على تويتش ويوتيوب، ثم تنتقل الشخصيات والأفكار التي يكتشفونها إلى ألعاب وأفلام جديدة. ووفق بيانات تويتش، شاهد الجمهور 287 مليون ساعة من محتوى الرعب بين يناير وسبتمبر من هذا العام، كما ارتفعت مشاهدات الوسم المخصص «الرعب» بنسبة 6% مقارنة بالعام الماضي.

تدفع هذه العلاقة بين المشاهدة واللعب والسينما الشركات إلى البحث عن المشروع التالي القادر على تكرار نجاح Backrooms أو Five Nights at Freddy’s، حتى لو بدأ كفكرة منشورة على الإنترنت أو كلعبة مستقلة محدودة الميزانية.

استثمارات جديدة ومخاطر محسوبة

تتحرك الاستوديوهات للاستفادة من إمكانية تحقيق أرباح كبيرة باستثمارات أولية صغيرة نسبيًا. ووفق ما أوردته التقارير، وقّع كين بارسونز على مشروع جزء ثانٍ من Backrooms، بينما يستعد كاري باركر، مخرج Obsession، لطرح فيلم جديد العام المقبل. كما يحظى الفيلم المقبل للمخرج زاك كريغر بدعم عدد من النجوم المعروفين.

وتبحث الشركات عن أفكار جديدة في مجتمعات الإنترنت. وتعمل شركتا A24 وNeon على فيلمين متنافسين تدور أحداثهما في عالم SCP Foundation، وهو مشروع جماهيري واسع ومخيف عن منظمة غامضة تخفي كيانات خارقة للطبيعة وظواهر غير قابلة للتفسير. غير أن جذور المشروع في نظام Creative Commons أثارت بعض الجدل حول طريقة استخدامه تجاريًا.

كما حصلت Warner Bros. على حقوق ظاهرة الإنترنت Siren Head. وفي الوقت نفسه، استقرت سلسلتا Silent Hill وResident Evil على جدول إصدارات يقترب من إصدار سنوي، ولا تظهر مؤشرات على تباطؤه. وقالت كابكوم إن النجاح المتواصل لـResident Evil ساهم في تسجيل الشركة رقمًا قياسيًا جديدًا للمبيعات الفصلية.

وتستمر منصات البث في زيادة رهاناتها أيضًا؛ فقد استقطبت أمازون فلاناغان من نتفليكس بعقد حصري، بينما استثمرت إكس بوكس، التي تواجه صعوبات في السوق، في جلب لعبة الرعب OD من تصميم هيديو كوجيما إلى أجهزتها.

ولا تضمن هذه الاستثمارات نجاح كل مشروع. فليس كل ميم مرعب قادرًا على التحول إلى ظاهرة بحجم Backrooms، كما أن النجاح في وسيط لا ينتقل بالضرورة إلى وسيط آخر؛ فقد عادت Silent Hill لتصبح قوة مؤثرة في الألعاب، بينما لم يترك أحدث أفلامها أثرًا كبيرًا لدى الجمهور.

ويشمل التوسع مجالات جديدة مثل الأعمال التفاعلية؛ إذ تستكشف نتفليكس هذا الشكل عبر Unhinged ومشروع فرعي مرتقب من عالم The Conjuring. كما أدخلت النسخة الجديدة من Carrie تغييرات كبيرة على القصة، وشرح فلاناغان في مقابلة مع Collider أسباب تحديثه للحبكة.

وعلى مستوى الأفلام، لم يقتصر نجاح 2026 على الإيرادات؛ فقد شهد العام أعمالًا حظيت بإشادة ضمن النوع، من بينها Send Help وHokum و28 Years Later: The Bone Temple. كما سلطت The New Yorker الضوء على الدور الذي لعبه يوتيوب في اكتشاف مخرجين جدد لأفلام الرعب، بينما ناقش جوردان بيل، المعروف بقدرته على المزج بين الرعب والكوميديا، العلاقة الوثيقة بين النوعين في مقابلة قديمة مع صحيفة The Guardian.

وقد لا يتحول كل مشروع إلى نجاح جماهيري، لكن انخفاض تكاليف الإنتاج يمنح الاستوديوهات وشركات البث وناشري الألعاب مساحة أكبر للمجازفة. والمفارقة أن انتشار الرعب تجاريًا قد لا يجعله أكثر نمطية؛ فطالما ظل الباب مفتوحًا أمام الأفكار غير المألوفة، ستبقى قدرته على تقديم شيء جديد أحد أهم مصادر قوته.

المصدر: theverge

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى