12 طاهياً يكتشفون الوجه الأقل شهرة لمطبخ غازي عنتاب عبر 73 محطة

تحولت مدينة غازي عنتاب التركية إلى مسار مفتوح لاكتشاف المطبخ المحلي، بعدما خاض 12 طاهياً معروفاً جولة تذوق شملت 73 محطة ضمن مهرجان «غاسترو عنتاب» لطريق الثقافة، الذي تنظمه وزارة الثقافة والسياحة التركية. ولم تقتصر الجولة على البقلاوة والكباب، إذ ركزت على أطباق أقل شهرة، مثل اليولاما والبيران والشيفيديز، وعلى قصص المطاعم العريقة والحرفيين الذين حافظوا على هذه الوصفات.
وجاءت الجولة في إطار «مشروع نقاط التذوق» الذي تنفذه وكالة الترويج والتنمية السياحية التركية (TGA)، بهدف تعريف الزوار بأبرز العناوين في المدينة، من مطاعم التجار والمطاعم المحلية إلى المقاهي التاريخية ومحال البقلاوة والمطاعم المتخصصة في الأطباق التقليدية.
73 محطة في مدينة مدرجة على قائمة اليونسكو
يُعد مهرجان «غاسترو عنتاب» محطة غازي عنتاب ضمن مهرجان «طريق الثقافة التركي»، وقد وضع التراث الغذائي للمدينة في قلب برنامجه. ويستند هذا المطبخ إلى تراكم تاريخي تشكل عبر قرون بين الأناضول وبلاد الرافدين، ويمتاز باستخدام التوابل، وأطباق اللحوم والخضراوات، وتقنيات الطهي التقليدية، والخبرة التي تنتقل من جيل إلى آخر.
وأدرجت منظمة اليونسكو غازي عنتاب ضمن شبكة المدن الإبداعية في مجال فنون الطهي عام 2015. وحددت الجهات المنظمة 73 «نقطة تذوق» تشمل مطاعم شعبية عريقة، ومقاهي تاريخية، ومحال متخصصة في البقلاوة، ومطاعم تقدم أطباق المنطقة. وزار الطهاة والخبراء هذه المواقع لتجربة الأطعمة في أماكن إعدادها والتعرف إلى طرق إنتاجها والمواد المحلية المستخدمة فيها.
استضاف البرنامج الطاهيان دوغا تشيتشي ومحمد يالتشينكايا، عضو لجنة تحكيم برنامج «ماستر شيف». وشارك في الجولة كل من أحمد غوزلياغدُوكن، وأوموت كاراكوش، وعمر أكور، وإرشان يلماز، وهم طهاة مدرجون في قائمة التوصيات الخاصة بدليل «ميشلان»، إضافة إلى تامر أوزكان، الحاصل على جائزة «بيب غورماند» من الدليل.
كما حضر الطهاة سيلين ماغزالجي أوغلو، وشفق إرتن، وهارون راشد دونماز، وجلال غوركان يلماز، وغوخان علي جامكيرتن، إلى جانب الكاتبة هلال قاييش سونغور، والباحثة في الغذاء وثقافة الطعام كوبرا يوزونجوييل. وأكد المشاركون أن مطبخ غازي عنتاب لا يختزل في الكباب واللحم بالعجين والبقلاوة، بل يمتد إلى أطباق القدور، والمحاشي، والشوربات، والمعجنات المحلية.
طهاة يرشحون أطباقاً لا يعرفها كثير من الزوار
شملت الجولة أطباق البيران، واليولاما، والشيفيديز، وعلي نازيك، وكرات اللحم الصغيرة الحامضة، والمحاشي المجففة، والقطمير، والبقلاوة العنتابية. كما تناول المشاركون أهمية المهارة اليدوية في إعداد الوصفات التقليدية، ودور المنتجات المحلية في منح أطباق المدينة مذاقها المميز.
وقال محمد يالتشينكايا إن اقتراح ثلاثة أطباق فقط لزائر غازي عنتاب «سيكون ظلماً حقيقياً» للمدينة، موضحاً أن الزائر يستطيع اختبار أطعمة مختلفة من الفطور حتى العشاء. ورشح في فترة الظهيرة اليولاما، وطبق «أنالي قزلِّي» الذي يعني «الأم وابنتها»، والمحاشي المجففة، بينما اقترح في المساء علي نازيك وأنواعاً مختلفة من الكباب، مع البقلاوة والقطمير كخيارين لا غنى عنهما.
وأوضح يالتشينكايا أن موقع المدينة بين بلاد الرافدين ووقوعها على طرق التجارة التاريخية، إلى جانب وفرة التوابل، عوامل ساهمت في تشكيل مطبخها. وأضاف أن معجون الطماطم المحضر بالاستفادة من أشعة الشمس، والفلفل والباذنجان والكوسا المجففة، وغيرها من المنتجات المحلية، تمنح المطبخ العنتابي شخصيته الخاصة.
وأشار إلى أن من أبرز خصائص غازي عنتاب إمكانية تقديم الأطعمة التقليدية التي كانت تُحضّر في المنازل داخل المطاعم، ما يتيح للزائر تجربة وصفات منزلية خارج نطاق الأسرة. ولفت إلى أن مشروع «نقاط التذوق» لا يسلط الضوء على الأطباق المعروفة فحسب، بل يزيد أيضاً من ظهور المنتجات المحلية الأقل شهرة والمنشآت التي تقدمها، ويساعد الزائر على اكتشاف المدن عبر مسارات غذائية واضحة تمتد من غازي عنتاب إلى أضنة ومرسين وديار بكر وماردين.
بدوره، قال دوغا تشيتشي إن مطبخ غازي عنتاب يستند إلى تراكم تاريخي يمتد آلاف السنين، متأثراً بالحضارات التي تعاقبت على المنطقة، وبموقع المدينة على طريق الحرير وانفتاحها على شرق المتوسط، فضلاً عن المنتجات التي تنمو في أراضي بلاد الرافدين الخصبة. وشدد على أن المدينة «ليست مجرد بقلاوة ولحم بعجين وكباب»، بل تضم أطباق قدر غنية ومتنوعة.
وذكر تشيتشي أن اليولاما من الأطباق البارزة على المائدة العنتابية، ولا سيما في صباح أيام العيد، كما أشار إلى كرات اللحم الصغيرة المحضرة بطريقة «أقيتمالي»، والبطاطا باللبن، ومحشي العريس. وشرح أن محشي العريس كان يُحضّر تقليدياً من جانب الحموات لأزواج بناتهن، ثم يُرسل إلى منزل الابنة، في تقليد عائلي بقي حاضراً إلى جانب الوصفة نفسها.
وللزائر الذي يزور غازي عنتاب للمرة الأولى، رشح تشيتشي البقلاوة العنتابية، واليولاما، واللحم بالعجين على الطريقة العنتابية، موضحاً أن مذاق هذه الأطباق يبلغ ذروته عند تناولها في المدينة التي نشأت فيها. كما رأى أن مهرجان طريق الثقافة، الذي يقام للعام الرابع، ساعد في الوصول إلى شرائح جديدة من الزوار، وأن التعاون بين وزارة الثقافة والسياحة ووكالة الترويج والتنمية السياحية التركية يعزز قيمة المدينة في سياحة الطعام.
البقلاوة والقهوة تحملان تاريخ المدينة
وقال جوشقون كوجاك، مؤسس «كوجاك باكلافا»، إن سر البقلاوة العنتابية يقوم على اجتماع المواد الخام عالية الجودة مع الخبرة وتقنيات الإنتاج الصحيحة. وأوضح أن الخصائص الجغرافية للمنطقة وتاريخها ينعكسان على المطبخ، وأن جودة المنتجات المزروعة محلياً تؤثر بصورة مباشرة في مذاق البقلاوة التقليدية.
وأضاف أن منشأته تحافظ على أسلوب الإنتاج التقليدي، وتركز على إبقاء المذاق الخاص للبقلاوة الكلاسيكية بدلاً من الانشغال بتطوير أصناف كثيرة. وأكد أن صناعة البقلاوة لا تبدأ عند مرحلة الخَبز أو التجميع، بل تشمل اختيار المواد الخام وتوفيرها وحفظها في الظروف المناسبة. ورشح للزوار البقلاوة العنتابية والبيران واليولاما، معتبراً أن هذه الأطباق الثلاثة تعكس جوانب مختلفة من ثقافة المدينة الغذائية، كما رأى أن المهرجان يوفر فرصة لدعم المنتجين التقليديين والتعريف بالمذاقات المحلية للزوار الأتراك والأجانب.
أما محمد حلمي باججي، المشرف من الجيل الخامس على «مقهى تحميس التاريخي»، فأوضح أن تاريخ المكان يعود إلى عام 1635، وأنه ما زال يحافظ على ثقافة المقاهي التاريخية في غازي عنتاب. وكان المكان قد أسسه تركمن آغاسي مصطفى بك، واستخدم في الماضي مورداً مالياً لدير الدراويش المولوي، فيما خصصت عائداته لتعليم الأطفال وأعمال الخير.
وتحدث باججي عن قهوة المننغيتش، وهي من أشهر منتجات المقهى، موضحاً أنها تُصنع من ثمار نوع من الفستق البري. وتُجمع الثمار ثم تُحمّص وتُدق حتى تتحول إلى قوام يشبه المعجون، قبل استخدامها في إعداد القهوة. وتُحضّر القهوة تقليدياً بالحليب، ما يمنحها مذاقاً لطيفاً وسهل الشرب، وهو ما جعلها محط اهتمام الزوار. كما أوصى القادمين إلى غازي عنتاب بتجربة قهوة المننغيتش والبقلاوة العنتابية وكباب المدينة.
طبق البيران يحتاج إلى 13 ساعة من التحضير
في مطعم «متانت لوكانتاسي»، قال أنس أتا سيفن، ممثل الجيل الثالث من العائلة، إن المنشأة تواصل عملها منذ عام 1975، وتقدم البيران واللحم بالعجين وأنواع الكباب. وأوضح أن البيران، الذي يفضله سكان غازي عنتاب في الوجبة الأولى من اليوم، هو الطبق الأكثر جذباً للزبائن، لكنه يحتاج إلى إعداد طويل ودقيق.
ويتكون البيران من لحم الضأن والأرز والثوم والفلفل والمرق والدهون. ويُطهى اللحم لنحو 12 إلى 13 ساعة، ثم يُنزع عن العظم ويُمزج مع بقية المكونات قبل تقديمه. ويرى أتا سيفن أن طول عملية الطهي يجسد طبيعة الإنتاج التقليدي القائم على الجهد في مطبخ المدينة، وقد رشح للزوار البيران والبقلاوة وسندويتش الحمص. كما أشار إلى أن استخدام التوابل الخاصة بأطباق غازي عنتاب يمنحها مذاقاً مختلفاً، وأن المهرجان يساعد الزوار القادمين من خارج المدينة على التعرف إلى المأكولات المحلية ويوسع نطاق وصول المطاعم إلى الجمهور.
وفي مطعم «يسمك غازي عنتاب مطبخ»، أكد الطاهي محمد يلدريم أن تقديم أطعمة غازي عنتاب المنزلية داخل المطاعم يمثل تطوراً مهماً لسياحة الطعام. وقال إن قصة المطعم بدأت عام 1989 عندما افتتح نجدت أولجا أول منشأة، بعدما كان الزائر الراغب في تذوق الأطباق المحلية يحتاج غالباً إلى أن يكون ضيفاً على مائدة عائلة.
وأوضح يلدريم أن نقل وصفات المنزل إلى قوائم المطاعم أتاح للزوار الأتراك والأجانب تجربة أطباق مرتبطة بمواسم مختلفة من السنة. ورشح البيران واليولاما والشيفيديز، مشيراً إلى أن من خصائص المطبخ العنتابي الاستفادة من المكونات وعدم هدرها؛ فالممارسات التي توصف اليوم بأنها «صفر نفايات» مطبقة في مطبخ المنطقة منذ سنوات طويلة، إذ تستخدم قشور الخضراوات والخبز ومكونات أخرى في إعداد أطعمة مختلفة.
وتضم قائمة المطعم اليولاما، وكرات اللحم الصغيرة الحامضة، والبيران، والكبة المحشوة، والمحاشي المجففة بزيت الزيتون، وفطيرة الجبن العنتابي. وذكر يلدريم أن الأطباق تُحضّر يومياً وباستخدام منتجات موسمية قدر الإمكان، وأن الطزاجة والموسمية والإنتاج اليومي عناصر أساسية في الحفاظ على الوصفات التقليدية.
قدمت نقاط التذوق الـ73 تراث غازي عنتاب الغذائي من خلال الأطباق نفسها، وكذلك عبر قصص الطهاة وأصحاب المنشآت العريقة الذين يواصلون نقل طرق التحضير من جيل إلى آخر. وامتدت الخريطة من البيران واليولاما إلى البقلاوة والقطمير، ومن المقاهي التاريخية إلى مطاعم التجار، لتمنح الزائر فرصة اكتشاف جوانب متعددة من مطبخ المدينة.
وتسعى وكالة الترويج والتنمية السياحية التركية من خلال مشروع «نقاط التذوق» إلى زيادة ظهور المنشآت المحلية والتعريف بالوصفات التقليدية وأساليب إنتاجها والتراكم الثقافي المرتبط بها. وبهذا وضع مهرجان «غاسترو عنتاب» المطبخ المحلي في موقع بارز ضمن سياحة الطعام، من دون حصر هوية المدينة في الأطباق الثلاثة الأكثر شهرة.
المصدر: Türkiye Gazetesi




