ارتفاع الإيجارات في سوريا بين نقص المعروض وتحول العقار إلى أداة ادخار

تواجه سوق الإيجارات في سوريا ارتفاعات قياسية أثقلت ملايين العائلات وسط تراجع القدرة الشرائية، فيما يربط باحثان اقتصاديان الأزمة باختلالات هيكلية تشمل تراجع المعروض السكني، وغياب البيانات المنظمة، وتحول العقار لدى بعض المالكين والمستثمرين إلى أداة للادخار وحفظ قيمة الثروات.
فجوة سكنية بعد سنوات الحرب
يربط الباحث الاقتصادي ياسر الحسين الارتفاع الحاد في بدلات الإيجار باختلال كبير بين العرض والطلب. فقد لحقت أضرار جسيمة ومباشرة بآلاف الوحدات والكتل السكنية خلال سنوات الحرب، بالتزامن مع موجات عودة السكان والنازحين إلى مراكز المدن، ما أوجد فجوة كبيرة بين الطلب على المساكن والمعروض منها.
ويشير الحسين إلى أن قدرة السوق المحلية على ضخ وحدات سكنية جديدة باتت شبه مقيدة بفعل الارتفاع الحاد في تكاليف مواد البناء والإكساء. ويرتبط تحريك القطاع وزيادة المعروض السكني، بحسبه، بقدرة المالكين والمستثمرين على تأمين تمويل للترميم والتشييد.
كما ترتبط إعادة الأبنية المتضررة إلى الاستخدام السكني بتوافر البنية التحتية والخدمات الأساسية، مثل المياه والكهرباء وشبكات الصرف الصحي، بما يسمح بتحويلها إلى وحدات قابلة للسكن والاستخدام.
غياب البيانات يترك الأسعار لتقديرات المالكين
يسلط الباحث الاقتصادي يونس الكريم الضوء على جانب تنظيمي غائب في السوق، يتمثل في عدم وجود بيانات أو خرائط استرشادية رسمية وشاملة تحدد سقوف الإيجارات أو متوسطاتها في المدن والأحياء.
وبسبب هذا الفراغ المعلوماتي، أصبح تحديد قيمة الإيجار خاضعًا بدرجة كبيرة لتوقعات المالكين وتقديراتهم الفردية، إلى جانب قدرة المستأجر على التفاوض، بدل الاستناد إلى مؤشرات سوقية واضحة ومدروسة.
ويرى الكريم أن الاضطرابات النقدية الحادة وتراجع قيمة العملة المحلية، إلى جانب ضعف البدائل الاستثمارية المتاحة في سوريا وبطء عوائدها، ارتبطت بتحول وظيفة العقار في السوق السورية. فبعد أن كان وسيلة لتأمين المأوى والخدمة السكنية، أصبح لدى بعض المستثمرين أداة مالية للادخار وحفظ قيمة الثروات من التآكل.
تسعير بالدولار وعقود قصيرة يضغطان على المستأجرين
وأشار الكريم إلى أن المخاوف المستمرة من تراجع القدرة الشرائية للعملة دفعت بعض المالكين إلى اللجوء إلى خيارات وصفها بأنها غير قانونية، من بينها تسعير بدلات الإيجار بالدولار الأميركي أو بما يعادله في السوق، بهدف حماية أرباحهم.
كما باتت توقعات التضخم المستقبلي تنعكس على الشروط التعاقدية، إذ يفرض بعض المؤجرين شروطًا معقدة وقاسية وقصيرة المدة، بما يتيح رفع بدلات الإيجار دوريًا ومجاراة التضخم. ويضع ذلك المستأجر السوري أمام خطر الإخلاء أو الرضوخ لزيادات متتالية في بدل الإيجار.



