أعاد اتفاق التعاون الدفاعي بين تركيا وفرنسا، الموقّع في 3 أكتوبر، فتح النقاش في اليونان حول قدرة حكومة كيرياكوس ميتسوتاكيس على عرقلة التعاون العسكري بين أنقرة والدول الأوروبية. وخلص تحليل نشره موقع Militaire.gr إلى أن اندماج تركيا في شبكات الإنتاج الدفاعي الأوروبية قد يكون أهم من امتلاكها طائرات مقاتلة أو صواريخ بعينها.
وكتب جورجيوس فاسيلياديس أن الشراكات التي تطورها تركيا مع الدول الأوروبية تتجاوز صفقات شراء الأسلحة المنفردة، إذ تشمل الإنتاج والتدريب والصيانة والدعم الصناعي ونقل التكنولوجيا. ويرى الكاتب أن أثينا لا تستطيع بناء استراتيجيتها الدفاعية على افتراض أن فرنسا أو ألمانيا أو إيطاليا أو بريطانيا سترفض إلى أجل غير مسمى تنفيذ مشاريع دفاعية مهمة مع أنقرة.
شبكة شراكات تتسع في أوروبا
وأشار التحليل إلى أن تركيا تعمل على دخول منظومة الدفاع الأوروبية من أكثر من بوابة في الوقت نفسه: مع بريطانيا عبر مقاتلات يوروفايتر، ومع إيطاليا في مجال الطائرات المسيّرة والصناعات الدفاعية، ومع إسبانيا عبر برامج دفاعية أخرى، ومع فرنسا من خلال حوار استراتيجي مؤسسي.
كما تسعى أنقرة، وفق التحليل، إلى التعاون في منظومة الدفاع الجوي SAMP/T، والذخائر المتقدمة، ونقل التكنولوجيا، والشراكات الصناعية. واعتبر فاسيلياديس أن هذه الصورة الأشمل هي ما ينبغي أن يثير قلق أثينا، لا السؤال المحدود حول عدد الطائرات المقاتلة التي قد تشتريها تركيا أو ما إذا كانت ستحصل في يوم ما على صواريخ ميتيور.
وورد في التحليل أن تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي من حيث عدد الأفراد، تستفيد من موقعها بين البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط والبحر المتوسط، إلى جانب خبرتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والذخائر. وأضاف الكاتب أن حجم تركيا وموقعها وقدرتها الإنتاجية يجعلان من الصعب تجاهلها في الحسابات الدفاعية الأوروبية.
فإن جغرافيا القرن الحادي والعشرين لا تتشكل داخل وزارات الخارجية وحدها، بل أيضًا على خطوط الإنتاج، كما يظهر في الشراكات بين شركة بايكار التركية وشركة سافران الفرنسية. واعتبر التحليل أن تركيا تسعى، على مدى عقود، إلى الوصول إلى منظومة أوروبية تشمل التدريب والصيانة والدعم الصناعي والتسلح، وهو ما يمنح ملف صواريخ ميتيور أهمية جديدة في النقاش اليوناني.
فرنسا بين أثينا وأنقرة
تناول التحليل كذلك المخاوف التي أثارها التقارب الفرنسي التركي في اليونان، ولا سيما التقييمات التي تقول إن فرنسا «تخلت عن اليونان» أو استبدلتها بتركيا. لكنه شدد على ضرورة التمييز بين اتفاق الشراكة الاستراتيجية الذي أبرمته اليونان وفرنسا عام 2021، وخارطة طريق التعاون الدفاعي الموقعة مع تركيا.
وأشار فاسيلياديس إلى أن الالتزامات الدفاعية الفرنسية تجاه أثينا لا تزال قائمة، لكنه رأى أن باريس قادرة في الوقت نفسه على الحفاظ على علاقتها الاستراتيجية المميزة مع اليونان وبناء علاقة دفاعية وصناعية أقوى مع أنقرة. وكتب أن السؤال ليس ما إذا كانت فرنسا استبدلت اليونان بتركيا، بل ما إذا كان بإمكانها تطوير شراكتين متوازيتين مع البلدين، معتبرًا أن باريس لا تكتفي بإمكان ذلك، بل تعمل عليه بالفعل.
وربط الكاتب هذا التوجه بهدف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منح أوروبا قدرًا أكبر من الاستقلال الاستراتيجي في مجال الدفاع. وخلص إلى أن باريس تبدو مدركة لأن بناء الدفاع الأوروبي خلال السنوات المقبلة لن يكون ممكنًا بالاعتماد فقط على الدول المنسجمة سياسيًا مع فرنسا بشكل كامل، بل يتطلب التعاون مع أطراف ذات وزن عسكري وصناعي وجغرافي مثل تركيا.
خارطة الطريق ليست صفقة صواريخ تلقائية
ولفت التحليل إلى أن اتفاق 3 أكتوبر لا يغيّر بمفرده ميزان القوى في بحر إيجه، ولا يعني تلقائيًا تسليم تركيا صواريخ ميتيور أو منظومة SAMP/T، كما أنه لا ينهي الشراكة الدفاعية بين اليونان وفرنسا.
مع ذلك، حذر فاسيلياديس من التقليل من أهمية الاتفاق باعتباره مجرد وثيقة دبلوماسية. فبحسب رأيه، تكمن قيمته في أنه ينشئ آلية دائمة يمكن أن تتيح إبرام اتفاقات لاحقة، وقد تكون هذه الآلية على المدى الطويل أكثر أهمية من عملية شراء سلاح واحدة.
ويرى التحليل أن المشكلة الأساسية أمام اليونان هي احتمال تحول تركيا خلال العقد المقبل من شريك إقليمي صعب بالنسبة إلى أوروبا إلى عقدة صناعية لا غنى عنها في منظومة الإنتاج الدفاعي الأوروبية. لذلك دعا الكاتب أثينا إلى متابعة ما ستوقعه باريس وأنقرة لاحقًا، لا الاكتفاء بما وقعتاه في 3 أكتوبر.
المصدر: Türkiye Gazetesi