سُجن بسبب نكتة عن أردوغان.. لماذا بدأ الكوميدي التركي يتخلى عن الرقابة الذاتية؟

روى الكوميدي التركي Deniz Göktaş تفاصيل اعتقاله وسجنه ثلاثة أشهر بعد نشر عرض خاص على YouTube تضمن نكتة عن الرئيس رجب طيب أردوغان، مؤكدًا أن التجربة دفعته إلى استعادة جرأته والتوقف عن ممارسة الرقابة الذاتية على أعماله. وكان Göktaş، البالغ 32 عامًا، قد أُفرج عنه بعد الحكم عليه بالسجن 19 شهرًا، مع منحه حق الطعن في القرار.
نكتة سبقتْها تحذيرات للجمهور
ألقى Göktaş النكتة ضمن عرض خاص في تركيا، بعدما حذر الجمهور مسبقًا من أنه سيقول شيئًا «غير مريح». صافح حلقه واتخذ تعبيرًا يوحي بأن ما سيقوله قد يوقعه في trouble، وهي طريقة شائعة بين بعض الكوميديين الأميركيين لتهيئة الجمهور لنكتة حساسة، غير أن تبعاتها في تركيا كانت أكثر خطورة.
وبعد أسبوع واحد فقط من نشر العرض على YouTube في يونيو، اعتُقل Göktaş بتهم شملت إهانة رئيس الجمهورية. وقال في مقابلة عبر الفيديو مع صحيفة «نيويورك تايمز»، أُجريت الثلاثاء، إن النكتة التي أثارت القضية كانت، في رأيه، خفيفة للغاية؛ إذ امتدح أردوغان ساخرًا لأنه انتقل من «ديكتاتور خجول» إلى «ديكتاتور واثق من نفسه ومتقبل لذاته».
بلغ عرض Göktaş الثاني، الذي يحمل اسم «البحر الميت»، 15 مليون مشاهدة على YouTube، مع توفير ترجمة إنجليزية له. كما شارك الكوميدي في جولات حول العالم، وقدم عروضًا باللغة التركية أمام قاعات ممتلئة في مهرجان نيويورك للكوميديا. ويجمع أسلوبه بين السخرية السياسية المشاكسة والتناول الشخصي غير المتوقع للموضوعات الحساسة، وهو ما دفع إلى مقارنته بالأسلوب الهادئ لجيرود كارمايكل والسخرية السياسية الحادة لجون ستيوارت.
وسُجن Göktaş إلى جانب عدد من المعتقلين، بينهم موسيقي معروف وصحفي كان قد أبدى تأييده لاعتقاله. وقال عن الصحفي الذي كان يقيم بالقرب منه في السجن: «قضيت وقتي محاولًا ألا أتعاطف معه، لكن ذلك كان صعبًا لأنه كان جاري».
دفاع عن حرية التعبير أمام المحكمة
مثل Göktaş أمام القاضي الشهر الماضي، وألقى كلمة دافع فيها عن حرية التعبير وعن الدور الذي تؤديه الكوميديا الارتجالية في المجتمع الحر، كما شرح بالتفصيل أسباب اعتقاده ببراءته من التهم الموجهة إليه.
واستشهد في دفاعه بالكوميدي الأميركي ليني بروس، الذي حوكم عام 1964 بسبب عرض كوميدي، قبل أن يعتذر له حاكم نيويورك بعد وفاته بنحو 40 عامًا. وقال Göktaş إنه لم يرغب في الظهور بمظهر المعتذر، لأن حرية التعبير، بحسب رأيه، ليست مشكلة تركية فقط، بل يخشى كثيرون في أنحاء العالم من العقاب أو رد فعل المجتمع عندما يتحدثون بحرية.
وأوضح أنه أراد أن يقدم مثالًا للعاملين في الكوميديا، مفاده أن بإمكانهم التحدث بحرية وألا يعيشوا تحت الخوف. وأضاف أن قضاء ثلاثة أشهر في السجن كان تجربة قاسية، لكنه أراد إثبات أن الفنان يستطيع تحملها عندما يدافع عن مبدأ يؤمن به.
قال الكوميدي إن ما حدث له عزز إيمانه بعمله، موضحًا أنه كلما ازداد شهرة وترسخ موقعه المهني، زادت الأشياء التي يخشى خسارتها، ولذلك بدأ يفرض رقابة ذاتية على ما يقدمه. وأضاف أن هذا الأمر كان يزعجه، خصوصًا أن أفرادًا من جمهوره، بينهم طلاب ومتقاعدون، كانوا يتصرفون في حياتهم اليومية بجرأة أكبر منه.
وقال إن ذلك جعله يشعر بأنه يتصرف بنفاق، مشيرًا إلى أغنية يحبها وتُسمع في شارة نهاية عرضه الخاص، وتتحدث عن شاعر تخلى عن مبادئه. وأوضح أنه وجد شيئًا من نفسه في كلماتها، وهو ما كان يشعره بالسوء، قبل أن يقرر العودة إلى قول كل ما يراه مضحكًا مهما كانت العواقب. وأضاف، في مفارقة لافتة، أنه نام في ليلته الأولى داخل السجن «أفضل نوم في حياته».
«لم أشعر بالوحدة لحظة واحدة»
قال Göktaş إنه لم يندم ولو لثانية على تقديم العرض، ولم يمر بلحظة تشاؤم أثناء وجوده في السجن، بل وصف تلك الفترة بأنها المرحلة التي شعر فيها بأنه الأقل وحدة في حياته.
وعندما سُئل عن أول ما فكر فيه بعد صدور حكم السجن، أجاب بأنه شعر بارتياح كبير لأنه لم يكن يتوقع الإفراج عنه. وأضاف أن محاميه والمقربين منه، وكل من قرأ نص مرافعته، حذروه من أن طريقة دفاعه قد تؤدي إلى بقائه في السجن فترة أطول، مؤكدًا أن الإفراج السريع لم يكن أولويته.
وتحدث الكوميدي عن تغير نظرته إلى نفسه بعد التجربة، قائلًا إنه كان شخصًا خائفًا وخجولًا اجتماعيًا في حياته الخاصة، ولم يعتبر نفسه شجاعًا. لكنه فقد خلال هذه العملية كثيرًا من الشكوك التي كانت تراوده، واكتشف ثقة بالنفس لم يكن يمتلكها من قبل، مؤكدًا أنه لا يعتقد أنه يستطيع التخلي عن هذا الشعور بعدما اختبره.
كما يكتب Göktaş عرضًا جديدًا مدته 20 دقيقة، يأمل في تقديمه على المسرح العام المقبل، ويتوقع أن تكون لديه فرصة جيدة في مرحلة الطعن على الحكم. ومع ذلك، امتنع خلال المقابلة عن الإجابة عن بعض الأسئلة المتعلقة بنكاته، ومن بينها سؤال عما إذا كان اعتقاله قد أثبت أن أردوغان لم يعد «ديكتاتورًا خجولًا» كما ورد في النكتة. واكتفى بالقول إن الإجابة موجودة في نص مرافعته.
الكوميديا أمام السلطة والخوف
قال الكوميدي إن العروض الحية تختلف عن مشاهدة المقاطع على الإنترنت، وإن هذا الفرق موجود في جميع أنحاء العالم. وأوضح أن تركيا لم تكن في الماضي بلدًا شديد الانفتاح، لكن كوميديين ظهروا على القنوات التلفزيونية الرئيسية وقدموا نكات أكثر قسوة من نكاته، ورغم تعرض بعضهم للمشكلات فإن العواقب لم تكن بهذه الشدة.
وأضاف أن مستوى التسامح انخفض بدرجة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، معتبرًا أن في ذلك جانبًا مشجعًا أيضًا، لأن هشاشة القادة أمام النكات قد تكون دليلًا على قوة الكوميديا.
وعن تعليق تركي على YouTube قال صاحبه إن العرض جعله يشعر كأنه يعيش في بلد حر، قال Göktaş إن العبارة لخصت تمامًا ما كان يحاول تحقيقه. وأوضح أنه أراد، من خلال كل نكتة وحركة ولحظة تجاهل فيها السلطة، أن يذكّر الجمهور ونفسه بأن الحديث عن هذه الأمور ينبغي أن يكون طبيعيًا، مشيرًا إلى أنه عمل بدقة للوصول إلى هذا الإحساس بالعفوية.
لكنه قلل من قدرة الكوميديا على مواجهة السلطوية، قائلًا إنها تستطيع منح الناس التعاطف والتحفيز، وربما الشجاعة على الكلام، «لكن هذا كل ما يمكنها فعله»، واصفًا إياها بأنها دعم نفسي أكثر من كونها وسيلة تغيير مباشرة.
ويظهر خلف Göktaş في العرض تمثال ضخم لرأس يبدو كأنه قُطع بمقصلة، وقال إن تصميمه ارتبط بموضوعي الموت والرقابة اللذين يقوم عليهما العرض.
«لدينا ثقافة الإلغاء والسجن»
استلهم Göktaş من ليني بروس فكرة الصدق مع الذات، وقال إنه يرى فيه روح طفل مشاغب وموقفًا لا يضع لنفسه قيودًا، وهي من أكثر الصفات التي يحبها في الكوميديا. ولم يكن يعرف، بحسب ما قال، أن بروس حوّل عروضه بعد اعتقاله إلى تحليل لقضيته؛ إلا أنه كتب في مذكراته خلال وجوده في السجن أن عليه ألا يتحدث كثيرًا عن القضية في عروضه.
وأشار إلى أسماء كوميديين أميركيين آخرين أثروا فيه، بينهم Doug Stanhope، الذي كان من أوائل الكوميديين الذين تُرجمت أعمالهم إلى التركية وتمكن من ملء مسارح كبيرة في تركيا، إضافة إلى George Carlin وLouis C.K. وMike Birbiglia وSarah Silverman وJoe List وJerrod Carmichael. وقال إن أول عرض كوميدي ارتبط به كان لستانهوب عن القومية، قبل أن يتابع أعمال كارلين وستانهوب وغيرهما.
ويرى Göktaş أن الحكومات تستهدف الكوميديين لأن المتوقع منهم هو تجاوز الحدود، بينما يستطيع فنانون آخرون مواصلة أعمالهم من دون الاقتراب من الموضوعات الحساسة. لكنه قال إنه لا يعتقد أن الكوميديين وحدهم مستهدفون، بل إن الهدف هو إسكات الجميع.
وعندما سُئل عن التقارير التي تحدثت عن ضغوط حكومية في الولايات المتحدة على برامج ليلية مثل «The Late Show With Stephen Colbert»، قال إنه يجد صعوبة في الربط بين ما يحدث في أميركا والضغوط في تركيا، لأن الكوميديين الأميركيين يبدون له أكثر حرية بكثير، لكنه لم يستبعد ظهور أوجه تشابه بين البلدين مستقبلًا.
وعلق على شكاوى الكوميديين الأميركيين من ثقافة الإلغاء والهجمات التي يتعرضون لها عبر الإنترنت بالقول: «من دون أن يبدو ذلك تفاخرًا، لدينا ثقافة الإلغاء والسجن معًا».
وختم Göktaş بالقول إن الوقت لا يزال مبكرًا للحكم على مدى تغيره بسبب التجربة، لكنه فكر كثيرًا في الأمر أثناء سجنه. وأضاف أن الحياة لا تقتصر دائمًا على فعل الأشياء التي تجعل الإنسان سعيدًا، إذ يمكن الاكتفاء بأمور بسيطة مثل النوم وشرب الشاي، كما يمكن للمرء أن يشعر بالحرية حتى في أسوأ الظروف.
المصدر: gazeteoksijen




