هجوم مطار الرياض يقتل 12 شخصًا ويصيب 300.. لماذا تبدو خيارات السعودية أمام الحوثيين محدودة؟

يواجه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ضغوطًا متزايدة لوقف هجمات الحوثيين المدعومين من إيران، بعدما أسفرت ضربة استهدفت إحدى صالات مطار الرياض الدولي، السبت، عن مقتل 12 شخصًا وإصابة أكثر من 300، معظمهم بجروح خطيرة، في أعنف هجوم تشهده السعودية منذ أكثر من عقد.
وأجبرت الخسائر السلطات على تعليق العمل في المطار، الذي تعرض خلال الأسبوع نفسه لثلاث هجمات دامية. ولم تقدم الجهات السعودية تفاصيل عن طبيعة الضربة، لكن مسؤولًا خليجيًا أُطلع على ملابسات الهجوم ومسؤولًا أميركيًا قالا إن الحوثيين استهدفوا إحدى صالات المطار بصاروخ كروز.
وتضع هذه الهجمات القيادة السعودية أمام معضلة صعبة؛ فالحرب التي قادها محمد بن سلمان في اليمن قبل نحو عشرة أعوام، وانتهت إلى نتائج كارثية، خلّفت جماعة أكثر خبرة وقدرة على الصمود، فيما تبدو الخيارات العسكرية والسياسية المتاحة أمام الرياض محدودة.
الحرب تقترب من المدنيين والاستثمارات
لطالما بقي القتال الذي تخوضه السعودية في اليمن بعيدًا نسبيًا عن أراضيها، لكن الضربات الأخيرة نقلت تداعيات النزاع إلى قلب المملكة. وفقد المدنيون السعوديون جزءًا كبيرًا من الإحساس بالأمان الذي حافظوا عليه خلال سنوات القصف الذي قادته بلادهم ضد اليمن المجاور.
ويقول الحوثيون إن هجماتهم تأتي ردًا على العمليات السعودية والإجراءات المفروضة على اليمن. كما أصابت الهجمات في صميمها مشروع ولي العهد الرامي إلى تحويل السعودية من دولة منغلقة تعتمد على النفط إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة.
وتزامنت هجمات المطار مع الاستعداد لتنظيم عدد من الفعاليات السياسية والتجارية الكبرى في المملكة، بينها قمة الاستثمار السنوية التي يقودها محمد بن سلمان، والتي اعتاد قادة دول ومليارديرات ومديرو شركات التوجه إلى الرياض للمشاركة فيها. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الضيوف رفيعو المستوى سيشعرون بالأمان الكافي للحضور.
وقال غريغوري غاوس، وهو خبير في الشأن السعودي لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن، إن المشكلة بالنسبة إلى الرياض تتمثل في أن أضرار هجمات الحوثيين على البنية التحتية السعودية قد تتجاوز الأضرار التي تلحقها الضربات السعودية بالجانب الآخر.
وأضاف أن استهداف مطار الرياض يمكن أن يدفع شخصًا يفكر في الاستثمار داخل المملكة إلى إعادة النظر في قراره. وفي المقابل، فإن أجزاء واسعة من صنعاء، عاصمة اليمن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مدمرة أصلًا.
حل سياسي صعب وانتصار عسكري غير مضمون
يرى محللون أن التوصل إلى تسوية سياسية مع الحوثيين بات أكثر صعوبة، بينما لا تبدو محاولة هزيمة الجماعة عسكريًا مرشحة للنجاح بسهولة. فالجماعة، التي لا تملك الكثير لتخسره، ازدادت خبرة وصلابة في القتال بعد مواجهات متكررة مع خصوم أقوى منها.
وتتلقى السعودية دعمًا عسكريًا كبيرًا من الولايات المتحدة في مواجهة الحوثيين، يشمل المساعدة في تحديد الأهداف والتزود بالوقود جوًا. وبعد هجوم السبت، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه «سيتخذ قرارًا» بشأن التدخل بصورة مباشرة أكثر في النزاع.
لكن ترامب كان قد شن العام الماضي حملة قصف ضد الحوثيين، ثم أعلن النصر بعد فترة قصيرة، بعدما استهلكت الولايات المتحدة أسلحة وذخائر بقيمة تقارب مليار دولار خلال الشهر الأول وحده.
وقال غاوس إن الحل الواقعي الوحيد أمام السعوديين هو انتهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بحيث تقنع واشنطن الإيرانيين، ضمن اتفاق شامل، بإجبار الحوثيين على إنهاء القتال. وأضاف أن من غير الواضح، من وجهة نظر السعودية، إلى أي مدى يصغي الرئيس ترامب إلى مطالبها.
من جانبها، قالت ياسمين فاروق، مديرة مشروع الخليج وشبه الجزيرة العربية في مجموعة الأزمات الدولية، إن الحكومة السعودية ستحاول إضعاف الحوثيين قبل بدء مفاوضات تهدف إلى إنهاء النزاع.
وترى فاروق أن الوقت لا يزال مبكرًا بالنسبة إلى الرياض لبدء التفاوض، ما دامت الجماعة تحتفظ بقدرتها على تنفيذ هجمات من هذا النوع.
تحذيرات للمطارات وتصعيد متدرج
في الأيام الأخيرة، حذر المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، شركات الطيران والمسافرين مرارًا من استخدام المطارات السعودية، معلنًا أن هذه المطارات أصبحت «ساحة عمليات قواته».
وبدأت التوترات بين السعودية والحوثيين في التصاعد بعد استهداف مطار صنعاء الدولي بغارة جوية في يوليو/تموز. واتهمت الجماعة السعودية بتنفيذ الهجوم، بينما أعلنت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض مسؤوليتها عنه، وقالت إنها تحركت لمنع طائرة إيرانية غير مصرح لها من الهبوط.
غير أن محللين يستبعدون أن تكون الحكومة اليمنية قد تحركت من تلقاء نفسها، نظرًا إلى اعتمادها الكبير على السعودية في الدعم المالي والعسكري.
بعد ذلك الهجوم، أعلن الحوثيون، الذين كانوا مستائين منذ فترة طويلة من القيود السعودية على المجال الجوي، أنهم يعتزمون تطبيق سياسة «حصار مقابل حصار». كما فرضوا حظرًا على السفن السعودية في البحر الأحمر، الذي أصبح طريقًا بديلًا مهمًا لصادرات النفط السعودية بعد أن أدت الحرب مع إيران إلى تعطيل الشحن عبر مضيق هرمز.
عاد القتال الداخلي في اليمن إلى الاشتعال، واندلعت مواجهات عنيفة بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية. وبلغ التصعيد ذروته الأسبوع الماضي عندما أعلنت الحكومة اليمنية بدء هجوم جديد ضد الجماعة، متعهدة بإخراجها من الأراضي التي سيطرت عليها خلال الأعوام الاثني عشر الماضية.
وأعلنت السعودية بدورها إطلاق حملة قصف جديدة دعمًا للحكومة اليمنية.
أعنف هجوم منذ 2015
رغم تصاعد المعارك، حاول المسؤولون السعوديون الحفاظ على انطباع بأن الحياة اليومية في المملكة تسير بصورة طبيعية. فقد أبقوا مطار الرياض مفتوحًا بعد هجومين داميين، قبل أن يضطروا إلى إغلاقه عقب ضربة السبت التي خلّفت عددًا كبيرًا من القتلى والجرحى.
وكان هجوم السبت الأكثر فتكًا في السعودية منذ التفجير الانتحاري الذي استهدف مسجدًا عام 2015، كما سجل أعنف هجوم في أي دولة عربية خليجية منذ بدء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في فبراير/شباط.
وقال عبدالغني الإرياني، الباحث الأول في مركز صنعاء للدراسات، إن السعوديين كانوا يصرون على أنهم مملكة كبيرة، وإنه لا يمكن لجماعة مسلحة بدائية أن تهدد أمنهم.
وأضاف أن هذه الصورة «تحطمت بالكامل»، لكن السلطات السعودية لا تزال تحاول الحفاظ على ذلك المظهر.
المصدر: gazeteoksijen




