أردوغان: أبعدنا تركيا عن صراعات المنطقة رغم «دائرة النار» المحيطة بها

حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من تصاعد التوترات في المنطقة، وقال إن بلاده نجحت حتى الآن في إبقاء تركيا بعيدة عن الصراعات المحيطة بها، رغم ما وصفه بـ«دائرة نار» تحيط بالمنطقة. وجاء ذلك خلال كلمة ألقاها في فعالية «لقاء يوم المختارين» بالمجمع الرئاسي في العاصمة أنقرة، اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026.
وقال أردوغان إن المنطقة تمرّ بـ«عاصفة أزمات تزداد عنفًا»، مضيفًا: «نحن محاطون بدائرة نار». وأوضح أن تركيا تبذل جهودًا متواصلة، ليلًا ونهارًا، حتى لا يلحق بها أي ضرر وسط «بيئة الفوضى والأزمات»، متعهدًا بعدم الخضوع لمن يريدون بناء نظام رفاه لأنفسهم عبر استغلال العالم وتحويل المنطقة إلى بحر من الدماء.
حروب متزامنة من أوكرانيا إلى اليمن
عدّد الرئيس التركي خلال كلمته التطورات التي قال إنها جعلت المنطقة في وضع بالغ الحساسية. وأشار إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية، الدائرة شمال تركيا، ستكمل عامها الخامس بعد بضعة أشهر، فيما تستمر الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين رغم الاتفاقات الموقعة.
وأضاف أن التوتر في إيران لم ينتهِ بالكامل حتى أُشعل فتيل مواجهة جديدة في اليمن. واتهم جماعة الحوثي بشن هجمات استهدفت المملكة العربية السعودية، التي وصفها بالدولة الصديقة والشقيقة، معتبرًا أن تلك الهجمات رفعت مستوى التوتر في المنطقة.
وقال أردوغان إن الهجوم الذي استهدف مطار الرياض أسفر عن وفاة عدد كبير من المسلمين، بينهم أشخاص كانوا يؤدون مناسك العمرة، وإصابة مئات آخرين. كما أشار إلى أن الوضع في لبنان لا يزال غير مطمئن، بينما تصل «أخبار جيدة» من سوريا، لكن إسرائيل، التي وصفها بأنها «صهيونية»، تبذل ما في وسعها لإثارة الاضطراب فيها أيضًا.
وتابع: «عندما أقول إننا محاطون بدائرة نار، فإن هذا هو الوضع الذي نعيشه تمامًا»، في إشارة إلى الحرب في أوروبا، والهجمات في فلسطين، والتوترات في إيران واليمن، والاضطرابات التي تحدث عنها في لبنان وسوريا.
«أبعدنا تركيا عن الصراعات المحيطة»
أكد أردوغان أن بلاده عملت، في ظل هذه الظروف، على حمايتها من الانجرار إلى الحروب المحيطة بها. وقال إن تركيا نجحت حتى الآن في إبقاء نفسها بعيدة عن الصراعات الدائرة، لأنها لم تستجب للاستفزازات، ولم تقع في الفخاخ، ولم تنجرّ إلى الاستفزازات، بل أدارت المراحل الصعبة «بذكاء وصبر واتزان».
وأضاف أن «اختبارات الأمم الكبيرة تكون كبيرة»، معتبرًا أن الشعب التركي واجه عبر تاريخه تحديات كبرى، بالتوازي مع الانتصارات التي حققها، وأن تركيا تقف اليوم في قلب مواجهة كبيرة.
وقال الرئيس التركي إن الأطراف التي تريد «تمزيق المنطقة» لن تترك بلاده وشأنها كلما عرقلت خططها، مضيفًا أن تركيا ستواصل الوقوف بشجاعة إلى جانب المظلومين، بصرف النظر عن دياناتهم، بدلًا من الوقوف إلى جانب الظالمين.
وحذّر من محاولات الضغط على بلاده عبر قنوات متعددة، بينها ما وصفهم بأنهم «عملاء في الداخل يتسترون بغطاء الحق مثل تنظيم فتح الله غولن»، إضافة إلى جماعات الضغط في الخارج، و«المحرضين الاقتصاديين»، وأدوات في الإعلام الدولي ووسائل التواصل الاجتماعي.
وقال إن هذه الجهات ستحاول تشتيت انتباه تركيا وإبعادها عن طريقها، وإضعاف قدرتها على التحرك ودفعها إلى التخلي عن طموحاتها، لكنه أكد أن بلاده لن تمنحها هذه الفرصة.
وشدد أردوغان على أن تركيا لن ترضخ لمن يريدون تحقيق رفاههم عبر استغلال العالم وإغراق المنطقة في الدماء، داعيًا إلى الحذر من «الألعاب المظلمة والقذرة»، واليقظة في مواجهة من يحاولون إشعال الخلاف بين المسلمين، أو كسر أمل الشعب التركي ومعنوياته، أو بناء جدران الفتنة بين مكوّناته.
قال أردوغان إنه يثق بالمواطنين الأتراك، مؤكدًا أن بلاده ستواصل إدارة هذه المرحلة بحذر وتماسك.
12 عامًا من لقاءات أردوغان بالمختارين
انتقل أردوغان في جانب آخر من كلمته إلى الحديث عن علاقته بالمختارين، وهم المسؤولون المنتخبون على مستوى الأحياء والقرى في تركيا. وقال إن أول اجتماع لهم عُقد قبل نحو 12 عامًا، في 27 يناير 2015، داخل القاعة نفسها، واستضاف خلاله 409 مختارين قدموا من 17 ولاية.
وأوضح أنه التقى منذ ذلك الحين أكثر من 40 ألف مختار من جميع الولايات التركية، في مناسبات عُقدت أحيانًا داخل المجمع الرئاسي وأحيانًا في قاعة المعارض التابعة له. وقال إن هذه اللقاءات شهدت مناقشة قضايا البلاد، وتقييم التطورات الإقليمية والدولية، والبحث عن حلول خلال أصعب الفترات، إلى جانب الاحتفال بالإنجازات وتبادل الدعم والأمل.
وأكد أردوغان أن المجمع الرئاسي لم يعد، وفق رؤيته، مركزًا لإدارة الدولة فقط، بل تحول أيضًا إلى «بيت الشعب»، مشيرًا إلى أنه أوفى بوعده بإبقاء أبوابه مفتوحة أمام المختارين.
وقال إن بعض خصومه سخروا من لقاءاته بالمختارين، كما فعلوا مع سياساته الأخرى، معتبرًا أن عبارات من قبيل «لا يصلح حتى أن يكون مختارًا» كشفت عدم تقبلهم لإرادة الناخبين. وأضاف أن من لم يرغبوا في وصوله إلى رئاسة الوزراء أو رئاسة الجمهورية رغم دعم المواطنين، لم يكونوا يرون المختارين جديرين بالوصول إلى مركز الدولة أيضًا.
وتابع أن اعتراض هؤلاء لم يكن على الحوار بينه وبين المختارين، بل على حضورهم إلى المجمع الرئاسي كما لو أنهم يدخلون بيتهم، وعلى عدم انتمائهم إلى النخبة وفق التصورات القديمة. وقارن ذلك بما تعرض له الشاعر التركي عاشق فيسيل قبل 90 عامًا، عندما مُنع من دخول أنقرة، مؤكدًا أن بعض النخب لم تتخلَّ بسهولة عن نظرتها المتعالية إلى سكان الأناضول.
وقال إن أبواب المجمع الرئاسي والمؤسسات الحكومية والبلديات فُتحت أمام المختارين، وإن هذا التغيير تجاوز المستوى المحلي ليؤثر في السياسة التركية أيضًا، بما أدى إلى ما وصفه بـ«انفتاح سياسي على المختارين».
وأضاف أن أحزابًا كانت تتجاهل المختارين بدأت تنظم لقاءات مماثلة، أحيانًا اضطرارًا وأحيانًا خجلًا، معتبرًا أن تقليد هذه اللقاءات، حتى لو اقتصر على مواسم الانتخابات، يمثل خطوة مهمة لتعزيز الإرادة الوطنية وتقريب المعارضة من المجتمع. لكنه أعرب عن أمله في أن يتحول ذلك إلى تغيير دائم في الذهنية، لا إلى مناورة انتخابية مؤقتة.
رفع مخصصات المختارين إلى أكثر من 28 ألف ليرة
قال أردوغان إن لقاءاته بالمختارين أسهمت، إلى جانب تراجع الذهنية المتعالية والمركزية، في تحسين حقوقهم الوظيفية وظروف عملهم. وأوضح أن الحكومة استمعت مباشرة إلى مطالبهم ومقترحاتهم، وسجلتها، ثم اتخذت خطوات لمعالجة المشكلات التي طرحوها.
وأشار إلى أن الحكومة أنشأت، بموجب تعميم، مديريات لشؤون المختارين في البلديات الكبرى، ومديريات للمختارين في البلديات الأخرى. كما كلفت نائبًا للمحافظ في الولايات، ونائبًا للأمين العام في البلديات الكبرى، ونائبًا لرئيس البلدية في وحدات الإدارة المحلية الأخرى، بمتابعة شؤون المختارين والتواصل معهم.
وأضاف أن نظام معلومات المختارين «موبِس» أُطلق لتمكينهم من إرسال طلباتهم إلكترونيًا، كما جرى اعتماد 19 أكتوبر من كل عام «يومًا للمختارين» بدءًا من عام 2016.
وفي الجانب المالي، قال أردوغان إن المبلغ الذي كان يُدفع للمختارين عام 2002 لم يتجاوز 97 ليرة، بينما ارتفع في عام 2026 إلى أكثر من 28 ألف ليرة. كما أوضح أن الدولة تتكفل منذ عام 2017 بسداد أقساط الضمان الاجتماعي الخاصة بالمختارين.
وذكر أن نفقات الطاقة الخاصة بمكاتب المختارين خُفّضت بعد نقلها من تعرفة المنشآت التجارية إلى تعرفة المساكن، كما أصبح بإمكان جميع المختارين استخدام فنادق ومنشآت اتحاد خدمات الولايات وفق التعرفة المطبقة على موظفي الوزارات.
وفي عام 2022، أُدرج اتحاد المختارين الأتراك ضمن الجمعيات العاملة للصالح العام بموجب قرار رئاسي. كما فُتح المجال أمام مختاري القرى والأحياء لدخول المتاحف والمواقع الأثرية في الولايات التي يعملون فيها مجانًا.
وقال أردوغان إن السلطات سرعت كذلك بناء مقرات جديدة للمختارين؛ إذ اكتمل في عام 2023 بناء 100 مقر خدمي محلي في 30 مدينة كبرى، بينما شهد عامَا 2024 و2025 بناء وترميم 130 مقرًا في 51 موقعًا ضمن نطاق إدارات الولايات الخاصة.
وأضاف أن أول مشروع لاستراحة اجتماعية مخصصة للمختارين، وهو «دار مختاري أنقرة»، افتُتح قبل أربعة أعوام خلال احتفالات يوم المختارين، ثم اكتمل مشروع «دار مختاري تشابا» في إسطنبول وأصبح متاحًا للاستخدام.
كما أشار إلى تلبية احتياجات مقرات المختارات اللواتي يشغلن مناصبهن في مختلف المناطق من كاميرات المراقبة، وإجراء ترتيبات تتيح للمختارين استخدام نظام تسجيل العناوين القائم على الموقع في أنظمة إدارة الكوارث ودعم اتخاذ القرار.
وأكد أردوغان أن الحكومة سخّرت إمكاناتها لتحسين ظروف عمل المختارين في مجالات متعددة، من تراخيص الأسلحة والسياحة إلى الثقافة والطاقة، متعهدًا بمواصلة دعمهم وتمكينهم من تقديم خدمات أفضل للسكان.
المصدر: Türkiye Gazetesi




