فشل قادة الاتحاد الأوروبي، خلال قمة استمرت يومين في بروكسل الأسبوع الماضي، في إحراز تقدم بشأن ميزانية التكتل المقبلة البالغة نحو تريليوني يورو، وسط مخاوف من أن تؤدي الانتخابات والتحولات الحكومية في أكبر اقتصادات أوروبا إلى تأجيل الاتفاق حتى عام 2027.
وكانت القمة، وفق تقرير نشره موقع «بوليتيكو»، أول مؤشر واضح إلى الصعوبة التي تواجهها بروكسل في اتخاذ قرارات مشتركة؛ إذ تحولت المناقشات من الميزانية إلى خلاف حاد بشأن سياسة الطاقة. كما لم تُدرج دعوة رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى التوصل لاتفاق قبل نهاية عام 2026 في البيان الختامي، فيما أبدت الدول الأعضاء ترددًا في تأييد هدف إتمام الاتفاق قبل نهاية العام.
ومن المقرر عقد قمتين جديدتين في نوفمبر وديسمبر، لكن عدم التوصل إلى تسوية خلالهما قد يدفع المفاوضات إلى عام 2027، في وقت ستزداد فيه الضغوط الانتخابية على الحكومات الأوروبية، ما سيجعل تقديم التنازلات اللازمة لإقرار الميزانية أكثر صعوبة.
وقال رئيس قبرص نيكوس خريستودوليديس لـ«بوليتيكو» إن الانتخابات الإسبانية أثرت بالفعل في الجدول الزمني للميزانية. وأوضح أن القادة كانوا يتفقون في السابق على ضرورة التوصل إلى تفاهم سياسي قبل نهاية العام، لكن ذلك لم يعد يبدو ممكنًا. وحذر من أن الانتخابات المرتقبة في دول أخرى، وفي مقدمتها فرنسا وإيطاليا، ستزيد تعقيد محاولات التوافق داخل الاتحاد.
الانتخابات تضيق هامش أكبر اقتصادات أوروبا
تتركز المخاطر السياسية في أكبر أربعة اقتصادات داخل الاتحاد الأوروبي. ففي إسبانيا، تبرز احتمالات وصول يمين الوسط واليمين المتطرف إلى السلطة في انتخابات 29 نوفمبر، بينما تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال خسارة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، الذي يتولى السلطة منذ ثمانية أعوام.
وتتزامن الانتخابات الإسبانية مع اجتماعات قادة الاتحاد الأوروبي المقررة في 13 و26 نوفمبر، ما يعني أن سانشيز سيشارك في مفاوضات بروكسل خلال وجوده في خضم الحملة الانتخابية. وقال دبلوماسيان أوروبيان إن تشكيل حكومة جديدة في مدريد قد يستغرق حتى يناير، وهو ما قد يعطل مفاوضات الميزانية.
وفي فرنسا، تنتهي ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون في أبريل من العام المقبل، ولا يحق له دستوريًا الترشح لولاية ثالثة متتالية. ولم يتضح بعد من سيخلفه، بينما تتقدم زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان في استطلاعات الرأي. ونقل أربعة دبلوماسيين أوروبيين عن ماكرون قوله، خلال اجتماع مغلق للقادة، إنه لن يمتلك في الأشهر الأخيرة من ولايته النفوذ السياسي اللازم لتوقيع اتفاق بشأن الميزانية.
أما ألمانيا، فعلى الرغم من أن الانتخابات الاتحادية المقبلة لن تُجرى قبل عام 2029، فإن صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، وتراجع التأييد الشعبي للمستشار فريدريش ميرتس، يحدّان من هامش حركة حكومته. وتثير الضبابية حول مستقبل ميرتس تساؤلات بشأن مقدار التنازلات التي تستطيع برلين تقديمها في مفاوضات الاتحاد.
وفي إيطاليا، تتولى حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني السلطة منذ فترة أطول مقارنة بكثير من الحكومات الأوروبية الأخرى، لكن عدم اليقين السياسي يتزايد مع اقتراب الانتخابات المقررة في أكتوبر 2027. وقال دبلوماسي أوروبي إنه يعتقد أن ميلوني قد تدعو إلى انتخابات مبكرة قبل الموعد المحدد.
ولا تتعلق هذه التطورات بمستقبل الحكومات الوطنية وحده، بل بقدرة الاتحاد على إيجاد قادة قادرين على بناء تسويات بين الدول. وقال أحد الدبلوماسيين إن أوروبا لم تعد تملك شخصية سياسية بارزة قادرة على جمع المواقف المتباينة، مثل المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل أو الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران. ورغم إقراره بأن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتمتع بموقع قوي، فإنه رأى أن ذلك قد لا يكون كافيًا بمفرده.
حسابات انتخابية بدل الاتفاقات الكبرى
خلال قمة الأسبوع الماضي، ركز القادة على حماية مواقفهم وتعزيز مواقعهم في مواجهة المنافسين السياسيين، بدل إبرام اتفاقات كبرى بشأن السياسات الأوروبية. وكان الاستثناء الأبرز تسوية توصلت إليها فرنسا وألمانيا بشأن قطاع السيارات.
وقال ستة دبلوماسيين ومسؤولين في الاتحاد الأوروبي لـ«بوليتيكو» إن اتخاذ قرارات مشتركة سيصبح أكثر صعوبة خلال الأشهر المقبلة، مشيرين إلى أن الجدول الانتخابي سيؤثر في حكومات الدول الأعضاء وكذلك في المفاوضات داخل البرلمان الأوروبي.
وقالت كارلا تافاريس، العضو البارز في كتلة الاشتراكيين والديمقراطيين في البرلمان الأوروبي وأحد المسؤولين عن مفاوضات الميزانية، إن التوصل إلى توافق داخل الدول الأعضاء والبرلمان الأوروبي سيكون أصعب في العام المقبل. وقدم دبلوماسي أوروبي رفيع تقييمًا أكثر تشاؤمًا بقوله: «سيكون العام المقبل أسوأ».
في المقابل، قلل كوستا من مخاوف أن تمنع الانتخابات إقرار الميزانية، وقال يوم الجمعة إن الاتحاد يتكون من 27 ديمقراطية، وإن انتخابات تُجرى تقريبًا كل شهر في دولة عضو، مضيفًا أن الاتحاد لن يتمكن أبدًا من اعتماد ميزانية جديدة إذا أصبحت الانتخابات سببًا دائمًا للتعطيل.
لكن سيغفريد موريتشان، أحد المسؤولين عن مفاوضات الميزانية لدى حزب الشعب الأوروبي، رأى أن القادة تحركوا ببطء شديد حتى الآن، محذرًا من أن الوقت المتاح يتقلص.
ويكتسب الموعد النهائي أهمية خاصة، لأن إتمام الاتفاق قبل نهاية 2026 ضروري كي تدخل الميزانية الجديدة حيز التنفيذ في عام 2028. وقال مسؤول أوروبي رفيع إن يناير قد يكون آخر فترة مناسبة للتوصل إلى اتفاق، إذ ستجعل الانتخابات وتغييرات الحكومات بعد ذلك الدول أقل استعدادًا للتوافق.
ضغوط متزامنة من واشنطن وموسكو وبكين
تأتي الأزمة السياسية الداخلية في الاتحاد الأوروبي بينما يواجه التكتل ضغوطًا متزايدة من الخارج. فسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تشكك في التحالف عبر الأطلسي، والعمليات الروسية التي تتراوح بين الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب في أنحاء أوروبا، إلى جانب تعزيز الصين نفوذها على سلاسل التوريد، كلها تزيد صعوبة مهمة بروكسل.
وقال رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر للصحفيين في وقت متأخر من الليل خلال القمة إن هناك أطرافًا تريد تقسيم أوروبا، محذرًا من أن هذه الأطراف قد تستغل نقاط ضعف الدول الواقعة في شرق القارة وغربها.
ووصف وزير الخارجية الليتواني السابق والباحث الزائر في جامعة ستانفورد غابرييليوس لاندسبيرغيس الوضع بأن أوروبا تتعرض لضغوط من ثلاث جهات: الولايات المتحدة وروسيا والصين.
وتعيد واشنطن النظر في التحالفات التقليدية التي شكلت أساس الأمن الأوروبي، بينما تواصل موسكو أنشطة تمتد من الهجمات السيبرانية إلى محاولات التخريب. واتهمت ألمانيا الكرملين بالوقوف وراء محاولة تنفيذ هجوم بطائرة مسيّرة في مطار لايبزيغ. وفي الوقت نفسه، تواصل بكين تعزيز سيطرتها على سلاسل التوريد الحيوية وطرح منتجات منخفضة الأسعار في الأسواق الأوروبية.
وتزيد هذه الضغوط الحاجة إلى استراتيجية أوروبية موحدة في السياسة الخارجية والاقتصاد، لكن الصراعات السياسية داخل الدول الأعضاء تعرقل التوافق الضروري لتنفيذها.
تمويل أوكرانيا يزيد تعقيد المفاوضات
تعد حاجة أوكرانيا إلى التمويل من أكثر الملفات إلحاحًا أمام الاتحاد الأوروبي. ووفقًا لصندوق النقد الدولي، ستواجه كييف العام المقبل عجزًا في الموازنة يتراوح بين 30 و35 مليار دولار. كما تؤدي الهجمات الروسية على البنية التحتية للطاقة إلى زيادة الضغوط الاقتصادية والإنسانية مع اقتراب فصل الشتاء، رغم أن الاتحاد الأوروبي وافق العام الماضي على تقديم 90 مليار يورو لأوكرانيا.
وخلال قمة الأسبوع الماضي، حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من عواقب سقوط بلاده، قائلًا إن 20 مليون أوكراني سيتجهون إلى الاتحاد الأوروبي إذا انهارت أوكرانيا. وأضاف: «روسيا تقتلنا»، مؤكدًا أن موسكو لا تريد وقف الحرب.
وقال لاندسبيرغيس إن الأشهر المقبلة ستكون شديدة الصعوبة بالنسبة إلى كييف، وإن عبء تمويل أوكرانيا ينتقل بصورة متزايدة إلى أوروبا.
ومن بين الخيارات المطروحة توفير الموارد من خلال الأصول الروسية المجمدة في مؤسسة «يوروكلير» المالية، ومقرها بروكسل، وتبلغ قيمتها نحو 200 مليار يورو. وهذه الأصول مجمدة إلى أجل غير مسمى، إلا أن دول الاتحاد لم تتوصل إلى موقف مشترك بشأن استخدامها لمساعدة أوكرانيا.
وتواصل بلجيكا اعتراضها على استخدام الأصول الروسية لهذا الغرض، بعدما عارضت الفكرة في السابق. وقال رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون، لدى مغادرته القمة مبكرًا، إن الموقف بشأن الأصول الروسية لم يتغير.
أما الخيار الآخر، المتمثل في زيادة الاقتراض المشترك للاتحاد الأوروبي، فيتطلب بدوره مفاوضات صعبة بين الدول الأعضاء. وبذلك أصبح تحديد الطريقة التي ستُسد بها فجوة التمويل الأوكرانية مرتبطًا بقدرة الاتحاد على تجاوز الجمود في مفاوضات الميزانية.
تتشابك الملفات المطروحة أمام الاتحاد الأوروبي: فهو يحتاج إلى إقرار ميزانية جديدة يبدأ تنفيذها في 2028، واتخاذ قرارات مشتركة بشأن تمويل أوكرانيا ومستقبل الأصول الروسية المجمدة والاختلالات التجارية، في وقت تحد فيه الانتخابات المقبلة من قدرة الحكومات على تقديم تنازلات قد تثير ردود فعل داخلية.
ويرى مسؤول أوروبي رفيع أن يناير قد يمثل إحدى آخر فرص إتمام اتفاق الميزانية. وإذا ضاعت هذه النافذة، فمن المتوقع أن تنتقل المفاوضات إلى مرحلة أكثر صعوبة، في ظل احتدام المنافسة السياسية داخل أوروبا.
المصدر: gazeteoksijen