بدأت بنقص المعلمين.. كيف اتسعت احتجاجات طلاب فرنسا لتضم شرائح اجتماعية عدة؟

تحولت احتجاجات طلابية بدأت في 17 سبتمبر داخل مدرسة ثانوية في ضاحية كريتاي الباريسية إلى حركة واسعة ضمت شرائح اجتماعية متعددة في فرنسا، بعدما امتدت مطالبها من نقص المعلمين وسوء ظروف التعليم إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن. وشارك في مظاهرات 17 أكتوبر 550 ألف شخص، وفق وزارة الداخلية الفرنسية، مقابل 800 ألف بحسب منظمي الاحتجاجات.
وتزيد هذه التعبئة الضغط السياسي على الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي لم يتمكن من ضمان أغلبية برلمانية منذ الانتخابات المبكرة عام 2024. كما تزامنت الاحتجاجات مع اعتراضات على إجراءات التقشف التي طرحتها الحكومة ضمن مشروع موازنة عام 2027، وما يرتبط بها من تقليص للإنفاق على الخدمات العامة وتفاقم أعباء المعيشة.
تسع سنوات من الوعود غير المنفذة
قالت أليس دي بريتو، نائبة رئيس الاتحاد الوطني لطلاب فرنسا (UNEF)، إن الاحتجاجات الحالية جاءت نتيجة تراكم مشكلات بدأت منذ وصول ماكرون إلى السلطة، مشيرة إلى أن خفض مخصصات الخدمات العامة، ونقص الموارد في قطاع التعليم، وارتفاع تكاليف المعيشة، دفعت الطلاب إلى النزول إلى الشوارع.
وأضافت، في مقابلة مع موقع «أوكسجين»، أن الطلاب يحتجون لأن سياسات ماكرون أدت، على مدى تسع سنوات، إلى تقليص ميزانيات الخدمات العامة، موضحة أن المدارس والجامعات لم تعد تعمل بكفاءة بسبب نقص المعلمين والمساحات، إلى جانب عدم تهيئة كثير من المؤسسات التعليمية للتعامل مع آثار تغير المناخ.
وتساءلت دي بريتو عن أوجه إنفاق الأموال التي جرى اقتطاعها من الخدمات العامة، قائلة إن خفض التمويل يرتبط بعدد كبير من المشكلات التي تواجه الطلاب والمجتمع.
ولا تقتصر المشكلات على التعليم، إذ أشارت إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة جعل السكن تحدياً حاداً للطلاب، خصوصاً في باريس. وقالت إن هناك طلاباً يعيشون حرفياً في الشوارع، لأن استئجار شقة في العاصمة مكلف للغاية، فضلاً عن صعوبة العثور على شقة من الأساس.
وأوضحت أن الطلاب في فرنسا ينظمون إضرابات كل عام خلال سبتمبر، وينضم إليهم العمال أحياناً، لكن احتجاجات هذا العام استمرت فترة أطول واتخذت طابعاً أكثر جماهيرية من تحركات السنوات السابقة. وبرأيها، وصل المحتجون إلى قناعة بأنهم انتظروا طويلاً، بعدما استمرت تخفيضات الخدمات العامة وارتفاع تكاليف المعيشة تسع سنوات متتالية.
تحالف بين الطلاب والنقابات و«السترات الصفراء»
لم تقتصر مظاهرات 17 أكتوبر على المجموعات الطلابية، بل شاركت فيها نقابات وتشكيلات سياسية وحركة «السترات الصفراء» ومجموعات اجتماعية مختلفة. وقالت دي بريتو إن التواصل مع حركة «السترات الصفراء» ساعد على جمع هذه الأطراف حول تحرك مشترك، بعدما عقدت المنظمات المشاركة اجتماعات لتحديد أهدافها وخطواتها.
وتعود خبرة الاتحاد الوطني لطلاب فرنسا، أحد أقدم التنظيمات الطلابية في البلاد، إلى عام 1907، عندما تأسس في مدينة ليل. ويعمل الاتحاد على قضايا المنح والسكن وظروف التعليم، وينظم، إلى جانب أنشطته داخل الجامعات، حملات وتحركات على مستوى البلاد.
وكان بين المسؤولين والأعضاء السابقين في الاتحاد الرئيسان الفرنسيان السابقان فرانسوا هولاند وليونيل جوسبان، إلى جانب شخصيات سياسية بارزة مثل جان لوك ميلانشون، وبنوا هامون، ومانويل فالس، وأوليفييه بيسانسونو. كما شارك الاتحاد في حركات اجتماعية عدة، من حركة الطلاب عام 1968 إلى احتجاجات عام 2006 ضد عقد التوظيف الأول المعروف باسم «سي بي إي» (CPE).
تعتمد الحركة الحالية على الجمع بين المبادرات المحلية والتنسيق الوطني. فالطلاب يقررون في مدنهم طبيعة التحركات التي يريدون تنظيمها، بينما يجري على المستوى الوطني وضع خطة مشتركة والتعامل مع الجوانب الفنية والتنظيمية.
وأكدت دي بريتو أن الطلاب والسكان المحليين يجب أن يقرروا بأنفسهم ما يريدون فعله في المدن التي يعيشون فيها، مضيفة أن الاستماع إلى مطالب الناس يمثل أساساً لأي تنظيم ناجح.
الاحتجاجات والعنف لا يلغي المطالب
ترى دي بريتو أن التركيز الإعلامي على أعمال العنف التي رافقت بعض المظاهرات حجب السؤال الأساسي: لماذا بدأ الطلاب الاحتجاج؟ وقالت إن العنف، من وجهة نظرها، يتمثل في أن يفقد مراهقون تتراوح أعمارهم بين 14 و16 عاماً أذرعهم أو أرجلهم أو أعينهم لمجرد احتجاجهم أمام مدارسهم، وكذلك في عجز الناس عن دفع الإيجارات أو شراء الطعام في نهاية الشهر.
وأقرت بوقوع أعمال عنف خلال مظاهرات 17 أكتوبر، لكنها شددت على ضرورة التمييز بين الأشخاص الذين استخدموا العنف والشباب الذين شاركوا سلمياً في الاحتجاجات. ووفقاً لها، فإن المطالب التي لم تتم تلبيتها منذ فترة طويلة، إلى جانب تدخلات الشرطة، أثرت في مسار التحركات.
وقالت إن أشخاصاً لجأوا إلى العنف، لكنهم لا يمثلون جميع المتظاهرين، مشيرة إلى أن كثيرين أضربوا وشاركوا في الاحتجاجات على مدى تسع سنوات، وطرحوا مطالب معقولة تتعلق بحقوقهم الأساسية بطريقة سلمية، بينما كان الرد الوحيد الذي تلقوه من قوات الشرطة.
وروت دي بريتو أنها واجهت تدخلاً من الشرطة في باريس يوم 17 أكتوبر قبل بدء المظاهرة، وقالت إنها كانت في الخارج منذ وقت مبكر جداً عندما أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع على أشخاص في الشارع قبل انطلاق الاحتجاج. وترى أن هذا التدخل زاد التوتر خلال ساعات اليوم، معتبرة أن «العنف يولد العنف»، وأن وجود شرطة تستخدم العنف منذ التاسعة صباحاً يجعل خروج الوضع عن السيطرة لاحقاً أمراً متوقعاً.
وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية في 18 أكتوبر حصيلة محدثة أفادت بتوقيف 2397 شخصاً خلال تحركات 17 أكتوبر. غير أن توقيف هؤلاء لا يعني بالضرورة تورطهم جميعاً في أعمال العنف، كما تؤكد دي بريتو أن المتورطين في تلك الأعمال كانوا نسبة صغيرة من إجمالي المحتجين.
وتنتقد المسؤولة الطلابية تركيز وسائل الإعلام على مشاهد العنف، قائلة إن الجميع كان يتحدث قبل شهر عن أسباب نزول الطلاب إلى الشوارع، بينما لم يعد أحد في فرنسا يتحدث عنهم أو عن مطالبهم. وترى أن هذا التجاهل يتيح للحكومة عدم تقديم رد على الشباب، ويمنحها انطباعاً بأن غياب التغطية الإعلامية يعني عدم الحاجة إلى الاستجابة.
تحركات جديدة و«جامعات شعبية»
تتوقع دي بريتو استمرار الحركة الطلابية خلال الأيام المقبلة، وقالت إن الاتحاد دعا المشاركين إلى مواصلة التعبئة وتنظيم تحركات محلية وفق ما يقررونه في مدنهم. وعلى المستوى الوطني، وجه الاتحاد دعوة إلى مظاهرة جديدة يوم السبت التالي لتحرك الأسبوع الماضي، متوقعاً أن تكون المشاركة فيها أكبر من المظاهرة السابقة.
ولا تقتصر التحركات على المسيرات والإضرابات، إذ يعمل الطلاب أيضاً على تعطيل عمل الجامعات والمدارس الثانوية، وينظمون داخل الجامعات دروساً ونقاشات مفتوحة أمام الجمهور. وتُعرف هذه المبادرات باسم «الجامعات الشعبية»، حيث تفتح الجامعات أبوابها أمام الجميع بمساعدة بعض أعضاء هيئة التدريس.
وقالت دي بريتو إن هذا النموذج طُبق في نحو 10 جامعات، وإن إدارات بعض الجامعات قدمت الدعم للطلاب، وهو أمر نادر الحدوث. وترى أن استعادة الجامعات لتكون فضاءً للطلاب، وجمع هذا العدد من الأشخاص وتنظيمهم، يعكس قدرة الحركة على الاستمرار ومستوى التنظيم الذي بلغه الطلاب فيما بينهم.
وتؤكد المسؤولة أن الطلاب ليسوا الفئة الوحيدة التي تنتظر رداً من الحكومة، إذ يطالب العمال وغيرهم ممن تأثروا بإصلاحات الحكومة بإجابات على مطالبهم أيضاً. وبناءً على ذلك، لا تتوقع أن تنتهي الحركة في وقت قصير، مشددة على أن الشباب والعمال والمتضررين من الإصلاحات سيواصلون التحرك إلى أن تتلقى مطالبهم استجابة.
المصدر: gazeteoksijen




