محادثات أنقرة لتوحيد الجيش الليبي تقترب من جعل سرت مقرًا للقيادة المشتركة.. ومحلل يوناني: «خسرنا ليبيا»

استضافت العاصمة التركية أنقرة محادثات بين صدام حفتر، نجل قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر، وعبد السلام الزوبي، ممثل حكومة طرابلس، لبحث توحيد المؤسسات العسكرية في شرق ليبيا وغربها، وسط تقارير عن اقتراب الطرفين من الاتفاق على جعل سرت مقرًا للقيادة العسكرية المشتركة.
ونقلت صحيفة «العربي الجديد»، استنادًا إلى مصادر ليبية، أن الاجتماعات تناولت أيضًا إطارًا لتحديد الصلاحيات العسكرية لوزارة الدفاع والمجلس الرئاسي، بما يشمل إصدار الأوامر العسكرية، وإدارة العمليات، وتحريك الوحدات، وتعيين القادة، والرقابة على الميزانية.
لكن المفاوضات لم تحسم الجهة التي ستتبع لها المؤسسة العسكرية الموحدة؛ إذ يطالب عبد السلام الزوبي بربطها بوزارة الدفاع، بينما يصر صدام حفتر على أن تكون تابعة للمجلس الرئاسي. كما بقي تقاسم الصلاحيات السياسية وموقع خليفة حفتر الحالي من الملفات العالقة.
محلل يوناني: أثينا راهنت على مصر والإمارات
أعادت هذه الاتصالات إشعال النقاش في اليونان حول تراجع نفوذ أثينا في ليبيا، خصوصًا مع استمرار المساعي التركية لتقريب المواقف السياسية والعسكرية بين شرق البلاد وغربها.
ووجّه الصحفي والمحلل السياسي اليوناني ميخاليس كوتساكوس انتقادات إلى حكومة رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس ووزير الخارجية يورغوس ييرابيتريتيس، معتبرًا أن أثينا لم تتوقع التحولات الجارية في ليبيا، واعتمدت لسنوات على نفوذ مصر والإمارات لخدمة مصالحها.
وقال كوتساكوس إن حكومة ميتسوتاكيس «راهنَت لسنوات، بسذاجة، على أن تستخدم مصر والإمارات نفوذهما السياسي بما يخدم مصالح اليونان»، مضيفًا أن مصر طبّعت علاقاتها مع تركيا ولم تعد تبدي اهتمامًا كبيرًا بليبيا، بينما تتعاون الإمارات، وفق معلومات نشرتها وسائل إعلام، مع أنقرة من أجل توحيد القوات المسلحة التابعة للإدارتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها.
وخلص المحلل اليوناني إلى القول: «لقد خسرنا ليبيا».
كما اتهم كوتساكوس وزارة الخارجية اليونانية بتجاهل العلاقات التي طوّرتها عائلة حفتر مع تركيا، وقال إن «كل شخص عاقل كان يرى عائلة حفتر تتردد على تركيا، باستثناء المسؤولين في وزارة الخارجية اليونانية».
ذكّر كوتساكوس بتحذير أطلقه عضو البرلمان الأوروبي نيكولاس فارانتوريس خلال زيارة إلى ليبيا في يناير، حين قال إن على اليونان أن تبقى في حالة تأهب، لأنه لاحظ تغيرًا في الأجواء بشرق ليبيا واتجاهًا نحو تركيا.
وقال كوتساكوس إن تحذير فارانتوريس، المنتمي إلى حزب باسوك، لم تأخذه وزارة الخارجية اليونانية على محمل الجد، وإن التطورات اللاحقة أثبتت صحة تقديره. وأضاف أن الحكومة اليونانية فوجئت تمامًا بما جرى، مشيرًا إلى أن الخبر الذي انفجر، على حد تعبيره، بعد ظهر الثلاثاء لم يكن معروفًا لدى المسؤولين، وأن هذه الواقعة تمثل «أكبر مسؤولية سياسية» تقع على عاتق حكومة ميتسوتاكيس.
انتقادات لقرارات أثينا تجاه حفتر
حمّل كوتساكوس وزير الخارجية ييرابيتريتيس مسؤولية عدم متابعة ما كان يجري خلف الكواليس، وقال إن البرلمان الليبي وافق على ما وصفه بـ«التفاهم التركي-الليبي غير القانوني»، وإن الجانب الليبي بات يمتلك الوثائق اللازمة لتقديم الاتفاق إلى الأمم المتحدة.
وانتقد المحلل اعتماد ميتسوتاكيس على تقييمات مستشار الأمن القومي اليوناني ثانوس دوكوس بدلًا من الإصغاء إلى تحذيرات فارانتوريس ومحللين آخرين. وكان دوكوس قد وصف دعم اليونان لخليفة حفتر عام 2020 بأنه «استثمار خاطئ» عمليًا، وتوقع أن تكون أيام حفتر السياسية معدودة.
غير أن حفتر، وفق كوتساكوس، لم يختفِ من المشهد، بل ظل أحد أبرز الفاعلين السياسيين والعسكريين في شرق ليبيا، فيما يهيئ لنقل السلطة إلى أبنائه الذين توصلوا إلى تفاهمات مع تركيا بشأن مختلف الملفات.
ويرى المحلل أن موافقة مجلس النواب الليبي على التفاهم، وإلغاء القرار الصادر عام 2020 بهدف مقاطعة تركيا، أظهرا أن أثينا لم تبنِ مرتكزات قوية تتيح لها الدفاع عن مصالحها الوطنية بفاعلية في المجالات التي كان يمكنها التحرك فيها.
وأضاف أن موقف وزارة الخارجية الأمريكية تغيّر بصورة جوهرية مقارنة بعام 2019؛ فبدلًا من وصف التفاهم التركي-الليبي بأنه غير قانوني، باتت واشنطن تقول للأطراف: «اتفقوا فيما بينكم، فهذه مسألة ثنائية». واعتبر كوتساكوس أن الولايات المتحدة كانت قد أدانت في ذلك الوقت توقيع الاتفاق، بينما تتعامل معه اليوم باعتباره خلافًا ثنائيًا.
وأكد أن السياسة الخارجية لا تختصر في «العناق الفارغ والابتسامات الخجولة» لوزير الخارجية، بل في قدرة الحكومة على تحويل مبادئ الدولة وحقوقها إلى نتائج ملموسة، داعيًا إلى إجراء تقييم سياسي جاد للتطورات الأخيرة في ليبيا.
أثينا تعيد فتح مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع مصر
في خضم هذه التطورات، أعلن ميتسوتاكيس إعادة إطلاق المفاوضات مع مصر بشأن ترسيم المناطق البحرية بين البلدين، في امتداد للاتفاق الذي وقعته أثينا والقاهرة عام 2020.
وقال رئيس الوزراء اليوناني في تقييمه الأسبوعي إن بلاده ترد على ما وصفها بالمطالب «التعديلية» لجيرانها، والتي لا تستند إلى القانون الدولي وتهدف إلى تغيير الوضع القائم، من خلال تحالفاتها القوية في العالم العربي، والحوار، واتفاقات ملزمة قانونيًا تضمن مصالحها الوطنية.
ووفق معلومات أوردتها شبكة «سكاي» نقلًا عن مصادر دبلوماسية يونانية، تسعى أثينا إلى توسيع النطاق الجغرافي لاتفاق ترسيم المناطق البحرية الموقع مع مصر عام 2020، وتتوقع اتخاذ خطوات في المستقبل القريب لتمديد الاتفاق إلى مناطق لم تُرسّم حدودها بعد.
ولم يُحسم حتى الآن النطاق الجغرافي الكامل للترسيم الجديد، كما لم يتحدد الجدول الزمني النهائي للمفاوضات.
المصدر: Türkiye Gazetesi




