اقتصاد

هزيمة ترامب ترفع وول ستريت.. لماذا رأى المستثمرون انقسام واشنطن مكسبًا؟

أظهرت انتخابات 3 نوفمبر في الولايات المتحدة مفارقة اقتصادية لافتة: خسر الرئيس دونالد ترامب والجمهوريون أغلبيتهم في مجلسي الشيوخ والنواب، لكن مؤشرات وول ستريت ارتفعت في صباح اليوم التالي. وبينما حمّل الناخبون أسعار البنزين وتكاليف المعيشة مسؤولية الضغط على ميزانياتهم، رأى المستثمرون أن انقسام السلطة في واشنطن قد يحد من التغييرات الاقتصادية المفاجئة خلال العامين المقبلين.

غلاء المعيشة حاضر في قرار الناخبين

أظهر استطلاع الخروج الذي أجرته شبكة «إن بي سي نيوز» في 3 نوفمبر أن 89 في المئة من الناخبين اعتبروا غلاء المعيشة عاملًا مهمًا أو حاسمًا في اختيارهم الانتخابي. وفي استطلاع أجرته «أسوشيتد برس-نورك» أواخر سبتمبر، حمّل 65 في المئة من الأميركيين سياسات ترامب مسؤولية ارتفاع الأسعار، فيما لم تتجاوز نسبة المؤيدين لطريقة تعامله مع غلاء المعيشة 17 في المئة.

وزادت تكاليف الطاقة المرتبطة بالحرب مع إيران وارتفاع أسعار البنزين من الضغوط على الأسر الأميركية. ومع تجاوز سعر غالون البنزين 4 دولارات، واجه مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على السيارات عبئًا ماليًا مباشرًا في حياته اليومية.

ومع ذلك، لا يمكن تفسير خسارة الجمهوريين بأسعار الوقود وحدها. فقد أثرت أيضًا نفقات الرعاية الصحية، وتكاليف السكن، والسياسات الاقتصادية للإدارة، والاستياء السياسي العام، فضلًا عن تصريحات ترامب التي استخف فيها بالناخبين. وكانت الرسالة الأوضح من صناديق الاقتراع أن ارتفاع البورصة لا يكفي لإقناع المواطنين بوجود تحسن اقتصادي إذا لم يلمسوا أثره في مشترياتهم وفواتيرهم اليومية.

لماذا ارتفعت الأسواق بعد خسارة ترامب؟

تراجعت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك في مرحلة من التداولات بنسبة 2.4 في المئة، بينما انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 1.4 في المئة عقب ظهور نتائج الانتخابات. لكن هذه العقود استعادت خسائرها مع اقتراب الصباح، وافتتحت وول ستريت على ارتفاع. وبعد وقت قصير من بدء التداول، صعد مؤشر داو جونز بنحو 1045 نقطة، أي ما يقارب 2 في المئة، فيما ارتفع «إس آند بي 500» بنسبة 1.25 في المئة وناسداك بنسبة 1.3 في المئة، واستمر الاتجاه الصاعد خلال اليوم.

وركز المستثمرون على ميزان القوى الجديد في واشنطن. فسيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس قد تجعل تمرير تخفيضات ضريبية جديدة، وحزم إنفاق ضخمة، وبعض المبادرات الاقتصادية المثيرة للجدل أكثر صعوبة أمام إدارة ترامب.

وغالبًا ما تتعامل الأسواق بإيجابية مع حكومة منقسمة، لأن توزيع السلطة يمكن أن يحد من التغييرات السياسية المفاجئة والشاملة. لكن هذا المكسب قد لا يكون دائمًا، إذ سيتوقف أثره على قدرة الطرفين على إدارة الخلافات المالية والسياسية.

وانعكس التحول السياسي على القطاعات بصورة متفاوتة. فقد ارتفعت أسهم شركات الطاقة المتجددة، مثل «فيرست سولار» و«صن رن»، بينما تراجعت أسهم شركات الصناعات الدفاعية وبعض شركات مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي. وفي سوق النفط، هبط خام برنت بنحو 1.5 في المئة خلال التداولات إلى قرابة 102 دولار، وسط توقعات بشأن مسار الحرب مع إيران.

الذكاء الاصطناعي يدخل الحسابات الانتخابية

من التطورات اللافتة أيضًا انعكاس الاعتراضات المحلية على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في النتائج السياسية. ففي ولايات مثل تكساس وجورجيا وأوهايو، تحولت كميات استهلاك الكهرباء والمياه وتكاليف البنية التحتية إلى قضايا محل نقاش.

وبينما أعلنت شركات التكنولوجيا خططًا لاستثمارات بمليارات الدولارات، بدأ السكان المحليون يطرحون سؤالًا مختلفًا: من سيتحمل تكلفة هذه المشاريع على فواتير الكهرباء والبيئة؟ ولا تعني مكاسب الديمقراطيين أن استثمارات الذكاء الاصطناعي ستتوقف، لكنها قد تدفع إلى إخضاع احتياجات مراكز البيانات من الطاقة، وتأثيراتها البيئية، وعلاقاتها بالمجتمعات المحلية لمزيد من الرقابة.

عامان من المساومات ومخاطر الموازنة

سيكون الكونغرس العقبة الأكبر أمام ترامب خلال الفترة المتبقية من ولايته. فتمرير تخفيضات ضريبية جديدة، وحزم موازنة كبيرة، وزيادات في الإنفاق الدفاعي سيتطلب التفاوض مع الديمقراطيين. كما قد تكثف لجان الكونغرس تحقيقاتها في أنشطة الإدارة.

لكن الديمقراطيين لن يمتلكوا سلطة مطلقة؛ إذ يحتفظ ترامب بحق النقض، كما تبقى صلاحيات السلطة التنفيذية في مجالي التجارة والسياسة الخارجية مؤثرة.

وقد تشكل مفاوضات الموازنة الاختبار الأصعب. فارتفاع الدين العام الأميركي، والخلافات حول سقف الدين، واحتمال إغلاق الحكومة ابتداءً من عام 2027، كلها مخاطر مهمة بالنسبة إلى الأسواق. وقد يطالب الديمقراطيون بتنازلات خلال المفاوضات المالية، بينما سيسعى البيت الأبيض إلى حماية أولوياته الاقتصادية.

ستتحدد صورة الاقتصاد الأميركي خلال العامين المقبلين إلى حد كبير عبر ثلاثة مسارات: تطورات الحرب مع إيران وأسعار النفط، وسياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي في مواجهة التضخم، والمفاوضات المتعلقة بموازنة واشنطن. كما ستبقى استثمارات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للطاقة تحت المراقبة، نظرًا إلى تأثيرها المحتمل في النمو.

وقد يتحول الجمود السياسي الذي رحبت به الأسواق اليوم إلى مصدر القلق الأكبر غدًا إذا قاد إلى أزمة في الموازنة. خسر ترامب معركة سياسية مهمة في الانتخابات، لكن أداء الاقتصاد الأميركي لن تحدده فقط تركيبة المقاعد داخل الكونغرس؛ بل ستؤثر فيه أيضًا أسعار الوقود، وفواتير الأسر، ونتائج المفاوضات التي ستجري في واشنطن.

قد تكون وول ستريت قد استخلصت من الانتخابات نتيجة إيجابية بالنسبة إليها، لكن الرسالة الأوضح جاءت من الناخب الأميركي الذي يحسب نفقاته عند محطة الوقود وصندوق المتجر. وخلال العامين المقبلين، ستحدد الأرقام التي تصل إلى جيبه أيضًا الأثر الاقتصادي للصراع السياسي في واشنطن.

المصدر: bloomberght

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى