فقد مشروع Stratos، الذي كان يُطرح باعتباره أكبر مركز بيانات في العالم، زخمه في ولاية يوتا الأميركية بعد اعتراضات محلية واسعة ونزاع قانوني وسياسي. وكان المشروع، المعروف على نطاق أوسع باسم Wonder Valley في إشارة إلى لقب كيفن أوليري في برنامج Shark Tank، يستهدف إنشاء حرم للذكاء الاصطناعي على مساحة 40 ألف فدان وبقدرة كهربائية تبلغ 9 غيغاواط، أي أكثر من ضعف متوسط استهلاك ولاية يوتا بأكملها.
ويعرض تحقيق أجراه الكاتب في موقع The Verge جوش دييزا كيف أُعد المشروع وأُعلن عنه وحصل على موافقات أولية، بينما ظل معظم سكان المنطقة خارج هذه العملية. ويقول دييزا إن المشروع «تلقى ضربة»، لكنه لم يُلغَ نهائيًا.
إعلان متأخر وموافقات غير مكتملة
بدأت قصة المشروع قبل أشهر من معرفة معظم سكان يوتا بوجوده. وكان عدد محدود من ملاك الأراضي في وادٍ ناءٍ، وبعض مسؤولي حكومة الولاية، وعدد من المطورين العقاريين، على علم بالمشروع في مراحله الأولى.
ووفق الوثائق التي اطلع عليها التحقيق، بدأ أوليري اتصالاته على مستوى الولاية مع مكتب الحاكم في أوائل يناير/كانون الثاني، ثم انتقل المشروع إلى هيئة تُعرف باسم MIDA، أو هيئة تطوير المنشآت العسكرية. وتتولى الهيئة مشاريع لها صلة عسكرية، ولو بصورة غير مباشرة، وتملك صلاحيات واسعة في استخدام الأراضي داخل مناطق التطوير التي تنشئها.
وتتطلب إقامة منطقة تابعة لـMIDA موافقة ملاك الأراضي، وتصديق مجلس الهيئة، ثم موافقة الحكومة المحلية. لكن الهيئة كانت قد وافقت على المشروع عندما بدأ أوليري الحديث عنه علنًا في أواخر أبريل/نيسان، في حين لم تكن مقاطعة بوكس إلدر قد وافقت عليه، بل لم يكن مسؤولوها على علم به إلا قبل ذلك بنحو شهر.
بدأ مسؤولو المقاطعة في أواخر مارس/آذار بسماع شائعات عن مركز بيانات مقبل، ثم علموا من حكومة الولاية بأن المشروع يحتاج إلى موافقتهم سريعًا. وفي أواخر أبريل، عقد مفوضو المقاطعة اجتماعًا، وبدأت المعلومات تنتشر عبر التغطية المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي. وقال بعض السكان إنهم علموا بالمشروع في مقهى أو متجر بقالة أو من منشورات على فيسبوك. وبعد يومين من اجتماع المقاطعة، صوّتت MIDA بالموافقة عليه.
تحالف واسع ضد المشروع
لم يحظَ المشروع بترحيب محلي. فقد أثارت قدرته المقترحة، البالغة 9 غيغاواط، مخاوف بشأن منشأة صناعية ضخمة قرب بحيرة سولت ليك العظمى، التي تتراجع مياهها فيما تعاني يوتا الجفاف. وقال المطورون إن المشروع لن يقلل المياه المتجهة إلى البحيرة، لكن السكان لم يقتنعوا بذلك.
توسعت الاحتجاجات سريعًا، وشاركت فيها مجموعات لا تجتمع عادة حول قضية واحدة، بينها ناشطون للحفاظ على مياه البحيرة العظمى ومجموعات محافظة مثل Utah Patriots Alliance، إلى جانب سكان محليين لم يسبق لكثير منهم الانخراط في النشاط السياسي. وأشار تقرير صادر عن مركز استخبارات تابع للولاية، وموجّه إلى قائد شرطة محلي، إلى أن مجموعات كانت تتظاهر عادة ضد بعضها اجتمعت هذه المرة لمعارضة مركز البيانات.
وتنوعت أسباب الاعتراض بين المخاوف البيئية، واستخدام المياه، وتلوث الهواء، والحرارة المنبعثة، والإعفاءات الضريبية، ومخاوف المراقبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كما اعترض سكان على الطريقة التي أُعد بها المشروع، معتبرين أنهم لم يُبلغوا به ولم يُمنحوا فرصة للتأثير في قرار يخص مقاطعتهم.
ويرى دييزا أن مراكز البيانات أصبحت قضية تجمع أطيافًا سياسية متباعدة، ليس بسبب اتفاقها على موقف واحد، بل لأن لكل طرف سببًا للاعتراض. وفي يوتا، وهي منطقة زراعية إلى حد كبير، لم يرَ السكان منفعة واضحة توازي إنشاء مشروع صناعي ضخم، كما لم يقتنع كثيرون بأرقام الوظائف التي يطرحها مطورو مراكز البيانات.
مشروع فاقد للزخم
بدأ السكان في تنظيم حضورهم للاجتماعات وطرح الأسئلة والتظاهر والاتصال بمكاتب المسؤولين. وتزامن ذلك مع بداية الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في الولاية، ما جعل المشروع حاضرًا في المناظرات والحملات الانتخابية.
ارتبط المشروع بخسائر سياسية طالت مسؤولين بارزين. فقد خسر مفوضان محليان مقعديهما، كما خسر J. Stuart Adams، رئيس مجلس شيوخ الولاية ورئيس مجلس إدارة MIDA، مقعده. وقالت مصادر عدة إنه كان يُوصف بأنه «ملك السياسة في يوتا»، مع الإشارة إلى وجود قضايا أخرى في تلك الانتخابات.
وقدم ناشطون محليون طلبًا لإجراء استفتاء يهدف إلى إلغاء موافقة المقاطعة. ورفضت المقاطعة الطلب، لكن القرار يخضع للتقاضي، ما أبقى المشروع في حالة توقف مؤقت. ويقول دييزا إن المشروع لم يعد يتمتع بالزخم الذي كان لديه في البداية، إلا أن مصيره النهائي ما زال غير محسوم.
وتكتسب المماطلة أهمية في سوق تعتمد فيه مشاريع مراكز البيانات على السرعة. فبعض المطورين يجمعون الأراضي والطاقة والتراخيص ثم يبيعون هذه الحزم إلى مطورين آخرين، وقد تصل قيمتها إلى 20 ضعف سعر الأرض الخام أو أكثر. وكلما طال النزاع القضائي والسياسي، تراجعت ميزة السرعة التي تُعرض على المشترين المحتملين.
اتهامات بالتجسس واعتذار
كان أوليري الوجه العلني للمشروع، وهاجم المحتجين خلال تصاعد الاعتراضات. ففي مقابلة مع قناة Fox News، وصف منتقدي المشروع بأنهم «جواسيس صينيون». وأثارت تصريحاته دعوى تشهير، واضطرت القناة إلى الاعتذار على الهواء، كما نشر أوليري اعتذارًا عبر حسابه على إنستغرام.
وقال سكان تحدثوا إلى التحقيق إنهم شعروا بإهانة إضافية، لأن بعضهم ينتمي إلى عائلات عاشت في المنطقة لأجيال. ولم تؤدِ محاولة تقديم الاعتراضات باعتبارها جزءًا من صراع مع الصين إلى كسب تأييد سياسي، بل ارتبطت بتعبئة مزيد من السكان ضد المشروع. وعندما ظهر أوليري مع المعلق تاكر كارلسون، ظل كارلسون يشكك في حجة الصين ويسأله عن سبب دعم الناس لمركز البيانات.
ومع تصاعد النزاع، ابتعد أوليري عن الواجهة، وأصبح محاموه يتولون الرد على الصحفيين. وعندما أرسل The Verge أسئلة مفصلة، جاء الرد عبر محاميه، متضمنًا طلب التأكد من دقة كل ما سينشر، من دون تقديم إجابات مباشرة.
طفرة مراكز البيانات «على الورق»
يربط دييزا مشروع Stratos بطفرة أوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فشركات الحوسبة السحابية العملاقة، مثل Google وMeta وAmazon، تخوض سباقًا تعتبره حاسمًا للوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام، وتنفق مبالغ ضخمة لبناء مراكز البيانات بسرعة. أما شركات مثل OpenAI وAnthropic، فلا تتمتع بالقوة الائتمانية نفسها، ولذلك تظهر في بعض المشاريع ترتيبات ضمان مع شركات مثل Nvidia وغيرها.
وتواجه مشاريع مراكز البيانات اختناقات في الربط بشبكات الكهرباء، إذ قد تستغرق العملية سنة أو سنتين أو أكثر. واتجه بعض المطورين إلى إنشاء محطات توليد خاصة خارج الشبكة، تُعرف باسم الطاقة «خلف العداد». وغالبًا ما تعتمد هذه المحطات على الغاز الطبيعي، لأن إنشاءها قد يكون أسرع من إجراءات محطة نووية أو منظومة شمسية مع بطاريات. لكن توربينات الغاز نفسها أصبحت محجوزة لسنوات.
وفي هذا السياق ظهرت تجارة تُعرف باسم تجميع الأراضي المزودة بالطاقة. يجمع المطور مساحات واسعة من الأراضي، ويحاول تأمين الطاقة والتراخيص، ثم يبيع الحزمة إلى جهة قادرة على بناء مركز بيانات. وقد تُعلن مشاريع بقدرة 10 غيغاواط أو باعتبارها «أكبر مركز بيانات في العالم»، من دون أن يعني الإعلان وجود تمويل كامل لبنائها.
وتُعرف بعض هذه المشاريع باسم «مراكز البيانات الورقية»، لأنها قد تملك مساحة مادية أو قدرة كهربائية محتملة أو تصريحًا جزئيًا، لكنها لا تملك بالضرورة التمويل أو الشرائح الإلكترونية أو العميل النهائي. وفي هذه السلسلة، لا يظهر السكان المحليون عادة طرفًا في الصفقة، إلى أن تتحول اعتراضاتهم إلى عائق أمام سرعة التنفيذ.
أسئلة مالية وبيئية
تشارك في تمويل هذه المشاريع جهات مثل الائتمان الخاص وصناديق التقاعد والمستثمرين المؤسسيين. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن العقود قد تمنح الممولين ضمانًا بأن شركات كبرى مثل Meta ستدفع، بصرف النظر عن أداء الذكاء الاصطناعي. لكن التحقيق أشار إلى أن أحدًا لا يعرف على وجه اليقين ما إذا كان القطاع يمر بفقاعة أو ما إذا كانت عائداته ستبرر الإنفاق الهائل.
وتستمر بعض المنشآت التي تُبنى اليوم لعقود، بما في ذلك محطات غاز ضخمة في مناطق نائية. ويثير ذلك سؤالًا بشأن ملاءمة إنشاء مراكز بيانات منفصلة عن الشبكة وتعتمد على الوقود الأحفوري لبناء بنية تحتية لتقنية توصف بأنها على مستوى الحضارة.
وقال سكان المنطقة إن اعتراضهم لا يتعلق بالذكاء الاصطناعي وحده. فهم يستخدمون أدواته أحيانًا للبحث أو إعداد بطاقة تهنئة، لكنهم لا يرون أن ذلك يبرر إنشاء منشأة غازية عملاقة قرب بحيرة سولت ليك العظمى أو تغيير طبيعة المنطقة. وبالنسبة إليهم، تبدو الأضرار المحلية ملموسة، بينما تذهب الفوائد إلى شركات وأشخاص بعيدين عن المجتمع.
ولا يرى دييزا، استنادًا إلى مقابلاته، وجود قاعدة شعبية محلية مؤيدة لمراكز البيانات. وحتى ملاك الأراضي الذين قد يجنون أموالًا من بيع أراضيهم قال بعضهم إنهم غير سعداء بقدوم المشروع. ومع ذلك، لا يعني تعثر Stratos توقف توسع مراكز البيانات على المستوى الوطني؛ فما زالت في يوتا مشاريع «ورقية» أخرى تنتظر التراخيص أو التوربينات، وقد يضيف نموذج Stratos احتكاكًا سياسيًا وقانونيًا إلى السباق من دون أن يوقفه بالكامل.
المصدر: theverge