كشفت إفادة من 51 صفحة أدلى بها فرحات غوندوغدو، رئيس لجنة الحكام المركزية في الاتحاد التركي لكرة القدم، بعد توقيفه، تفاصيل التحقيق المعروف باسم «ملف الحكام»، بما في ذلك قرارات إبعاد حكام ومراقبين، واتصالات مباشرة قبل المباريات، وشبهات التدخل في التعيينات والاختبارات، إضافة إلى حركة مالية كبيرة وتحويلات بقيمة 40 مليوناً و140 ألف ليرة تركية إلى شركة إنشاءات.
وأوقف غوندوغدو ضمن تحقيق تنفذه شعبة مكافحة الجرائم المالية في مديرية أمن إسطنبول، بتنسيق مع مكتب الجرائم الرياضية والمراهنات غير القانونية التابع للنيابة العامة في إسطنبول. ويتناول التحقيق ادعاءات تتعلق بجرائم «الإيذاء» و«تزوير الوثائق الرسمية»، استناداً إلى أبحاث المصادر المفتوحة، وبيانات هيئة التحقيق في الجرائم المالية التركية، وسجلات الاتصالات، وإفادات المشتكين والشهود، وتقييمات الخبراء.
ونفى غوندوغدو جميع الاتهامات الموجهة إليه، كما رفض روايات الحكام الذين قالوا إنهم تضرروا من قرارات لجنة الحكام أو تعرضوا لضغوط. وأكد أن قرارات التصنيف والتعيين اتُخذت ضمن آليات مؤسسية وبموافقة إدارة الاتحاد التركي لكرة القدم.
قرارات التصنيف وإعادة حكام إلى القوائم
سُئل غوندوغدو عن تغيير تصنيفات الحكام والمراقبين في 8 مارس/آذار 2022، بينما كان الموسم مستمراً، وعن إخراج عدد كبير منهم من التصنيفات خلال فترة إقامة المباريات. وقال إن القرار اتُخذ بإرادة مجلس إدارة الاتحاد التركي لكرة القدم، عقب مطالب من الرأي العام والأندية، وبعد أخذ رأي الوحدات القانونية في الاعتبار.
لكن عدداً كبيراً من الحكام تقدموا بطعون إلى مجلس التحكيم، وأعيد جزء مهم منهم إلى العمل، فيما غادر غوندوغدو منصبه بعد فترة قصيرة. كما طُرح عليه أن بعض الأسماء التي أعادها مجلس التحكيم إلى العمل في 2022 أُخرجت مجدداً من القوائم في 2024، ومن بينها بوراك شيكر، وعبد القادر بيتيغن، وألبارسلان دديش، وحسين غوتشيك، وميرت غوزنغه، ومراد أردوغان، وألبير أولوسوي، وباهاتين شيمشك، وإسماعيل شنكان، وكوراي غنشرلر، ومسعود جاريك، إلى جانب أسماء أخرى.
وقال غوندوغدو إنه لم يتصرف بدافع خصومة شخصية أو رغبة في الانتقام، موضحاً أن القرارات اتخذتها لجنة الحكام بصورة جماعية، ثم حصلت على موافقة إدارة الاتحاد. وتعد إعادة استبعاد أسماء أعيدت قانونياً إلى العمل في 2022 واحدة من المحاور الأساسية للتحقيق.
كما تناولت الإفادة نشر قائمة أولى للحكام والمراقبين في موسم 2024-2025، ثم إصدار قائمة ثانية بعد فترة قصيرة أزيلت منها أسماء كانت موجودة في القائمة الأولى. وقال مشتكون وشهود إنهم لم يتلقوا أسباباً محددة وشخصية لهذه التغييرات. ودافع غوندوغدو عن القرارات باعتبارها مرتبطة بالأداء والاحتياجات وتقييم لجنة الحكام، رغم تكرار روايات تفيد بإبعاد 13 حكماً و6 مراقبين من القائمة لاحقاً.
وتضمنت الإفادات أيضاً نمطاً آخر يتعلق بإبعاد حكام ومراقبين سبق أن أداروا أو راقبوا مباريات محددة، ولا سيما بعض مباريات طرابزون سبور في عام 2015. وذكر سليمان أباي، وتانر غيزلنجي، وإمري ألتون، في رواياتهم، أن أشخاصاً شاركوا في تلك المباريات أُبعدوا بعد سنوات ضمن تغييرات التصنيف نفسها. إلا أن غوندوغدو رفض اعتبار ذلك تصفية مستهدفة، وأرجعه إلى تقييمات الأداء وقرارات اللجنة.
تعيينات يدوية واتصالات قبل المباريات
قال حكام، بينهم أرين أكار، وبوراك طاشكن صوي، وغامزه دورموش باكان، إن نظام «فيتاس» (VETAS) كان يظهر تعيينات منهجية، لكن إدارة لجنة الحكام كانت قادرة على تغييرها يدوياً، أو ترك الحكم خارج «المرحلة» ومنعه من الحصول على مهمة. ونفى غوندوغدو أن يكون أي حكم أُبعد تعسفياً بهذه الطريقة، موضحاً أن «فيتاس» ليس نظاماً إلزامياً بموجب اللوائح، وأن اللجنة عملت خلال فترته على تطويره.
وأقر غوندوغدو بأنه اتصل ببعض الحكام قبل المباريات خلال فترة عمله، قائلاً إن الهدف كان رفع معنوياتهم أو معرفة ما إذا كان هناك موضوع مهم ينبغي متابعته. لكنه أقر، في حالة الحكم أوميت أوزتورك، بأنه نقل إليه انزعاج نادٍ من تعيينه تحديداً لإدارة إحدى المباريات.
وقال أكثر من شاهد إن غوندوغدو تحدث مع الحكام بطريقة توحي بأنه يعرف الأشخاص الذين يتواصلون معهم، أو يستطيع الوصول إلى سجلات اتصالاتهم، مستخدماً عبارة «سجلات الاتصالات لدي». وأقر غوندوغدو باستخدام هذه العبارة، لكنه قال إن سياقها مختلف؛ إذ كان يحذر من تسريب معلومات داخلية إلى الصحافة، ويذكر بأن سجلات الاتصالات قد تصل إلى القضاء في حال تقديم شكوى. واعتبر ذلك تحذيراً لحماية مسيرة الحكام، وليس تهديداً لهم.
وعندما سُئل عن تسجيل صوتي منسوب إلى كرم أرصوي، لم يجب عن مضمون الكلام الوارد فيه. وقال إن التسجيل ربما حصل عليه بطريقة غير قانونية، وإن التحقيق لا يمكن أن يستند إلى دليل غير مشروع، ولذلك امتنع عن التعليق على محتواه.، لم يتضمن محضر الإفادة تفسيراً مادياً للكلمات المسجلة، رغم أن الامتناع عن الإجابة يندرج ضمن حق الدفاع.
حكام غابوا أسابيع بعد أخطاء أو خلافات
تحدث حكم تقنية الفيديو في الدوري التركي الممتاز عبد الله بوغرا طاشكن صوي عن منعه من أداء مهامه لنحو 70 يوماً بعد تدخل لتقنية الفيديو في مباراة غنجلربيرليغي وإسطنبول سبور. وقال إن غوندوغدو أخبره وأعضاء طاقم الفيديو الآخرين بأنهم «لن يخرجوا إلى المباريات حتى إشعار آخر».
وأقر غوندوغدو بوقوع خطأ بالغ الأهمية من طاشكن صوي، لكنه قال إن إبقاء الحكام خارج «المرحلة» لفترة طويلة بعد الأخطاء الجسيمة أمر طبيعي، نافياً أن يكون الإجراء شكلاً من أشكال المضايقة في مكان العمل.
وفي واقعة أخرى، قال طاشكن صوي إنه اتُّهم بتسريب موعد ندوة بداية الموسم إلى الصحافة، وإن غوندوغدو قال له: «لن أعطيك مباريات هذا العام»، ما أدى إلى غيابه نحو 75 يوماً. وأضاف أن تكليفه بالمباريات استؤنف بعد اتضاح أنه لم يكن مصدر التسريب. ورد غوندوغدو بأنه ربما وجه كلمات قاسية إلى حكام في لحظات غضب، لكنه لم يفرض عقوبات اعتباطية.
كما عرضت الإفادة رواية حكم تقنية الفيديو في الاتحاد الدولي لكرة القدم مصطفى إلْكر جوشكون، الذي قال إنه، رغم احتلاله مركزاً متقدماً ضمن قائمة حكام الفيديو، أُبعد عن المباريات الأوروبية والتكليفات المهمة، وتراجع تقييم أدائه، حتى بدأ يتجه إلى ترك التحكيم. وأضاف أن حكام الفيديو كُلّفوا بإعداد «قائمة تحقق» خارج نطاق مهامهم.
وقال غوندوغدو إن تقييمات جوشكون في نظام «ريبو» (REPU) كانت ضعيفة، وإن التكليفات الأوروبية لا تقع ضمن صلاحياته، كما أوضح أن جوشكون ترك التحكيم بناء على طلب قدمه بنفسه.
تقارير المراقبين والاختبارات والترقيات
ذكر عدد من الشهود أن تقارير إيجابية أعدها مراقبو المباريات حُولت إلى تقارير سلبية بتدخل لجنة الحكام، أو أن علامات الحكام خُفضت. وأوضح غوندوغدو أن اللجنة، عندما تجد اختلافاً بين تقييم «ريبو» وتقرير المراقب، كانت تقترح على المراقب إعادة تقييم تقريره، لكنه أقر بأن المراقب كان حراً في تعديل التقرير أو الإبقاء عليه.
وتضمنت الإفادات اتهامات بالخروج عن معايير الجدارة ومنح بعض الحكام امتيازات، إذ قال شهود إن حكاماً رُقّوا رغم نتائجهم في الاختبارات، ومعايير اللغة الأجنبية، واختبارات الجري، وتقييمات المراقبين، بينما خُفض تصنيف أسماء ناجحة. ونفى غوندوغدو منح امتيازات لحكام مقرّبين منه، مؤكداً أن الترقيات وخفض التصنيفات تمت وفق تعليمات لجنة الحكام ونتائج الاختبارات وقرارات اللجنة.
كما وردت روايات عن تسليم أسئلة الاختبارات مسبقاً لبعض الحكام، والتدخل في أوراق الإجابة، وإدخال علامات مختلفة إلى النظام. وقال أرين أكار، وبوراك طاشكن صوي، وشهود آخرون إنهم علموا بهذه الوقائع أو شهدوا عليها، بينما أكد غوندوغدو أنه لم يرَ تلك الأحداث بنفسه، وأن وحدة التعليم هي التي تدير إجراءات الاختبارات.
وسُئل غوندوغدو عن لقطات شاشة لمراسلات عبر واتساب قيل إنها تخص فرَدي كارادوروك، وتتضمن رسائل إلى حكام مقبلين على الاختبار مثل «ادرسوا هذه الأسئلة»، و«كلها ستكون من الركلات الحرة»، و«ستكون هناك 3 أسئلة من البطاقات». فأجاب بأن جمعية الحكام النشطين في الاتحاد التركي لكرة القدم لا تملك صلاحية في اختبارات الحكام، وأنه لا يعرف شيئاً عن تلك المراسلات. وقدم الإجابة نفسها بشأن مراسلات أخرى بين فرَدي كارادوروك وأحمد شاهين.
وفي ملف يعود إلى عام 2017، نوقشت شبهة تزوير في أوراق اختبار تخص علي تونا، بعدما أظهر تقييم خبير أن الكتابة الموجودة في ورقة الاختبار غير الناجحة المرسلة إليه ليست خطه. ونفى غوندوغدو حدوث تزوير في الوثيقة، وقال إن علي تونا يكن له العداء.
وتطرقت الإفادات كذلك إلى حكام قالوا إنهم حُرموا من المباريات أو أُلغيت عضوياتهم أو أُبعدوا من اللجان المحلية بعد دعم مرشحين محددين في انتخابات جمعية الحكام أو بعد خلافهم مع الإدارة. وذكر مراد زيرك وأسماء أخرى هذه الوقائع، فيما قال غوندوغدو إنه لا يملك معرفة مباشرة بهذه الإجراءات المحلية ولم يصدر تعليمات بشأنها.
بيانات مالية وتحويلات إلى شركة إنشاءات
استناداً إلى بيانات أولية من هيئة التحقيق في الجرائم المالية، سُئل غوندوغدو عن 5,773 عملية خروج أموال بين عامي 2007 و2026، بلغت قيمتها 294 مليوناً و116 ألفاً و419 ليرة، وعن 3,620 عملية دخول أموال بقيمة 258 مليوناً و289 ألفاً و170 ليرة.
وقال إن هذه الحركة نتجت عن رواتب، ومكافأة التقاعد، ومدخرات مؤسسة «أوياك» (OYAK)، وأجور الاتحاد التركي لكرة القدم، إلى جانب بيع وشراء السيارات والمنازل والأراضي ومعاملات رسمية أخرى. لكنه أقر بأن حجم الأموال الخارجة، البالغ نحو 294 مليون ليرة، مرتفع مقارنة بدخله، معرباً عن اعتقاده بإمكان وجود أخطاء في البيانات.
كما سُئل عن تحويلات بلغ مجموعها 40 مليوناً و140 ألف ليرة إلى شركة «فيدانلار إنشات» خلال الفترة الممتدة من 2 يونيو/حزيران 2025 إلى 26 مايو/أيار 2026. وقال إنه اشترى لابنتيه وحدتين سكنيتين من نوع 2+1 ضمن مشروع «منازل إنجك مانظرة» في أنقرة، وإن المدفوعات مُوّلت من عائد بيع منزل صيفي ورثته زوجته، إضافة إلى مدخراته الشخصية.
وفي العملية الأمنية المرتبطة بالتحقيق، أوقفت السلطات في عناوين داخل إسطنبول وأنقرة وإلازيغ ومانيسا كلاً من فرحات غوندوغدو، ورئيس جمعية الحكام النشطين في الاتحاد التركي لكرة القدم فرَدي كارادوروك، ونائب الرئيس السابق للجنة الحكام المركزية أحمد شاهين، والعضو السابق يونُس يلدريم، ومسؤول التعليم والمنطقة الرابعة في الاتحاد سباهاتين شاهين، ومسؤول التنظيم في فرع إسطنبول لجمعية الحكام والمراقبين أليجان صاغلار، ورئيس لجنة الحكام الإقليمية في إسطنبول التابعة للجمعية إمري كوسيف.
وأفادت التحقيقات أيضاً بتوقيف حكم الدوري التركي الممتاز ياسين كول، والحكم المساعد في الدوري نفسه غوكتوغ هازار إيريل، على يد فرق شعبة مكافحة الجرائم المالية في إسطنبول.
المصدر: Türkiye Gazetesi