لماذا تراجعت أسعار الذهب بعد الارتفاع القياسي؟

لماذا تراجعت أسعار الذهب بعد الارتفاع القياسي؟
شهدت أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة قفزات تاريخية، مدفوعة بتصاعد حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي على مستوى العالم، ما دفع المستثمرين إلى الإقبال على المعدن الأصفر بوصفه «الملاذ الآمن» في أوقات الأزمات. غير أن هذا الصعود اللافت لم يستمر طويلًا، إذ أعقبته موجة تراجع أثارت تساؤلات واسعة حول أسباب ما جرى ومستقبل أسعار الذهب.
قمم تاريخية ثم انعطافة مفاجئة
في 26 يناير، سجّل الذهب رقمًا قياسيًا جديدًا بعدما تجاوز سعر الأونصة حاجز 5 آلاف دولار، قبل أن يلامس لفترة وجيزة مستوى 5.500 دولار. ولم يكن الذهب وحده في هذا المسار الصاعد، إذ شهدت الفضة والبلاتين ارتفاعات قوية أيضًا.
لكن سرعان ما تبدّل المشهد، حيث بدأت أسعار هذه المعادن بالتراجع الحاد، بالتزامن مع ظهور مؤشرات على قدر من الاستقرار السياسي في الولايات المتحدة. ورغم هذا التراجع، ما زالت الأسعار عند مستويات أعلى بكثير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
غموض سياسات ترامب يدفع المستثمرين نحو الذهب
أحد أبرز أسباب صعود الذهب تمثّل في السياسات التجارية المثيرة للجدل التي انتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خاصة الرسوم الجمركية التي فرضها على عدد من الدول. هذه الخطوات أربكت التجارة العالمية وأثارت قلق المستثمرين.
وتؤكد إيما وول، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في شركة هارجريفز لانسداون، أن استمرار الغموض في السياسات التجارية كان عاملًا رئيسيًا في دفع أسعار الذهب إلى الارتفاع، مشيرة إلى أن تهديدات ترامب بفرض رسوم جديدة على دول أوروبية ساهمت في تراجع أسواق الأسهم وارتفاع الطلب على المعادن الثمينة.
من جهته، يرى حماد حسين، الخبير الاقتصادي في كابيتال إيكونوميكس، أن المخاطر المرتبطة بالسياسات الخارجية والمالية للولايات المتحدة عززت صورة الذهب كاستثمار آمن، وجعلته محط اهتمام المستثمرين عالميًا.
الحروب والتوترات الجيوسياسية تعمّق عدم اليقين
لم تقتصر أسباب الصعود على السياسات الأميركية فحسب، بل ساهمت أيضًا الحروب المستمرة في أوكرانيا وغزة في تعميق حالة القلق عالميًا. كما أدت تطورات سياسية وأمنية أخرى، من بينها توتر العلاقات الدولية وتهديدات تتعلق بغرينلاند، إلى إضعاف الثقة بالدولار الأميركي ودفع المستثمرين نحو الذهب.
وتشير وول إلى أن الذهب «يؤدي دوره التقليدي» في أوقات الاضطراب، إذ يرتفع مع تصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية، ومع ازدياد عدم اليقين السياسي داخل الولايات المتحدة وخارجها.
دور البنوك المركزية في دعم الأسعار
تُعد مشتريات البنوك المركزية من الذهب عاملًا محوريًا في دعم الأسعار خلال السنوات الأخيرة. فالكثير من الدول باتت تنظر إلى الذهب بوصفه احتياطيًا محايدًا وأكثر أمانًا من العملات المرتبطة بالسياسات الأميركية.
ورغم استمرار هذه المشتريات بمستويات أعلى مما كانت عليه قبل عام 2022، إلا أن التوقعات تشير إلى احتمال تراجع نسبي في الطلب خلال عام 2025. كما لعبت الصين، سواء عبر الأفراد أو المستثمرين، دورًا مهمًا في زيادة الطلب، إلى جانب دخول لاعبين جدد إلى السوق وجمعهم كميات كبيرة من الذهب.
لماذا تراجعت الأسعار مؤخرًا؟
بعد موجة الصعود القوي، بدأت الأسعار بالتصحيح. ويُعزى ذلك جزئيًا إلى تراجع المخاوف بشأن السياسة النقدية الأميركية، خاصة بعد تداول أنباء عن نية ترامب ترشيح شخصية تُعد أكثر توازنًا لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، ما خفف من القلق بشأن ضعف الدولار وارتفاع التضخم.
هذا التغير في التوقعات دفع بعض المستثمرين إلى جني الأرباح، ما انعكس على أسعار الذهب والفضة والبلاتين. ومع ذلك، ما زالت التوترات الجيوسياسية والرسوم الجمركية والصراعات العالمية عوامل داعمة لبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبيًا.
الندرة… سر جاذبية الذهب
يظل الذهب جذابًا بفضل ندرته واستقلاله عن ديون الحكومات أو أداء الشركات، ما يجعله أقل عرضة للتقلبات الحادة مقارنة بالأصول الأخرى. ويؤكد خبراء الأسواق أن الذهب يبقى أداة فعالة لتنويع الاستثمارات، خاصة في عالم يتسم بتزايد الغموض وعدم الاستقرار.
ورغم أن تقلبات الأيام الأخيرة أظهرت أن أسعار الذهب يمكن أن تنخفض بسرعة كما ترتفع، إلا أن المعدن الأصفر ما زال يحتفظ بمكانته كخيار مفضل للمستثمرين الباحثين عن الأمان في أوقات الاضطراب.