اكتشاف الميكروويف بالصدفة: كيف قادت قطعة شوكولاتة ذائبة إلى اختراع جهاز الملايين؟

**من شوكولاتة ذابت في جيبه إلى اختراع غيّر المطابخ.. قصة اكتشاف فرن الميكروويف**
يستخدم ملايين الأشخاص فرن الميكروويف يومياً لتسخين الطعام وإعداد الوجبات بسرعة، لكن القليل يعرف أن هذا الجهاز المنزلي بدأ قصته من ملاحظة عابرة داخل مختبر يعمل على تكنولوجيا الرادار. ففي عام 1945، لاحظ المهندس الأمريكي بيرسي سبنسر أن قطعة شوكولاتة كانت في جيبه قد ذابت أثناء عمله بالقرب من جهاز يُعرف باسم «المغنطرون»، وهو أحد المكونات الأساسية في أنظمة الرادار.
لم يتعامل سبنسر مع الواقعة باعتبارها مصادفة عابرة، بل حاول فهم سبب ذوبان الشوكولاتة رغم عدم وجود مصدر حرارة تقليدي قريب منها. ومن هنا بدأت سلسلة من التجارب التي قادت لاحقاً إلى تطوير أول فرن يعمل بالموجات الدقيقة، قبل أن يتحول الاختراع من جهاز ضخم مخصص للمؤسسات إلى أداة أساسية في مطابخ المنازل حول العالم.
كيف بدأت قصة الشوكولاتة الذائبة؟
كان بيرسي سبنسر يعمل مهندساً لدى شركة «رايثيون» الأمريكية، التي كانت تنشط خلال الحرب العالمية الثانية في تطوير وإنتاج معدات مرتبطة بتكنولوجيا الرادار. وفي ذلك الوقت، كان المغنطرون يؤدي دوراً مهماً في توليد الموجات المستخدمة في أنظمة الرادار، وهي موجات كهرومغناطيسية قادرة على نقل الطاقة والتأثير في المواد القريبة منها.
وخلال وجود سبنسر بالقرب من جهاز مغنطرون قيد التشغيل، لاحظ أن قطعة الشوكولاتة الموجودة في جيبه بدأت بالذوبان. وتذكر المصادر العلمية والتاريخية هذه الحادثة باعتبارها الشرارة التي دفعت المهندس إلى اختبار تأثير تلك الموجات في المواد الغذائية. ورغم أن الرواية انتشرت بصيغ مختلفة، فإن المؤسسات العلمية، ومنها مؤسسة سميثسونيان، تنسب إلى سبنسر تطوير أول فرن ميكروويف بعد ملاحظته قدرة المغنطرون على توليد الحرارة.
أجرى سبنسر بعد ذلك تجارب على أطعمة أخرى، من بينها حبات الذرة، التي بدأت بالانفجار والتحول إلى فشار عند تعرضها للموجات. كما اختبر بيضة داخل وعاء، إلا أن الضغط المتولد داخلها أدى إلى انفجارها أثناء التجربة. وأظهرت هذه الاختبارات أن الموجات الدقيقة لا تُستخدم فقط في أنظمة الرادار، بل يمكنها أيضاً تسخين الطعام بسرعة.
من تكنولوجيا الرادار إلى تسخين الطعام
تعتمد فكرة فرن الميكروويف على توجيه موجات كهرومغناطيسية قصيرة داخل حجرة معدنية مغلقة. وتؤدي هذه الموجات إلى تحريك جزيئات الماء الموجودة في الطعام، ما ينتج عنه احتكاك وطاقة حرارية تؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة. ولهذا السبب تسخن الأطعمة التي تحتوي على نسبة من الماء بسرعة داخل الفرن.
وبعد نجاح التجارب الأولى، بدأ سبنسر العمل على احتواء الموجات داخل صندوق معدني، بحيث يمكن استخدامها بصورة أكثر أماناً وانتظاماً. وكانت هذه الخطوة ضرورية لتحويل الملاحظة المختبرية إلى جهاز قادر على تسخين الطعام داخل حجرة مغلقة، بدلاً من تعريض المواد للموجات بشكل مباشر في بيئة مفتوحة.
قدمت شركة «رايثيون» في 8 أكتوبر 1945 طلباً للحصول على براءة اختراع مرتبطة باستخدام الموجات الدقيقة في تسخين الطعام. وفي عام 1950، مُنحت براءة اختراع أمريكية لأسلوب معالجة المواد الغذائية باستخدام هذه التقنية، بينما وثقت براءة أخرى لاحقة تصميم جهاز أكثر قرباً من شكل فرن الميكروويف المعروف حالياً.
أول فرن ميكروويف لم يكن مناسباً للمنازل
لم يكن أول جهاز تجاري يشبه الأجهزة الصغيرة الموجودة على أسطح المطابخ اليوم. فقد طرحت «رايثيون» جهازاً حمل اسم «رادارانج» في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي، وكان ضخماً للغاية مقارنة بالأفران الحديثة. وتشير المصادر التاريخية إلى أن طوله اقترب من 1.8 متر، بينما تجاوز وزنه 340 كيلوغراماً، كما احتاج إلى نظام تبريد خاص بسبب الحرارة الناتجة عن تشغيل المغنطرون.
بلغ سعر الجهاز في ذلك الوقت نحو 5 آلاف دولار، وهو مبلغ مرتفع جداً بالنسبة إلى جهاز منزلي، فضلاً عن حجمه الكبير ومتطلبات تشغيله. ولهذا السبب، لم يكن «رادارانج» موجهاً في البداية إلى الأسر العادية، بل استُخدم في أماكن مثل المطاعم والمستشفيات والفنادق والمنشآت التي تستطيع تحمل تكلفته وتوفير المساحة اللازمة له.
وتشير روايات تاريخية إلى أن أحد النماذج الأولى خضع لاختبارات في مطعم بمدينة بوسطن، حيث جرى اختبار قدرته على تسخين وتحضير الطعام. ومع ذلك، احتاجت التكنولوجيا إلى سنوات طويلة قبل أن تصبح عملية بما يكفي للاستخدام المنزلي.
متى دخل الميكروويف إلى المطابخ؟
بدأ التحول الحقيقي مع تطور المكونات الإلكترونية وانخفاض تكاليف التصنيع. وفي ستينيات القرن الماضي، ظهرت نماذج أصغر حجماً وأكثر ملاءمة للاستخدام المنزلي. وكان من أبرز المحطات طرح فرن منزلي من شركة «أمانا» عام 1967، بسعر أقل بكثير من الأجهزة الأولى، ما ساعد على زيادة اهتمام المستهلكين بهذه التقنية.
ومع مرور الوقت، تراجعت الأسعار، وتحسنت أنظمة التحكم، وأصبح بالإمكان تصنيع أفران توضع فوق أسطح المطابخ بدلاً من الأجهزة الضخمة التي تحتاج إلى مساحة مخصصة. كما ساهم انتشار الأطعمة المجمدة والوجبات الجاهزة في تعزيز استخدام الميكروويف، خصوصاً لدى العائلات والطلاب والموظفين الذين يبحثون عن وسيلة سريعة لتسخين الطعام.
وبذلك انتقل فرن الميكروويف من مشروع مرتبط بالصناعات العسكرية وتكنولوجيا الرادار إلى جهاز منزلي شائع. وتُظهر هذه القصة كيف يمكن لملاحظة صغيرة، إذا تبعها بحث وتجريب، أن تقود إلى اختراع يغير العادات اليومية لملايين الناس.
لماذا تُعد القصة مثالاً على الاكتشافات العرضية؟
لم يكن سبنسر يبحث في الأصل عن طريقة جديدة لطهي الطعام، بل كان يعمل على تطوير معدات مرتبطة بالرادار. لكن ملاحظته لذوبان الشوكولاتة دفعته إلى طرح سؤال بسيط: ما الذي تسبب في ذلك؟ ومن خلال اختبار الفرضية على الذرة والبيض وأطعمة أخرى، تحولت الملاحظة إلى معرفة قابلة للتطبيق.
ومع ذلك، لم يكن الاختراع نتيجة المصادفة وحدها؛ فقد احتاج إلى فهم طبيعة الموجات، وتطوير حجرة معدنية مناسبة، وضبط الطاقة، ثم حماية المستخدمين من التعرض المباشر لها. لذلك فإن قصة فرن الميكروويف تجمع بين الصدفة والفضول العلمي والعمل الهندسي المتواصل.
أما بيرسي سبنسر، فلم يحقق من هذا الاختراع ثروة ضخمة، إذ تشير مصادر تاريخية إلى أنه حصل على مكافأة رمزية من شركة «رايثيون» مقابل ابتكاره، بينما واصلت الشركة تطوير التقنية وتسويقها. لكن إرثه العلمي بقي حاضراً، بعدما تحول الاكتشاف الذي بدأ بقطعة شوكولاتة ذائبة في جيبه إلى واحد من أكثر الأجهزة استخداماً في الحياة اليومية.



