تكنولوجيا

تيم كوك.. 15 عاماً من المشي على حبل مشدود بين شي وترامب

بعد 15 عاماً قضاها في منصب الرئيس التنفيذي لشركة أبل، لم يعد إرث تيم كوك يقتصر على الهواتف والمنتجات التقنية، بل امتد ليشمل أداءً سياسياً دقيقاً جسده في إدارة علاقات معقدة مع كل من الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ظل تصاعد التوترات بين البلدين.

نجح كوك خلال فترة ولايته التي بدأت عام 2011 في الحفاظ على سلاسل توريد أبل في الصين عبر موازنة دقيقة بين إرضاء القيادة الصينية وتجنب ردود الفعل السياسية السلبية داخل الولايات المتحدة. وعندما شن ترامب حرباً تجارية على الصين، استطاع كوك تخفيف التداعيات على شركته من خلال دبلوماسيته مع البيت الأبيض، مما ساهم في توسع أبل لتصبح شركة تتجاوز قيمتها تريليونات الدولارات.

وكان كوك المسؤول الذي عزز وجود أبل التصنيعي في الصين حتى قبل توليه منصب الرئيس التنفيذي. وبمجرد توليه القيادة، واجه ملفات شائكة تتعلق بالرقابة على الإنترنت، وخصوصية البيانات، وتقارير عن عمالة قسرية أو عمالة الأطفال، وذلك قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض. واعتاد كوك على حضور اجتماعات مع الرئيس الصيني إلى جانب رؤساء تنفيذيين آخرين لشركات تكنولوجيا أمريكية.

هذه العلاقة الوثيقة وضعت أبل في مواقف حرجة، حيث حذرت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش من أن ممارسات أبل في الصين قد تتعارض مع قيمها المعلنة المتعلقة بحماية خصوصية المستخدمين. وفي عام 2014، خالفت أبل نهج شركات مثل جوجل، عندما اختارت تخزين بيانات بعض المستخدمين الصينيين على خوادم داخل البر الرئيسي للصين، بحجة تحسين خدماتها لهؤلاء المستخدمين، غير أن هذه الخطوة أثارت مخاوف من تعرض البيانات للرقابة الحكومية، رغم أن تقارير ذكرت أن أبل احتفظت بمفاتيح التشفير خارج الصين.

ورغم إعلان أبل أن تدقيقاً في ظروف العمل لدى مقاوليها لم يكشف عن عمالة قسرية، فقد أشارت تقارير إلى أن الشركة ضغطت لإضعاف مشروع قانون أمريكي كان يهدف إلى تحميل الشركات الأمريكية مسؤولية أكبر لضمان عدم استخدامها عمالة قسرية. كما التزمت أبل باللوائح الصينية التي طُلبت منها بموجبها خفض رسوم المشتريات داخل التطبيقات، وأزالت تطبيقات يعترض عليها النظام الصيني من متجرها الإلكتروني.

كوك عرف كيف يختار معاركه

أظهر كوك منذ الولاية الأولى لترامب قدرة واضحة على التعامل مع مزاج الرئيس الأمريكي المتقلب، مستخدماً مبادرات رمزية لا تكلف شركته كثيراً. ففي جولة شهيرة في مصنع متعاقد معه لإنتاج حواسيب ماك برو، وقف كوك إلى جانب ترامب بينما كان الرئيس الأمريكي يزعم أن أبل “تبني مصانع في الولايات المتحدة”، علماً أن مصنع تكساس كان ينتج حواسيب ماك برو منذ سنوات، وما كانت أبل تبنيه في مدينة أوستن آنذاك هو حرم جديد وليس منشأة تصنيعية.

ونجح كوك في الموازنة بين الحفاظ على علاقته بترامب وبين طمأنة موظفيه وعملائه، فبعد أن فرض ترامب قيوداً على الهجرة من سبع دول مسلمة عام 2017، أبلغ كوك الموظفين أن هذه “ليست سياسة ندعمها”. وعندما بدأت الحرب التجارية مع الصين في الولاية الأولى، فرضت بكين رسوماً جمركية على سلع أمريكية، لكن كوك نجح لاحقاً في الحصول على إعفاء لبعض منتجات أبل من الرسوم الأمريكية المرتفعة المفروضة على الواردات الصينية مثل ساعات أبل.

وفي ولاية ترامب الثانية، أصبح دعم كوك للرئيس الأمريكي أكثر وضوحاً، بينما تراجعت حدّة انتقاداته العلنية. فقد حضر كوك حفل تنصيب ترامب الثاني إلى جانب كبار رؤساء شركات التكنولوجيا، وتبرع بمليون دولار للجنة التنصيب. وبعد مقتل المتظاهر أليكس بريتي برصاص عملاء فيدراليين في مينيابوليس، وهو ما حدث بعد ساعات من حضور كوك وعملاق تقني آخر عرضاً لفيلم وثائقي عن ميلانيا ترامب على منصة أمازون، طمأن كوك الموظفين بأنه “مفجوع القلب” لهذا الوضع، وأنه “أجرى محادثة جيدة مع الرئيس هذا الأسبوع وشاركه وجهة نظره”.

وواصل كوك تقديم جوائز رمزية مفيدة لترامب، ففي أغسطس 2025، منح الرئيس الأمريكي تمثالاً من الذهب والزجاج كرمز لجهود أبل في التصنيع داخل الولايات المتحدة بشعار “صنع في أمريكا”. ولدرء الرسوم الجمركية المكلفة، أبرم صفقات لنقل المزيد من التصنيع إلى الأراضي الأمريكية.

مفاوض سياسي أول

هذا التوازن الدقيق سمح لكوك وأبل بمواصلة ما يجيدانه: إطلاق نسخة جديدة من آيفون عاماً بعد عام، مع توفير سلاسل التوريد والظروف التجارية اللازمة لذلك. لكن نقص رقائق الذاكرة الناجم عن الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي أجبر أبل الآن على رفع الأسعار، بحسب كوك.

ومع انتهاء فترة كوك كرئيس تنفيذي، يبدو أنه لن يتخلى قريباً عن دوره كمفاوض سياسي أول لأبل، فقد أعلنت الشركة أن كوك، بصفته رئيساً تنفيذياً لمجلس الإدارة، سيواصل “التواصل مع صناع السياسات حول العالم”. ويتولى جون تيرنوس منصب الرئيس التنفيذي الجديد للشركة.

المصدر: theverge

زر الذهاب إلى الأعلى