تصاعد التوتر بين فرنسا وألمانيا، القوتين الرئيسيتين في الاتحاد الأوروبي، على خلفية الخلافات الاقتصادية وسياسات الطاقة والصناعات الدفاعية، بعدما اتهم المفوض الأوروبي السابق تييري بريتون برلين بالتخلي عن شركائها الأوروبيين، محذرًا من أن استبدال الغاز الروسي بالغاز الأمريكي لم يُنهِ التبعية، بل جعلها أكثر كلفة.
انتقادات فرنسية لسياسة برلين
وجّه بريتون، المفوض الأوروبي السابق للسوق الداخلية ووزير الاقتصاد الفرنسي الأسبق، انتقاداته إلى ألمانيا خلال مقابلة مع قناة «إل سي آي» الفرنسية، أجراها الصحفي داريوس روشبان. وتناول الحوار المشكلات الاقتصادية في أوروبا وارتفاع ديون فرنسا، إلى جانب الفوارق الاقتصادية بين باريس وبرلين.
وقال بريتون إن «الألمان يخذلوننا بالفعل»، مضيفًا أن الدبلوماسيين الفرنسيين يدخلون الاجتماعات مع نظرائهم الألمان ويذكّرونهم بأن البلدين يستخدمان العملة الموحدة، قبل أن يسألوهم: «متى ستسدّدون ديونكم؟».
كما ذكّر المسؤول الفرنسي السابق بتحذير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألمانيا، في عام 2018 خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، من اعتمادها الكبير على الطاقة الروسية. وبحسب رواية بريتون، قابل الوفد الألماني آنذاك كلام ترامب بالسخرية، متسائلًا عن هوية الرجل الذي جاء ليعطيهم دروسًا، قبل أن يخلص إلى أن «ذلك الرجل الأحمق» كان محقًا في تحذيره لألمانيا.
من الغاز الروسي إلى الأمريكي
اعتبر بريتون أن ألمانيا أصبحت معتمدة على الغاز الروسي بدرجة «لا تُصدّق»، وأنها أغرقت سوقها بالغاز الروسي، قبل أن تنتقل أوروبا لاحقًا إلى اعتماد أكبر على الولايات المتحدة. وقال إن الأوروبيين «استبدلوا روسيا بالولايات المتحدة، وبغاز أغلى بكثير».
وأوضح أن حصة الولايات المتحدة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي كانت تبلغ نحو 6% في عام 2021، بينما تشير التوقعات الخاصة بعام 2028 إلى ارتفاعها إلى 42%. ويرى بريتون أن هذا التحول يخلق مشكلة جديدة أمام الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، لأن القارة لم تتخلص من التبعية لمورد واحد، بقدر ما غيّرت مصدرها.
وحذّر المسؤول الفرنسي السابق من إمكانية استخدام تجارة الطاقة الأمريكية أداةً للضغط الاقتصادي والسياسي، داعيًا أوروبا إلى تنويع مورديها وعدم الاعتماد على طرف واحد. وذكر أذربيجان والنرويج وقطر بين الدول القادرة على تزويد القارة بالغاز، قائلًا إن أوروبا لن تحصل عليه من لوكسمبورغ، لكنها ما زالت أمامها دول كثيرة مستعدة للبيع.
ربط بريتون أمن الطاقة الأوروبي بزيادة تنوع مصادر الإمداد، مجددًا دعوته إلى تعزيز «الاستقلال الذاتي الاستراتيجي» للاتحاد الأوروبي.
الخلاف يمتد إلى الصناعات الدفاعية
ولا تقتصر التوترات بين باريس وبرلين على الاقتصاد والطاقة. فاختيارات ألمانيا في مجال الصناعات الدفاعية أصبحت بدورها موضع انتقاد في فرنسا، خصوصًا مع استمرار الخلافات حول مشروع الطائرة المقاتلة الأوروبية من الجيل الجديد «إف سي إيه إس/إس كاف»، الذي تخطط فرنسا وألمانيا وإسبانيا لتطويره بصورة مشتركة.
وتشمل الانتقادات الفرنسية توجه برلين إلى شراء أسلحة من خارج أوروبا. ففي مبادرة الدرع الجوي الأوروبي، اختارت ألمانيا منظومة «أرو 3» الإسرائيلية، ومنظومة «باتريوت» الأمريكية، ومنظومة «إيريس-تي» الألمانية، من دون إدراج منظومة «سامب-تي» التي تنتجها فرنسا وإيطاليا بشكل مشترك.
كما يبرز شراء ألمانيا مقاتلات «إف-35» الأمريكية في النقاش المتعلق بقدرة أوروبا على بناء استقلال استراتيجي في مجال الدفاع، في وقت تتنافس فيه الدول الأوروبية على تحديد دور صناعاتها العسكرية ومصادر تسليحها.
وتتزامن هذه الخلافات مع تصاعد الضغوط الداخلية في فرنسا بسبب ارتفاع عبء الديون ومشكلات الموازنة والجدل المستمر حول نظام التقاعد. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية، يُتوقع أن تحجز الخلافات مع برلين مساحة أكبر في النقاش السياسي الداخلي، إلى جانب استمرار التنافس الصناعي بين البلدين داخل مشاريع الدفاع الأوروبية.
المصدر: Türkiye Gazetesi