توعد رئيس حزب الحركة القومية التركي دولت بهتشلي بتطبيق «أقوى العقوبات» بحق من يستهدفون مدخرات المواطنين في إطار التحقيق الجاري بشأن الصناديق المالية، معتبرًا أن القضية تتصل بعمليات تلاعب في السوق واحتيال وإساءة ائتمان تستهدف استقرار الاقتصاد التركي. وجاء ذلك خلال كلمة ألقاها أمام اجتماع الكتلة البرلمانية لحزبه في البرلمان التركي.
وقال بهتشلي إن التحقيقات تشير إلى «مدّ يد منظمة إلى الحرام» عبر مخالفات تستهدف الاقتصاد، مؤكدًا أن من يطمعون في «مدخرات الشعب الحلال» سيواجهون، وفق القانون، أقوى الجزاءات. وأعرب عن ارتياحه لاستمرار الخطوات الرامية إلى كشف المسؤولين ومعالجة الأضرار، ولإدراج التعديلات القانونية المتعلقة بالملف على جدول أعمال الجمعية العامة للبرلمان التركي.
تحقيق الصناديق وملفات البلديات
ربط زعيم حزب الحركة القومية بين سلامة النظام المالي وقدرة السياسات الاقتصادية على تحقيق النمو المستدام واستقرار الأسعار، مشددًا على ضرورة تنسيق أعمال الرقابة والإشراف على أسواق رأس المال والأسواق المالية. وقال إن تطوير أسواق رأس المال يتطلب تعميقها وتوسيع قاعدة انتشار رأس المال، إلى جانب ضمان عمل النظام المالي بأكمله في أجواء مستقرة.
وتتواصل منذ الأسبوع الماضي إجراءات قضائية مرتبطة بالتحقيق في الصناديق، إضافة إلى ملفات فساد في عدد من البلديات، بدءًا من بلدية إسطنبول الكبرى. واتهم بهتشلي علاقات المصالح في مجالات المناقصات والتخطيط العمراني والتراخيص والعقارات والشركات التابعة والموظفين والإنفاق العام بأنها لا تمثل مشكلة قانونية فحسب، بل «افتقارًا إلى الأخلاق» أيضًا.
ودعا المعنيين إلى الرد على الاتهامات عبر المسار القانوني بدل تحويلها إلى سجالات سياسية أو أجندات شخصية، مؤكدًا أن المحاكم مكان لحماية حق الدفاع، لا لتنظيم الاستعراضات السياسية. وأضاف أن المواطنين يتابعون التطورات وينتظرون تحقيق العدالة في أسرع وقت.
وأشار بهتشلي إلى أن هذه الملفات ينبغي أن تتحول إلى فرصة للتطهير وكشف الحقائق ومعالجة الأسباب الكامنة وراء المخالفات. وقال إن العدالة لا تقتصر على معاقبة المذنب، بل تشمل حماية البريء وصون حقوق المتضرر. كما رحب بتأكيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن أصحاب الأرباح الفاحشة سيدفعون ثمنها، وأن الدولة لن تسمح بوقوع أي شخص ضحية.
وأكد أن الاقتصاد التركي يقف على أسس متينة رغم وجود بعض المشكلات، متعهدًا بأن يواصل حزبه الدفاع عن حقوق المواطنين ومتابعة الخطوات التي تضمن توزيعًا أكثر عدالة للدخل. وأضاف أن الإجراءات اللازمة ستُتخذ لتلبية توقعات ذوي الدخل المحدود، مستشهدًا ببيان خطي أصدره في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026 حول مسؤولية الدولة في حماية ممتلكات الشعب، ومعتبرًا الاعتداء على المال العام مسألة تتصل بأخلاق الدولة والعدالة.
الفيضانات واتهامات البلديات
وفي ملف آخر، أعرب بهتشلي عن تعازيه لأسر الذين لقوا حتفهم جراء الأمطار الغزيرة التي ضربت إسطنبول ومدنًا تركية أخرى، وتسببت في خسائر بشرية ومادية وإصابة عدد كبير من المواطنين. وقال إن شدة الهطول كانت استثنائية، لكن البنية التحتية والانضباط العمراني كانا عاملين حاسمين في حجم الأضرار.
ورأى أن الكارثة أكدت مجددًا أهمية التخطيط وإدارة المخاطر واتخاذ التدابير الوقائية قبل وقوع الكوارث. ودعا إلى التعامل مع مكافحة الكوارث باعتبارها سياسة عامة استراتيجية تشارك فيها جميع المؤسسات الحكومية والإدارات المحلية والأوساط العلمية والمجتمع، بدءًا من الانتخابات المحلية وصولًا إلى إعادة تأهيل المناطق الخطرة ومشروعات الإصلاح.
وقال إن أضرار المواطنين المتضررين من الكارثة يجب أن تُعوّض فورًا، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار مشاهد مماثلة.
حرية الصحافة ومسؤولية الإعلام
وتطرقت كلمة رئيس حزب الحركة القومية إلى الجدل المرتبط بحرية الصحافة في إطار التحقيقات الجارية. وقال إن الإعلام الحر عنصر لا غنى عنه في المجتمعات الديمقراطية، وإن وسائل الإعلام يجب أن تؤدي مهمة إطلاع الرأي العام بحرية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن القانون لا يقل أهمية عن نسب المشاهدة.
وأكد أن حرية الصحافة لا تعني حرية ارتكاب الجرائم، وأن المؤسسات الإعلامية، مثل سائر المؤسسات، تتحمل مسؤولية أمام القانون. وأضاف أن الدفاع عن حرية الإعلام يجب ألا يتحول إلى تجاهل لأفعال مخالفة للقانون أو إلى تكريس لمخالفة أخرى.
وحذر بهتشلي من محاولات التأثير في المجتمع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ومن التحريض الذي قال إنه يصدر عن حسابات تابعة لتنظيم «فتح الله غولن» المعروف اختصارًا بـ«FETÖ»، داعيًا إلى الاعتماد على البيانات الرسمية. وقال إن أي محاولة لدفع تركيا إلى ردود فعل اجتماعية تقوم على انعدام الثقة يجب التصدي لها.
هاجم بهتشلي من وصفهم بأنهم يتحدثون ويكتبون باسم القومية التركية في إطار ما سماه «مسرحية ظل» معادية لحزب الحركة القومية، واتهمهم بتقديم طموحاتهم السياسية ومصالحهم الشخصية على المبادئ القومية. كما دعا أنصار حزبه إلى عدم إهدار وقتهم أو الاصطفاف في الاتجاه الخاطئ، وإلى العمل على تحويل مشروع «تركيا الدولة القائدة» إلى واقع.
وقال إن القومية التركية، من وجهة نظره، ليست حصر الهوية التركية في العصبية العرقية أو في الماضي، بل رفعها عبر وعي وطني قوي وأفق حضاري واسع. وأضاف أن الخطاب القومي يجب أن يجمع بين اللغة والثقافة والتاريخ، وأن يمتد من تراث أحمد يسوي في آسيا الوسطى إلى غول بابا في البلقان، ومن كاشغر إلى المسجد الأبيض، ومن بخارى إلى موستار.
وحذر من أن إقصاء المقدسات الوطنية والتفكير بمفاهيم أجنبية والبحث عن المصير الوطني في «عتمة الشوارع» قد يقود، بحسب تعبيره، إلى الشعبوية ثم التخريب وأخيرًا الفاشية. وأكد أن حزب الحركة القومية هو القلعة المؤسسية للقومية التركية وحامل رايتها، داعيًا إلى توحيد الصفوف وبناء رؤية مستقبلية تجمع العقل والأخلاق وخبرة الدولة والإرادة الوطنية.
فرنسا و«تركيا الخالية من الإرهاب»
وجّه بهتشلي رسالة إلى الشباب التركي، حاثًا إياهم على عدم الانجراف وراء الاحتجاجات التي بدأت في فرنسا وامتدت، وفق وصفه، إلى مناطق واسعة من أوروبا، والتي قال إنها تنتج الدم والفوضى، أو وراء ما سماه مخططات تهدف إلى إبعادهم عن ذواتهم. ودعاهم إلى عدم الاستجابة للاستفزازات، والتركيز على إعداد أنفسهم بالعلم من أجل استقلال تركيا ومستقبلها.
وأكد أن هدف الوصول إلى منطقة خالية من الإرهاب يمثل مسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه الأتراك والعرب والأكراد وجميع الشعوب التي لا تملك خيارًا سوى العيش المشترك في المنطقة. وقال إن تركيا ستواصل العمل لتحقيق هذا الهدف، والقضاء على الإرهاب وترسيخ الأمن والسلام.
قبرص وإسرائيل والسياسة الخارجية
وفي شرق البحر المتوسط وقبرص، قال بهتشلي إن الاستفزازات مستمرة بالتزامن مع التركيز على مشروع «تركيا الخالية من الإرهاب والمنطقة الخالية من الإرهاب». وأوضح أن حزبه يتابع عن كثب الاتصالات بين ممثلي جمهورية شمال قبرص التركية والجانب القبرصي اليوناني في الجزيرة التي وصفها بأنها مركز استراتيجي لمفهوم «الوطن الأزرق» في العقيدة الأمنية التركية.
وأشار إلى تقارير نشرتها الصحافة القبرصية اليونانية ولم تُنفَ، تتحدث عن طرح تسليم منطقة مرعش المغلقة لإدارة الأمم المتحدة، وتشغيل ميناء فاماغوستا تحت إشراف المفوضية الأوروبية. واعتبر أن هذه الادعاءات ترسم، بحسب رأيه، صورة خطيرة بشأن حقوق القبارصة الأتراك في السيادة.
وقال إن فكرة «اتحاد قبرص» الفيدرالي مجرد حلم غير ناضج، وإنها تمثل خطرًا على السيادة التركية. كما دعا سكان جمهورية شمال قبرص التركية إلى اليقظة، متهمًا إدارة قبرص اليونانية بالاضطلاع بدور «مخفر لإسرائيل» في الجزيرة، ومؤكدًا أن قبرص تركية منذ قرون وستبقى تركية إلى الأبد.
وفي ما يتعلق بإسرائيل، اتهمها بمواصلة عمليات القتل عبر سياسات وصفها بالمستفزة والتوسعية، والتي تهدد الأمن الإقليمي. وطالب المجتمع الدولي باتخاذ موقف رادع وحازم لإنهاء الهجمات، كما دعا إلى تفعيل آليات الدبلوماسية متعددة الأطراف لإنهاء حالة عدم الاستقرار المرتبطة باليمن والهجمات التي قال إن جماعة الحوثي تشنها ضد مدنيين في السعودية.
وأشاد بالمقاربة الدبلوماسية التركية التي قال إنها تعطي الأولوية للسلام والاستقرار. وأضاف أن تركيا تعزز علاقاتها الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية مع العالم التركي، وتدير علاقاتها مع أوروبا على أساس المصالح المتبادلة، وتسهم في السلام والتنمية في الشرق الأوسط والقوقاز والبلقان وأفريقيا.
واعتبر منظمة الدول التركية فاعلًا مهمًا يمكن أن يمهد للسلام والاستقرار والعدالة على المستويين الإقليمي والدولي. وقال إن تشكل «الحزام التركي» سيعزز الحوار والتعاون بين الدول والمجتمعات التركية، ويفتح أمامها فرصًا تجعلها أطرافًا مؤثرة في العصر، ضمن إطار الاستقلال والسيادة.
ومن المقرر أن تستضيف أنقرة القمة الثالثة عشرة لمنظمة الدول التركية يومي 29 و30 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وقال بهتشلي إن قلب العالم التركي سينبض في العاصمة التركية خلال القمة، التي ستتزامن مع الاحتفال بالذكرى الثالثة بعد المئة لتأسيس الجمهورية التركية، بما يوجه، وفق تعبيره، رسالة جديدة إلى الصديق والخصم حول وحدة العالم التركي وتضامنه.
وختم بهتشلي بالتأكيد أن الجهود الرامية إلى جعل الشعب التركي فاعلًا في صناعة التاريخ من جديد، وربط الفكر التركي بالعلم والتقنية، وتحويل البلاد إلى فضاء للسلام والأمن، بدأت تؤتي ثمارها. وقال إن حزبه يعمل على مواجهة التوترات غير المفهومة والاستقطاب غير المبرر، وترسيخ فهم سياسي «مبدئي ومتزن» تكون تركيا محوره.
المصدر: Türkiye Gazetesi