اجتماع أنقرة يؤسس مجلسًا للأسرة والمرأة في العالم التركي.. والمحطة التالية أوزبكستان

خطت منظمة الدول التركية في أنقرة أولى خطوات إنشاء منصة مؤسسية مشتركة لشؤون الأسرة والمرأة، خلال اجتماع المجلس الأعلى للشرف لمجلس الأسرة والمرأة التابع للمنظمة، الذي استضافته أمينة أردوغان في قصر تشانقايا. ومن المقرر عقد أول اجتماع رسمي للمجلس العام المقبل في أوزبكستان، بالتزامن مع القمة الرابعة عشرة لمنظمة الدول التركية.
وشارك في الاجتماع زوجات القادة الذين وصلوا إلى أنقرة للمشاركة في القمة الثالثة عشرة لرؤساء دول وحكومات المنظمة، إلى جانب وزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية التركية ماهينور أوزدمير غوكتاش، ومسؤولين رفيعي المستوى من الدول الأعضاء.
واستقبلت أمينة أردوغان زوجة الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف، زيروات ميرضيائيفا، وزوجة الرئيس القيرغيزي صدر جباروف، أيغول جباروفا، وزوجة رئيس جمهورية شمال قبرص التركية توفان إرهورمان، نيلدن بكتاش إرهورمان، لدى وصولهن إلى قصر تشانقايا. وبعد التقاط صورة جماعية، انتقلت المشاركات إلى قاعة الاجتماع.
منصة مشتركة لقضايا الأسرة والمرأة
قالت أمينة أردوغان إن الهدف من المجلس هو تحويل الإرادة المشتركة في العالم التركي بشأن الأسرة والمرأة إلى تعاون دائم، مؤكدة أن الاجتماع المنعقد في أنقرة يمثل بداية تأسيس هذا الإطار.
وأضافت: «نهدف إلى أن يكون مجلسنا أرضية دائمة للتعاون. لقد اتخذنا اليوم في أنقرة أولى خطوات مجلسنا معًا، وأتمنى أن يُعقد أول اجتماع رسمي لمجلسنا العام المقبل، خلال القمة الرابعة عشرة لمنظمة الدول التركية في أوزبكستان».
وأوضحت أن الدول المنضوية تحت منظمة الدول التركية حققت حتى الآن تعاونًا في مجالات الاقتصاد والطاقة والثقافة والتكنولوجيا، وأن رؤية العالم التركي 2040 عبّرت عن إرادة تشكيل المستقبل المشترك. وقالت إن المجلس الجديد يهدف إلى منح هذه الرؤية بُعدًا إضافيًا من خلال التعاون في قضايا الأسرة والمرأة.
ووصفت أردوغان العالم التركي بأنه «عائلة كبيرة» تجمعها قيم التاريخ والثقافة والهوية والحضارة المشتركة، مشيرة إلى أنها لا تستضيف ضيوفًا بل «أشقاء»، وموجهة الشكر إلى المشاركات على حضورهن.
وأشارت إلى أن التقارب العالمي المتزايد جعل المجتمعات تستخدم التقنيات نفسها وتتأثر بالتطورات العالمية ذاتها، في وقت تفرض فيه التحولات الرقمية والاقتصادية والاجتماعية نتائجها على الجميع. وقالت إن توجهًا ينتشر في بلدة صغيرة في بلد بعيد يمكن أن يؤثر خلال دقائق في العالم بأسره، محذرة من أن المجتمعات تتجه تدريجيًا نحو التشابه وتفقد بعض ملامحها الأصيلة.
وأكدت أن لكل مجتمع، رغم العيش تحت السماء نفسها، منظومة تتشكل من تاريخه وثقافته ومعتقداته، وأن معنى الأسرة وديناميكيات العلاقات الاجتماعية يتحددان وفق هذه الخصوصية الحضارية.
أمينة أردوغان: قوة المرأة لا تختصر في نمط حياة واحد
انتقدت أمينة أردوغان تقديم بعض التصورات الاجتماعية وأنماط الحياة، في ظل العولمة، باعتبارها معايير صالحة للبشرية كلها، معتبرة أن النقاشات المتعلقة بالمرأة من أبرز الأمثلة على ذلك.
وقالت إن نموذجًا واحدًا مثاليًا للمرأة بدأ يُستخدم لتحديد معنى القوة والحرية والنجاح وطريقة الحياة، بينما تفقد النساء اللواتي لا يندرجن في هذه القوالب الجاهزة أصواتهن وحضورهن. وأضافت أن بعض المقاربات التي تعد النساء بالحرية والنجاح والمسار المهني قد تتحول، في الواقع، إلى أحد أكبر مصادر المأزق بالنسبة إليهن.
وأوضحت أن تقديم الأمومة والعمل باعتبارهما خيارين متعارضين يدفع النساء إلى الاختيار بين الأسرة والمهنة، كما أن قياس نجاح المرأة بموقعها المهني وحده يحجب الجهد الكبير الذي تبذله داخل الأسرة. وفي المقابل، فإن حصر المرأة في أدوارها العائلية فقط يعرقل قدرتها على تحقيق إمكاناتها في العلوم والسياسة والاقتصاد والحياة العامة ومجالات أخرى.
وأكدت أن مفهوم المرأة القوية أوسع من أن يُختزل في نمط حياة واحد، قائلة إن المطلوب هو بناء نظام اجتماعي لا يحبس النساء داخل قوالب مستوردة، بل يتيح لهن الحضور بقيمهن ومواهبهن وإرادتهن.
واستشهدت أردوغان بمحطات من التاريخ التركي والعالم التركي، قائلة إن ابن بطوطة، الذي جال في الديار التركية خلال القرن الرابع عشر، كتب بإعجاب عن المكانة الرفيعة للنساء في المجتمع. كما أشارت إلى جوهرشاد، التي تركت أثرًا في منطقة الدولة التيمورية بفضل نفوذها السياسي والمؤسسات العلمية والثقافية التي أسستها.
وذكرت أن كورمانجان داتكا، إحدى أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ قيرغيزستان، دخلت صفحات التاريخ بفضل قيادتها السياسية ومهارتها الدبلوماسية. وأضافت أن سجلات الأوقاف في إسطنبول لعام 1546 تظهر أن النساء أسسن 36 في المئة من الأوقاف.
كما ذكّرت بتأسيس النساء في الأناضول خلال القرن الثالث عشر تنظيم «باجيان الروم»، الذي ساهمت من خلاله النساء في معالجة القضايا الاجتماعية وتوجيه الاقتصاد والعمل في الحرف. وأكدت أن استعادة هذا الإرث لا تعني الافتخار بالماضي فقط، مشيرة إلى أن النساء لم يحصلن في كل مراحل التاريخ على فرص متساوية، لكن وجودهن في مواقع قوية وفاعلة داخل المجتمع ليس تجربة غريبة عن المجال الحضاري الذي ينتمي إليه العالم التركي.
وقالت إن المطلوب هو تحويل هذه الخبرة التاريخية إلى منظور خاص بالعالم التركي، ينسجم مع الحساسيات الثقافية والأولويات والحقائق الاجتماعية في مجتمعاته.
الأسرة في صلب السياسات التركية
رأت أمينة أردوغان أن العالم الحديث يقيس تقدم المجتمعات غالبًا عبر النمو الاقتصادي والقدرة الإنتاجية والتكنولوجيا، لكن القوة الحقيقية للمجتمع تنبع من قوة مؤسسة الأسرة، التي وصفتها بأنها «حصون غير مرئية» للمجتمعات.
وأوضحت أن الأسرة قد تكون مدرسة للأطفال، ومكانًا لرعاية المرضى، وملاذًا لكبار السن، وأن كثيرًا من اختبارات الحياة تُعالج بالتضامن الأسري والحكمة العائلية قبل أن تتحول إلى مشكلات اجتماعية.
وحذرت في الوقت نفسه من أن التحولات الاجتماعية، والفردانية، والرقمنة، وانخفاض معدلات المواليد، وعوامل أخرى تدفع مؤسسة الأسرة نحو أزمة. وأضافت أن فصل قضايا المرأة عن الحياة الأسرية يزيد من هذه الأزمة، داعية إلى بناء نظام اجتماعي لا تضطر فيه النساء إلى الاختيار بين الأمومة والعمل، وتتوزع فيه المسؤوليات داخل الأسرة بصورة عادلة، ويتمكن فيه الشباب من تأسيس أسر بسهولة.
وأشارت إلى أن تركيا تطور سياسات صديقة للأسرة وفق هذا النهج، مذكّرة بأن عام 2025 أُعلن «عام الأسرة»، فيما حُددت الفترة بين عامي 2026 و2035 «عقدًا للأسرة والسكان» تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.
وقالت إن تركيا تدعم النساء في مجالات التعليم وريادة الأعمال والتوظيف والتكنولوجيا، وتكافح العنف ضد المرأة وفق مبدأ «صفر تسامح». وأضافت أن المقاربة التركية تقوم على أن كل خطوة تعزز المرأة والأسرة تمثل شرطًا للتنمية وبناء مستقبل مستدام وتحقيق الرفاه الاجتماعي.
أكدت أردوغان أن الدول المشاركة تملك تجارب مهمة يمكن تبادلها في هذه المجالات، وأن هذه الرغبة شكلت الأساس الفكري لإنشاء مجلس الأسرة والمرأة، ليكون منصة خاصة تستطيع الدول من خلالها إنتاج حلول مشتركة للمشكلات المشتركة.
وأعربت عن ثقتها بأن أعضاء المجلس الأعلى للشرف سيدعمون عمل المجلس ويتبنون رؤيته المشتركة على أعلى مستوى، متمنية أن تستضيف زيروات ميرضيائيفا الاجتماع الرسمي الأول في أوزبكستان العام المقبل. كما شكرت وزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية التركية ووزارات الدول الأعضاء وكل من ساهم في إعداد مسار التأسيس، داعية إلى أن يعود المجلس بالنفع على العالم التركي والإنسانية جمعاء.
وتحدثت بعد ذلك زيروات ميرضيائيفا وأيغول جباروفا ونيلدن بكتاش إرهورمان، معربات عن آرائهن بشأن قضايا الأسرة والمرأة.
وعقب كلمات زوجات القادة، عُقدت جلسة وزارية تأسيسية بعنوان «جلسة الوزراء التأسيسية لمجلس الأسرة والمرأة في منظمة الدول التركية: التعاون المؤسسي والخطوات المشتركة»، بهدف نقل الإرادة المشتركة إلى إجراءات عملية. وأدارت الجلسة وزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية ماهينور أوزدمير غوكتاش، فيما تحدث الوزراء المعنيون من الدول المشاركة.
معرض للتراث وعشاء مستوحى من ثقافات العالم التركي
زارت أمينة أردوغان وزوجات القادة، ضمن البرنامج، معرضًا لمعاهد النضج التابعة للمديرية العامة للتعلم مدى الحياة في وزارة التعليم التركية. وضم المعرض 34 عملًا مختارًا من مجموعات هذه المعاهد، عكست الثراء الجمالي والدلالات الثقافية للحرف اليدوية التقليدية، بما في ذلك النسيج والتطريز والملابس وفنون الزينة وتقاليد جهاز العروس الممتدة من تركستان إلى الأناضول.
وأبدت المشاركات إعجابهن بالملابس المعروضة، وتحدثن عن أوجه التشابه بينها وبين الأزياء التقليدية في ثقافاتهن. وبعد تقديم القهوة التركية، شاهدن عرض أزياء ضم نماذج مستوحاة من ثقافة الملابس والزينة العريقة في الأناضول ومن الملابس التقليدية لشعوب العالم التركي.
وبرزت في المجموعة أزياء صُممت انطلاقًا من التفاصيل الخاصة بالملابس التقليدية وفساتين الزفاف في الأناضول، إلى جانب نماذج تعكس ثقافة الملابس التقليدية في العالم التركي وأمثلة من أزياء نساء القصر العثماني. كما شملت الأعمال المعروضة فساتين زفاف أُعدت مستوحاة من تقاليد الملابس في دول منظمة الدول التركية.
وانتقلت زوجات القادة بعد ذلك إلى مأدبة غداء أعدتها الشيف تشيغدم سفر أوغلو، وقدمت خلالها أطباق تعكس المطبخ التركي، بينها خبز المهاجرين بأوراق العنب، وسلطة البيربيريم الحامضة، والخرشوف المقرمش من أورلا مع البازلاء، وأرز الفريك بالسمن مع اللبن المدخن، والشكر باريه بالبندق، وشراب الريحان. كما قدم المغني التينور مراد كاراهان عرضًا فنيًا خلال الغداء.
وصُممت المائدة مستوحاة من التاريخ المشترك للدول التركية وتراثها الثقافي العريق وروابطها الممتدة منذ قرون. وفي وسط الطاولة ذات اللون الفيروزي وُضعت قطعة فنية خاصة من النحاس ترمز إلى الجذور المشتركة للعالم التركي والوحدة المنبثقة عنها.
ورمّزت الزخارف التي تنطلق من نقطة واحدة وتمتد في اتجاهات مختلفة ثم تتفرع وتتفتح إلى ثراء الدول التركية وتطورها واستمراريتها، بينما صُممت الحبال التي تمر بين التطريزات وتربطها ببعضها بوصفها رمزًا للروابط الثقافية والتضامن والوحدة التي حافظت على وجودها عبر التاريخ.
كما لفتت أمينة أردوغان الأنظار بملابس صُممت من قماش «السوف» المصنوع من وبر ماعز أنقرة. وأُعد الزي في مركز «إز أنقرة» للتصميم والحرف اليدوية التابع لولاية أنقرة، فيما نُفذت زخارفه يدويًا باستخدام تقنية إبرة الصين وبخيوط مصنوعة بنسبة 100 في المئة من الوبر.
واعتبر اختيار هذا الزي رسالة تعكس الحساسية تجاه البيئة، وتدعم مبادئ «صفر نفايات» والاستدامة.
المصدر: Türkiye Gazetesi




